نجيب محفوظ يحاكم «حكومة الوفد الأخيرة» فى السمــان والخــريف

المبرر الذى جعلنى أعاود مشاهدة فيلم «السمان والخريف» المأخوذ عن رواية «بنفس الاسم» للروائى الأكبر «نجيب محفوظ» هو ذكرى «مذبحة الإسماعيلية»

التى وقعت يوم «25 يناير 1952» وكانت الفصل الأخير من حياة «حكومة الوفد الأخيرة» التى جاءت فى العام 1950 عقب انتخابات برلمانية فاز فيها الحزب الشعبى بأغلبية كاسحة، وهى حكومة تميزت بأن فيها «طه حسين» المفكر المبدع، وعلى رأسها مصطفى النحاس، المجاهد الوطنى، وهى الحكومة التى ألغت معاهدة 1936، ونظمت حركة المقاومة المسلحة فى منطقة «قناة السويس»، والفيلم الذى أخرجه حسام الدين مصطفى، وقام ببطولته: محمود مرسى وعبدالله غيث ونادية لطفى ونعيمة وصفى وإحسان القلعاوى وليلى شعير، التزم بالخطوط الدرامية الأساسية فى الرواية، والخطوط التى رسمها «نجيب محفوظ» تكاد أن تكون نقداً ذاتياً، أى أن «نجيب» كان يسائل نفسه «هل هذا الوفد الذى آمنت برؤاه يصبح مجرد كيان حزبى فاسد؟» وفى الوقت ذاته كانت الرواية محاكمة لفكرة «الوفد» نفسها التى لم تكن على مستوى «الثورة» التى كانت تتخمر فى قلب «الجماهير» بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وهذا نجده صريحاً فى مشهد «الرشوة» التى تلقاها «عيسى الدباغ» من عمدة إحدى القرى، و«الخروف» الذى أهداه له العمدة نفسه، والسخرية التى أطلقها «عبدالله غيث» بجملة خاطب بها أم «عيسى الدباغ» الذى هو ابن عمه «إيه يامرات عمى.. هوه العيد قرّب ولا إيه؟»، ورمزية الخروف فى الثقافة الشعبية المصرية دالة على «الغفلة» وانعدام النخوة، ودالة على «الذبح والفداء» وقد كان «عيسى الدباغ» يحمل من خصائص «الخروف» الكثير، فهو ترك موقع «المجاهد الوطنى» ليعمل ضمن منظومة حكومية تقوم على الرشوة والفساد، مع وزير يدخن السيجار.. وهو وزير معروف فى تاريخ مصر السياسى المعاصر، والمشهد الذى تحول من مجرد سرد تاريخى لحياة «عيسى» إلى محاكمة لحكومة الوفد هو مشهد المقابر، والحوار الذى دار بين «جماعات الثوار» و«عيسى الدباغ» ـ ممثل وزارة الداخلية التى كانت الواجهة الحكومية للعمل الفدائى فى منطقة القناة ـ والحوار فيه اتهام مباشر، وتشكيك فى الهدف الذى جعل «فؤاد سراج الدين» يقرر المقاومة ويلزم «جنود 25 ينايرفى مبنى محافظة الإسماعيلية» بالقتال حتى آخر طلقة، وآخر رجل، وفى المرحلة الأخيرة من حالة «الضياع النفسى» التى عاشها «الدباغ» نجد «جوهر الرسالة» التى قصدها «نجيب محفوظ»، فالذى حدث هو الزواج بين «الدباغ» و«ريرى» ومن هذا الزواج كانت «الطفلة» التى رفض الدباغ أن يعترف بها، ثم عاد ليحاول استعادتها، ولكن «ريرى» فتاة الليل السابقة، رفضت أن تمنحه ما تنكر له من قبل، والطفلة هى «الثورة» التى أنجزت البرنامج السياسى والاجتماعى وأخرجت «الإنجليز» وأسقطت «أسرة محمدعلى» وهو البرنامج الذى تبناه «سعد زغلول» وضرب «الوفد» الفساد، واحترق فى يوم «25 يناير و26 يناير» من العام الفارق فى تاريخنا المعاصر،عام ثورة الضباط الأحرار.

حمزة البسيونى بطل فيلم «لا وقت للحب» طبيب من الدقهلية

بين «الواقعية» بمعناها الإبداعى، و»سرد الوقائع» بمعناها «البيروقراطى» الذى تعرفه مكاتب تسجيل المواليد بوزارة الصحة، مسافة واسعة يعرفها النقاد المتخصصون، من ذوى الرؤى العميقة، والفيلم الذى اخترته هو «لا وقت للحب» وهو ينتمى لأفلام «حقبة النضال الوطنى» التى بلغت ذروتها صباح «25 يناير1952» وكانت بدايتها فى «8 أكتوبر1951» عندما قرر «مصطفى النحاس» إلغاء «معاهدة 1936» من جانب واحد، وترتب على الإلغاء تصاعد «النضال» ضد جيش الاحتلال الموجود فى قاعدة «قناة السويس»، وهذا الفيلم سبق لى أن تناولته بالتحليل، لكن هذه المرة اخترت زاوية جديدة، هى المقارنة بين «الواقعى» و«الوقائعى» والفارق بينهما ذكره يوسف إدريس ـ مؤلف قصة الفيلم ـ فقال «أنا لا أقول كل الحقيقة، لكن كل ما قلته حقيقى» وترجمة هذه العبارة هو أن ما يكتبه الروائى أو القاص، حقيقى فى حياة الناس، لكن الكاتب يتصرف فى هذا «الحقيقى» فيضيف ويلغى ويمحو ويحذف ويبنى ويهدم، فى إطار الالتزام بقانون ومنطق «الحقيقة» وهذا يسميه النقاد «الواقعية» أما «الوقائعية» فهى من مهام موظفى تسجيل المواليد، ومهام المؤرخين والصحفيين الذين يوثقون الأحداث، والكاتب الكبير «يوسف إدريس» التقى البطل المناضل الطبيب «محمد حمزة البسيونى» ـ وهو من مركز أجا ـ دقهلية ـ فى سجن «أبو زعبل» وكانا معا فى منظمة سياسية وطنية سرية تسمى «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى» وكان العام هو «1954» وكان «يوسف إدريس» ضمن صفوف المنظمة الوطنية، والتقى «حمزة البسيونى» فى سجن «أبو زعبل» واستمع منه قصة نضاله ضد الاحتلال، ولما كتب مجموعة قصص بعنوان «جمهورية فرحات» ضمّنها قصة بعنوان «قصة حب» سرد فيها سيرة نضال «حمزة» وزوجته التى كانت تناضل معه، وهى طبيبة أيضاً، لكن فى الفيلم ظهرت شخصية الزوجة «فوزية» التى قدمتها «فاتن حمامة» وكانت «معلمة» فى مدرسة ابتدائية، وكان»حمزة» مهندساً، وظهرت شخصية «بدير» ـ صديق البطل ـ وهذه هى «الواقعية» فالفنان المبدع، له حق الهدم والبناء والإضافة والحذف، ولكن للقارئ العزيز نقول إن «صلاح أبوسيف ويوسف إدريس» أصرّا على أن يكون اسم البطل الطبيب المناضل «حمزة» هو الاسم الذى حمله بطل الفيلم «رشدى أباظة» وكان رشدى معترضاً على هذا الاسم، لأنه رأى فيه إهداراً لسمعته الفنية، ولكن المخرج ومؤلف القصة كانا يقصدان تخليد اسم «البطل المناضل» ورغم اعتراض «رشدى أباظة»عاش «حمزة البسيونى» فى قلوب الناس.

فيلم «الباب المفتوح» يوثِّق جريمة إحراق القاهرة

من يراجع تاريخ مصر المعاصر سوف يجد أن العام 1952، هو عام النهاية والبداية، نهاية حقبة تاريخية تميزت بالقهروالظلم والاحتلال والمقاومة الشعبية، كان الاحتلال الإنجليزى جاثماً فوق صدور الشعب المصرى، وكان الشباب المناضل، يبذل الدم فى سبيل حرية الوطن، والتاريخ المعاصر يعرف «عبدالحكم الجرّاحى» ورفاقه «طلبة الجامعة والمدارس العليا» الذين فجّروا انتفاضة كبرى فى العام 1935، ويعرف دورالطلبة فى تشكيل «اللجنة الوطنية للطلبة والعمال» وهى اللجنة التى شاركت فيها «لطيفة الزيات» وكانت طالبة فى جامعة فؤاد الأول، وهى نفسها الأستاذة الناقدة المعروفة فيما بعد، وفيلم «الباب المفنوح» مأخوذ عن رواية لها بذات الاسم إخراج هنرى بركات ـ سيناريو يوسف عيسى» قامت ببطولته الفنانة فاتن حمامة، وهو الفيلم الذى رصد دور الفتاة المصرية فى النضال الوطنى، ودور الشباب الجامعى فى: حرب الفدائيين»التى تفجرت فى منطقة «قناة السويس» عقب إلغاء «معاهدة 1936» وحريق القاهرة، كان «جريمة منظمة» ترتب عليها احتراق محال تجارية ودور سينما وبنوك وشركات، وامتدت نيرانه من «شارع شبرا» بالقاهرة إلى «الجيزة» وكانت منطقة «وسط القاهرة» هى الأكثر تضرراً، وحتى يومنا هذا، لايعرف أحد من «المجرم» الذى دبر هذه الجريمة، رغم وجود دراسات وكتب ومقالات اقتربت من تحديد الفاعلين، لكن لاتوجد وثيقة رسمية تحدد بدقة «الجهة» أو «الشخص» المسئول عن الحريق، وهنا تكمن قيمة «الباب المفتوح» فهو الفيلم الذى تضمن مشاهد الإحراق، وجعلها باقية فى أذهان الأجيال الأحدث، التى سمعت عن الحريق ولم تشهده، وهو الحريق الذى قضى على «حكومة الوفد» وقضى على الحكم الملكى، وعجّل بقيام ثورة يوليو1952.

 

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م