ماذا يحتاج المسرح المصرى هذه الأيام ؟

هل يحتاج  المسرج المصرى إلى مؤتمر يتحدث فيه المسرحيون عن الحالة المتردية التى يعيشها المسرح الآن؟

لا يحتاج المسرح المصرى إلى مؤتمرات، يحتاج إلى قرارات حاسمة، ومسئولين مخلصين، لا يحتاج إلى ثرثرة وكلمات، وبكائيات على اللبن المسكوب، كلنا يعرف ماذا يحتاج المسرح المصرى، الذى شهد فى السنوات الأخيرة ظواهر أقرب إلى الغرائبية وتندرج تحت عنوان صدق أو لا تصدق!

1

تناقصت أعداد المسارح، وأيضاً أعداد العروض المسرحية التى ينتجها مسرح الدولة، الملاحظ فى السنوات الأخيرة فى مصر تناقص أعداد العروض المسرحية وأيضاً المسارح، وفى المقابل تزداد أعداد المهرجانات! فإذا استثنينا عروض قصور الثقافة التى تنتج ما يقرب من 300 عرض مسرحى فى شتى أقاليم مصر، فى القرى والمدن من خلال الفرق الموجودة فى قصور الثقافة وهى عروض يتم تقديمها للجمهور أياماً معدودة فى القرية أو المدينة التى أنتجت العرض الذى إذا كان محظوظاً يشارك فى المهرجان الختامى، وإذ لم يحالفه الحظ سيكون مجرد أداء روتينى للفرقة، وإذا استثنينا هذه المؤسسة، فإن الإنتاج يصبح محدوداً جداًً، ومن ناحية أخرى زادت أعداد المهرجانات والتى ربما فاقت أعداد العروض المسرحية المنتجة فى عام 2024.

 2

بنظرة سريعة على المهرجانات المسرحية فى مصر فى شهرين تقريباً سنجد أن شهر أكتوبر بدأ بمهرجان المونودراما ثم تلاه مباشرة فى التاسع منه مهرجان المهن التمثيلية وفى اليوم التالى تم انطلاق مهرجان الفرينسيسكان الأول دورة نجيب الريحانى، وفى 17 أكتوبر بدأت فعاليات مهرجان وسط البلد « دى كاف» وبعد ثلاثة أيام بدأت أحداث المهرجان المسرح العربى الذى يقيمه معهد الفنون المسرحية فرع الإسكندرية. وفى سبتمر الماضى كان مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى الذى بدأ بعد انتهاء المهرجان القومى بأيام.

ففى أقل من شهرين شهدت القاهرة سبعة مهرجانات مسرحية، وهناك مهرجانات أخرى على قائمة الانتظار منها شرم الشيخ الدولى الذى بدأ بالفعل، وسبقه مهرجان المسرح الجامعى، ومهرجان آفاق، هذه المهرجانات العديدة والمتعددة المختلفة والمتفقة، سواء للهواة أو للمحترفين، المهرجانات المحلية والدولية هل هى ظاهرة صحية؟، هل تشير إلى تقدم أو تتطور؟، وهل تدل على أن المسرح المصرى يحيا فى خير وعافية؟، وأقصد عافية درامية وتمثيلية وبصرية واستعراضية وغنائية إلى آخره.

وبنظرة أخرى على العروض المسرحية وأقصد الإنتاج على سبيل المثال موسم فى 2023- 2024 تراجع إنتاج البيت الفنى للمسرح بشكل غير مسبوق وأنتج ثمانى مسرحيات تقريباً، معظمها تم عرضه قبل نهاية السنة المالية فى يونيو 2023، فقد أنتج المسرح الكوميدى عرضين «يوم عاصم جداً» و«العيال فهمت» والثانى تم افتتاحه فى أيام عيد الأضحى أى قبل انتهاء الموسم بأيام أيضاً! أما مسرح الطليعة فقد أنتج فى الأسبوع الأخير من يونيو أى فى نهاية السنة المالية عرضين من أصل خطة من أربعة عروض، الأول «أوبرا العتبة» من كتابة وإخراج هانى عفيفى والثانى «نهاية اللعبة» تأليف صموئيل بيكت وإخراج سعيد قابيل. والمسارح الأخرى ليست أحسن حالاً، فبعضها أنتج عرضين والبعض لم ينتج، وفى المقابل المهرجانات كما هى فى ازدياد، وتقريباً لدينا ستة مهرجانات دولية وهى «القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، إيزيس لمسرح المرأة، المونودراما، الجنوب، ملتقى المسرح الجامعى، شرم الشيخ»، ستة مهرجانات من المفترض أنها دولية كلها تضع هذه الصفة فى العنوان، وفيما عدا التجريبى كلها مهرجانات حديثة لا تقيمها وزارة الثقافة بل تدعمها وتقام برعايتها حيث تشارك جهات أخرى فى تمويله، هذا بالإضافة إلى المهرجانات ذات الطابع المحلى ومنها، القومى للمسرح والمهرجانات السنوية للهيئة العامة لقصور الثقافة، ومهرجانات المعهد العالى للفنون المسرحية فى القاهرة والإسكندرية «مهرجان المسرح العربى».. والأخيرة دون شك ضرورية بل ومفيدة للواقع المسرحى، فالأول يقدم بانوراما سنوية للمسرح المصرى، والثانى يسلط الضوء على المسرح فى الأقاليم أو بمعنى أدق المتميز منها، والثالث بمثابة شهادة ميلاد لطلبة المعاهد المسرحية، حين يقدمون أعمالهم للجمهور، وأضيف مؤخراً لعائلة المهرجانات، مهرجان نقابة المهن التمثيلية. ناهيك عن المهرجانات المستقلة، مثل «دى كاف أو وسط البلد، والفرنسيسكان، وآفاق ولازم مسرح» الذى يقام فى الإسكندرية وأخرى هنا وهناك، وما أقصده زيادة كبيرة فى أعداد المهرجانات لا بد أن نتوقف عندها، بعضها ضرورى ومفيد وبعضها لا قيمة له ولا يستفيد منه إلا من يعملون فيه!

 3

المسرح القومى نموذج صارخ لتراجع الإنتاج المسرحى فى السنوات الأخيرة، فإذا استعرضنا إنتاجه فى الفترة من 2014 وحتى 2024 أى منذ افتتاحه بعد الحريق وحتى وقتنا هذا سنعرف حجم المأساة، حيث تم افتتاح المسرح عام 20914 بعرض «بحلم يا مصر» تأليف نعمان عاشور وإخراج عصام السيد وتلاه عرض «ليلة من ألف ليلة» بيرم التونسى ومحسن حلمى ثم «اضحك لما تموت» لينين الرملى وعصام السيد، «المعجنة» سامح مهران وأحمد رجب، «المتفائل» عن كانديد لفولتير وإخراج إسلام إمام، «فى انتظار بابا» إعداد وإخراج سمير العصفورى، «الحفيد» عبدالحميد جودة السحار ويوسف منصور، «سيدتى أنا» برنارد شو ومحسن رزق وفى عام 2024 «رصاصة فى القلب» توفيق الحكيم ومروان عزب وأيضاً «مش روميو وجولييت» كتابة عصام السيد ومحمد السورى وصياغة شعرية أمين حداد وإخراج عصام السيد، بالإضافة إلى عروض أخرى مثل من القلب للقلب عن قصة الأمير الصغير وكتابة فؤاد حداد، وإعادة عرض حى على بلدنا فؤاد حداد وأحمد إسماعيل، ويعيش أهل بلدى محمد بغدادى وعصام نجاتى / الوصية لخالد جلال / كلنا واحد ردا على أحداث الكنيسة البطرسية من إخراج أحمد طه وشارك فيه مجموعة من الفنانين، أشرف عبدالغفور - لطفى لبيب، على الحجار وسوسن بدر وسلوى محمد على، أمسية شعرية غنائية عن قصائد بيرم التونسى وفؤاد حداد وصلاح جاهين وغيرهم وعرضت ليلة واحدة، وأمسيات رمضانية مثل قمر العشاق لعبدالرحيم كمال، ونور النبوءة لمحمد الخولى، ويمكن تقسيم هذه العروض إلى ثلاث مجموعات، الأولى عروض مسرحية بعيداً المستوى الفنى تبدو مناسبة للمسرح القومى مثل العروض العشرة الأولى التى ذكرتها، والأخرى عروض مناسبات وأمسيات رمضانية!

 4

وبعد أن استعرضنا بعض الأرقام التى تدل بقوة على تراجع إنتاج المسرح المصرى على مستوى الكم، قبل أن نناقش كيفية الإنتاج والمستوى الفنى الهابط فى أحيان كثيرة، نتساءل كيف وصل إنتاج البيت الفنى للمسرح إلى ثمانية عروض بالإضافة إلى عرضين للمسرح القومى للطفل، بعد أن كان هذا العدد أى ثمانية عروض هو إنتاج مسرح واحد مثل الطليعة أو الشباب؟ فما الذى منع إدارة البيت الفنى للمسرح من الإنتاج فى موسم 23/ 24، مع العلم أن الميزانية كانت متوفرة ولم تخصم منها وزارة الثقافة، والأغرب أن البيت الفنى أعاد جزءًا منها لوزارة المالية؟ والسؤال أيضاً: لماذا، ماذا كان يمنع المسئولين من الإنتاج، مع العلم أيضاً أن هناك مشاريع عديدة كانت مقدمة للمسارح!

فنحن فى العقود الثلاثة الأخيرة أمام ظاهرة معالمها تؤكد ما يلى:

1 - تناقص أعداد دور العرض، بل وبعد ما تم تداوله حول هدم المسرح العائم فى ظل صمت المسئولين.

2- تناقص المنتج من المسرحيات وخاصة فى مسرح الدولة، والنموذج الصارخ الإنتاج الهزيل للمسرح القومى خلال عشر سنوات، بالإضافة إلى ما تم إنتاجه خلال موسم كامل فى البيت الفنى للمسرح.

3- اختفاء مسرح القطاع الخاص تقريباً، إذا استثنينا بعض العروض المتناثرة هنا وهناك مثل « شارلى» و«ولا فى الأحلام».

4- زيادة غير مبررة لأعداد المهرجانات، وقد ذكرت بالأرقام الأعداد الكبيرة للمهرجانات فى شهرين فقط، وكيف أصبحت هدفاً وليس وسيلة.

5- ابتعاد السواد الأعظم من العروض المسرحية عن قضايا الواقع، وهذا يحتاج إلى حديث خاص، حول أزمة الوعى وأيضاً الخوف من مقص الرقيب.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مهرجان شبرا الخيمة.. أربعون عاماً فى خدمة المسرح

المزيد من فن

رسائل تنشر لأول مـــرة بين عبد الحليم حافظ وحلمى رفلة

فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3

الأبنودى الشاعر الكبير.. رحل الجسد وبقى الإبداع فــى قلوب الناس

رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...

«Me & Roboco».. فيلم الفانتازيا والكوميديا

حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...

الفنان محمد إبراهيم يسرى: والدى دخل المستشفى على قدميه وخرج محمولاً

11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...