عيد ميلادها فرصة لتكريمها والاحتفاء بتاريخ أسطورة الغناء المصرى
ارتبط لقب «صوت مصر» بالمطربة العظيمة شادية، وهو لقب لم تسع إليه، ولم تنله على سبيل المجاملة، بل منحته لها الجماهير عن جدارة واستحقاق، ليس عن حضورها الزاهى وتاريخها الناصع الساطع، الذى يزينه نحو ألف أغنية تنوعت بين الخفيفة والجادة، المرحة والشجية، القصيرة والطويلة، العاطفية والوصفية والتعبيرية، المنفردة والدويتو، أجادت فيها جميعاً بنفس درجة الإبداع والإمتاع..
ويزين تاريخها كذلك 116 فيلماً، بداية من «العقل فى إجازة» عام 1947 حتى فيلمها الأخير «لا تسألنى من أنا» عام 1984، سطع فيها نجمها، وتألقت فى كافة الأدوار والمراحل، ويراها المنصفون من نقاد السينما أكثر مطربات السينما موهبة.وحتى فى تجربتها المسرحية الوحيدة «ريا وسكينة» حققت نجاحاً أسطورياً ما زال مضرب الأمثال..
لا تحتاج شادية إلى دليل على عظمتها وإلى حيثيات لمكانتها، يكفيها شهادة أم كلثوم فى صوتها: «إنه الحنان ذاته»، ورأى السنباطى فيه: «صوت فى حلاوة تغريد البلابل»، وتعبير عبدالحليم حافظ: صوت لا يعرف النشاز.
لكن شادية لم تحصل على لقب «صوت مصر» بسبب كل ما ذكرناه وأوردناه من نجاح وحضور وتألق واعتراف بتفردها، وإنما كان السبب الأبرز والأهم هو غناؤها الصادق لمصر، الوطن والشعب، فقد تزامن ميلادها الفنى مع ميلاد ثورة يوليو 1952، فآمنت بمبادئها وبزعيمها وجندت صوتها فى خدمتها، ففى فجر الثورة غنت «يا بنت بلدى»، وفى كل معاركها كان صوتها حاضرا صادحا، ففى العدوان الثلاثى كان الشعب يغنى معها: أمانة عليك يا مسافر بور سعيد، لكن تألقها الكبير كان بعد النكسة، كان غناؤها الوطنى هو العلامة الأهم والأبرز فى تلك المرحلة، واختارت أن تغنى للوطن وفى محبته، وما زال الوجدان المصرى يغنى معها «يا حبيبتى يا مصر» و«يا أم الصابرين»، وفى جريمة بحر البقر اهتز الضمير الوطنى وهو يردد معها كلمات صلاح جاهين «الدرس انتهى لموا الكراريس»..
ومع تباشير نصر أكتوبر غنت «عبرنا الهزيمة» وتوالت أعمالها الوطنية المخلصة والصادقة: ادخلوها سالمين، و«حياة رب المداين»، و«مصر اليوم فى عيد».. أغنيات يمكن أن تؤرخ بها لأحداث مصر الوطنية، أفراح الناس وجراحها.. ولذلك كان «صوت مصر» لقبا مستحقا لشادية مصر..
(1)
وظل اللقب مرتبطا باسم شادية لسنوات طويلة بلا منازع، ولكن منذ رحيلها فى العام 2017 بدأ سباق محموم على اللقب الشاغر، معركة حامية ثلاثية الأطراف، كل واحدة منهن تحاول أن ترثه وتنتزعه وتلصقه باسمها، وتحول الأمر إلى خناقة لا تتورع المتنازعات فيها على استخدام كل الأسلحة بما فيها «كيد النسا»!
بدأت المعركة ثنائية بين أنغام وشيرين، ثم انضمت آمال ماهر إلى السباق، وشهدت الأيام الأخيرة تطورات مثيرة، بعدما انحصرت المعركة بين أنغام وآمال، وبدا أن كل واحدة منهما تطمع فى حسم اللقب المعلق..
المتابع لتلك المعركة المثيرة يدرك أنها دخلت فى ما يشبه المزاد والمزايدة، دخلتها أنغام برصيد معتبر من الأغانى وتجربة طويلة من النجاح وشهادات باحقيتها فى اللقب، لعل على رأسها شهادة هانى شاكر ومحمد عبدة وأحلام، الثلاثة يمنحونها لقب صوت مصر ومطربتها الأولى بلا منازع.. ويبدو أنها تصورت أن اللقب حُسم لصالحها فأطلقته على شركة الإنتاج التى أسستها لتطلق منها ألبومها الجديد.
شجعها على ذلك أن منافستها العتيدة شيرين غرقت فى مشاكلها الشخصية وابتعدت عن الساحة الغنائية ولم يعد لها ذكر إلا فى صفحات الحوادث..
وفى فترة سابقة كان هناك من يدفع شيرين ويرشحها ويغريها باللقب، وربما صدقت عندما جاملها أحد مستمعيها فى حفل بالكويت: أنتى صوت مصر، فانتشت بالجملة، وبتلقائيتها القاتلة ردت: أنا النهارده صوت الكويت.. ودايما بحس إنى صوت كل بلد بغنى فيه».. إنها التلقائية التى رأى البعض أنها أبرز ما يميزها، فإذا بها تكون أبرز ما تطعن به نفسها..
تراجع واختفاء شيرين ربما أغرى آمال ماهر أن تدخل حلبة المنافسة بقوة، خاصة بعد حفلها الأخير الذى كان واضحا أن هناك من يوفر له كل الإمكانيات المادية والدعائية ليعيدها من جديد إلى ساحة الغناء ويعيد إليها بريقها المفقود، وبدأ الحشد يؤتى ثماره، فخرج الملحن عمرو مصطفى ليُنصبها مطربة أولى لمصر بلا منازع، وخرج أحد شعراء الأغنية بثقة ليقول أن آمال ماهر عوضت أم كلثوم فى الغناء الوطنى!
(2)
تسألنى: وما مصير تلك المنافسة الضارية؟!
أتصور أن المزاد المنصوب على لقب صوت مصر ومطربتها الأولى سوف يستمر ويشتد، لكنه لن يصل إلى الحسم، تسألنى: وهل اللقب سيظل شاغرا؟
أقول فورا: اللقب ليس شاغرا أصلا حتى يبحث عن وريث، ولا يصح أصلا أن نبحث عن مطربة تستحق لقب صوت مصر فى وجود نجاة الصغيرة متعها الله بالصحة والعافية..
ربما تكون نجاة قد ابتعدت عن الساحة الغنائية، لكن حضورها ما زال طاغيا ومؤثرا، والإجماع عليها لا يقبل الجدل ولا الخلاف، وتاريخها يفوق كل المتنافسات الجديدات مجتمعات.. بل لا تصح المقارنة من الأساس.
وحالتها هنا مثل جارة القمر فيروز، فطيلة السنوات الماضية وهى مبتعدة عن الغناء، لكن مكانتها محفوظة، ومقامها لا يُمس، وفى وجودها لن تسمع عن مزاد فى لبنان تتنافس فيه ماجدة الرومى ونانسى عجرم ونوال الزغبى مثلا على لقب صوت لبنان.. لأن المقامات محفوظة.
وفى حين تكون فيروز هى صوت لبنان الصادح، لا ينبغى لمصر أن تتقزم غنائيا، وبعد أم كلثوم وشادية يكون الاختيار بين آمال ماهر وشيرين وأنغام مع كامل الاحترام والتقدير..
وفى وجود نجاة، بكل مكانتها وتاريخها، ينبغى أن تتوقف تلك المزايدة، فلدينا قامة غنائية عظيمة تستحق أن نحتفل بها وأن نكرمها فى بلدها..
إن عيد ميلاد نجاة يهل بعد أيام (11 أغسطس) وهى مناسبة لكى نحتفل بقيثارة الغناء بما تستحق، ونُعرّف الأجيال الجديدة على روائعها، ليدركوا أنهم فاتهم الكثير إذا لم يسمعوها.. ويعرفوها..
(3)
الحديث عن نجاة وتاريخها يستحق أعدادا ومجلدات.. لكن لنحاول أن نحيط سريعا بهالات المجد التى تزين تاريخها..
فى تسجيل خاص بحوزة المخرج التليفزيونى الرائد الراحل جميل المغازى ومن إخراجه وإنتاجه، جلس نزار قبانى يحكى باستفاضة وأريحية عن المطربين الذين شدوا بأغانيه، من أم كلثوم إلى فيروز، ومن حليم إلى عبدالوهاب، لكنه عندما جاءت سيرة نجاة لمعت عينيه ببريق خاص وكست وجهه فرحة مضاعفة وقال عن سر تألق كلماته على حنجرتها: نجاة هى الأنثى إذا غنت.. هناك أصوات نسائية كثيرة رائعة.. لكن نجاة وحدها تغنى كآنثى، بكل ما فى الأنثى من مشاعر!
لا يغيب عنى رأى نزار قبانى فى كل مرة استمع فيها إلى نجاة وهى تصدح بالقصائد النزارية الشهيرة: أسألك الرحيلا، متى ستعرف كم أهواك.. فأهتف: صدقت يا نزار.
عن نجاة كتب كل الكبار وخلعوا عليها من الأوصاف والألقاب ما لم ينله غيرها، فعبدالوهاب يسميها (الصوت المهموس)، ومحمد حمزة الشاعر يراها (صوت الحب)، ورفيق الصبان يمنحها لقب (قيثارة السماء)، والعم خيرى شلبى يسميها(زهرة البنفسج)، والناقد والكاتب فوميل لبيب يتوجها بهذا اللقب الفخم (آهة الحب وتنهيدة الحرير)، وأمير نقاد الموسيقى كمال النجمى يعتبرها (نجاة الكبيرة) لا الصغيرة، والكاتب والملحن الراحل محمد قابيل يرشحها لمنصب (أميرة الغناء الشيك) وكان الكاتب الكبير فكرى أباظة يراها (مطربة بالفطرة).. وأستطيع أن أسوق إليك عشرات من الألقاب الفخمة والآراء الضخمة التى نالتها نجاة الصغيرة خلال مسيرتها الفنية الرحبة، لكن يبقى رأى نزار قبانى فيها هو الأذكى والأعمق والأصدق.. إنها بحق المطربة (الانثى)!
ولا نبالغ عندما نقول أن نجاة هى النسخة الأنثوية من عبدالحليم حافظ.. إذا كان هو العندليب فهى عندليبة الغناء.. لم يكن حليم هو أقوى ولا أجمل الأصوات فى زمنه، لكنه كان الأصدق والأكثر إحساسا، ونجاة كذلك.. فى زمانها كان هناك من يتفوق عليها فى علو الصوت، لكن نجاة تفوقت فى علو الإحساس..
ولأنها تغنى من منطقة خاصة، بإحساسها وليس بحنجرتها، فإنها اختارت أربعة ملحنين بعينهم، أحست أن صوتها يتألق مع ألحانهم، وكان لهم نصيب الأسد فى مشوارها، أولهم عبدالوهاب، شريكها فى تجربتها المتفردة مع القصيدة، خاصة أشعار نزار قبانى: من (أيظن) عام 1960 إلى (أسألك الرحيلا) 1991 مرورا ب (متى ستعرف كم اهواك) 1965 و(إلى حبيبى) 1975..
ثم كان هناك بليغ حمدى حاضرا بألحانه العبقرية السهلة التى رددها معها كل الناس: الطير المسافر، أنا بستناك، وحديه، كل شىء راح وانقضى، حبك حياتى، سكة العاشقين..
وثالثهم كان كمال الطويل، بألحانه الساحرة الناعمة التى تصنف تحت (الرومانسية الشيك)، فغنت له: استنانى، غريبة منسية، عيش معايا، كلمنى عن بكره، ليه خلتنى أحبك..
ورابعهم محمد الموجى، وما زلنا نغنى معها على عوده: أما براوه، دوبنى دوب، عيون القلب، ما استغناش عنك أبدا..
وربما لا يعرف كثيرون أن لنجاة تجربة مع (الرحبانية)، فقعد غنت لهم (دوارين فى الشوارع)، ولكنها غنت بطريقة نجاة وأسلوبها وإحساسها، لم (تترحبن) وإن حافظت على مذاقهم المميز.
فى حالة نجاة التى نحتفل بها ومعها بعيد ميلادها (متعها الله بالصحة والعمر الطويل) نحن أمام حالة استثنائية، فنيا وإنسانيا، تستحق أن نكرمها بما تستحق.. وأفضل تكريم فى عيد ميلادها أن نمنحها لقب.. صوت مصر!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...
مشاهد مسرحية وأغان مصرية
الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...
أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...