فى الصعيد حيث السيرة الهلالية، وجابر أبوحسين، والريس حفنى وبنات مازن ولعبة التحطيب فى عصارى أغسطس، لم يكن هناك أى وجود لسيد درويش..
لم نكن نعرفه.. فقط نسمع اسمه فى برامج التليفزيون وبخاصة يوم الجمعة، حينما كانت تطل علينا سيدة خمسينية تتحدث عن أشياء لا نعرفها ولا نشعر بها، ومسميات لم نعهدها.. اسمها رتيبة الحفنى..
كنا قد انقسمنا شيعا وقبائل كعادة أهل الصعيد، ولكل منا موسيقاه ومطربه المفضل.. لكننا جميعا كنا نحتفى بأشرطة الكاسيت القادمة مع العائدين من ليبيا والعراق، بعد انتشار اختراع المسجل..
كان هناك ضرب ينحاز إلى "سعدون جابر"، وبخاصة أغنياته التى لحنها له بليغ حمدى وكتب كلماتها كريم العراقى.. لم نكن نفهم مفرداتها جيدا.. وإن أحببنا موسيقاها حتى قبل أن نعرف أن صاحبها هو ابن سوهاج
بليغ حمدى..
"مشوارك حبيبى أبد
ما منه مشوار"..
وعلى سبيل المثال.. و"لوه ولول ولوه.. الحب مو بالقوة".. و"أريدك لكن شلون أريدك" وغيرها.. وامتد الشغف إلى أغنيات ناظم الغزالى مواطنه الأهم وصاحب التجربة الأعظم فى إحياء الفلكلور العراقى..
فريق آخر انحاز إلى أغنيات البحر أبوجريشة ومحمد حمام التى تتحدث عن الترحال والغربة والمشاوير.. ربما لأن معظم أهالينا كانوا يسافرون إلى العراق وليبيا وإلى "مصر" التى كنا نعتبرها "غربة" أيضا..
فريق ثالث.. أعجبته فكرة الانحياز إلى الغرب والأجانب ربما كنوع من التمرد والتميز، وووجدنا بعض ألبومات لفرانك نياترا.. وأسماء أخرى لم نعرفها ولم نستطع حفظ حروفها الأجنبية..
ووجد أهالينا من كبار السن ضالتهم فى أشرطة المديح النبوى.. وعلى رأس المداحين كان أحمد التونى.. لم يكن ياسين التهامى قد استحوذ على قلوب جماهير الصعيد بعد.. وكان هناك محمد العجوز المعروف بشهيد "ليلى علوى" وأسماء أخرى لا حصر لها.. بعضها كان يتم تسجيل أغانيه من الأفراح وليالى الحضرة مثل الشيخ أحمد برين وعبدالنبى الرنان.. ولم نكن نعرف قيمتها أيضا.
حتى الشعبيون من أهل الطرب مثل محمد عبدالمطلب ومحمد رشدى وقنديل ومحمد طه وبدرية السيد وصلوا إلى بيوتنا.. لكن سيد درويش لم يصل.. رغم أنهم يتحدثون عنه كثيرا فى الراديو والصحف..
ثم كان أن خرج إلينا فى أحد الحفلات التليفزيونية شاب نحيل يغنى أغنيات لم نسمع بها من قبل، وموسيقى مدهشة.. مزيكا ليست كتلك التى نعرفها.. وسرعان ما انتشر ألبومه الغريب فى أوساط الجامعة التى كانت قد انقسمت ما بين محب لعلى الحجار ومحب لمحمد منير.
وكانت الجامعة - جامعة أسيوط فرع سوهاج - خليطا من شباب كل المحافظات.. فكان من الطبيعى أن يكون لكل منا ذوقه الموسيقى.. لكن الغريب أن الجميع اتفقوا على أن هذه الأغنيات بديعة.. وأن سيد درويش هذا كنز لم نكن نعرف سكته.. فجأة انتبهنا أن بعض أغنياته كانت تتردد فى مدارسنا الابتدائية لكننا لم نعرف أن لها صاحبا..
"يمامة بيضا..
ومنين أجيبها
طارت يا نينة
عند صاحبها"..
وحينما وصلنا إلى سن الشباب.. وعندما أصبح لنا رأى.. ومزاج.. وأغنيات خاصة.. اكتشفنا أن أغنية فيروز البديعة "زورونى كل سنة مرة" من تأليفه.. وأن نشيد "الصباح" الذى نردده كل صباح من ألحانه أيضا.. لكن ماذا عن هذه الأغنيات الغريبة السهلة والصعبة فى آن واحد، تلك التى يغنيها حفيده إيمان البحر..
"مخسوبكو انداس
صبخ مختاس
مسختوا بابوتس يا ناس
ما فيس فلوس.. بقيتوا ملحوس
خلصتوا خلاص..
نستغلوا ف إيه.. يا افندى يا بيه
ما دام البخت بوريه"..
ما هذه اللغة.. ما هذا الإيقاع السهل البسيط اللطيف؟.. هذه نسمة عصارى فى أيام قيظ من أين أتت؟.. لم نكن نعرف أن بديع خيرى كتب هذه الكلمات على لسان رجل يونانى يعيش فى الإسكندرية وقد ضرب الحرب تجارته فبارت ولا يجد عملا.. لم نكن نعرف أن الحرب العالمية الأولى تركت آثارها على عروس البحر المتوسط التى كان يعيش فيها أجناس من كل حدب وصوب أذابتهم بنت الإسكندر فى ماء بحرها فأصبحوا جزءا منها.. وأن سيد الذكر لم يترك لا اجريج ولا يونان ولا طليان إلا فهم لغتهم وتحدث بلسانهم.. وها هو بعد كل هذه السنوات من وفاته يرغمنا على سماعه وسماع ما أبدع..
كبرنا وعرفنا أن سيد الذكر الذى لم يعيش طويلا هو أول المطورين لموسيقانا.. خلصها من كل شوائب "السلطنة العثمانلية".. وفى سبع سنوات أبدع لنا وللإنسانية موسيقى تعيش لآلاف السنوات..
رحت أفتش عنه فى كل مكان.. وجدته فى فيلم يذيعه التليفزيون وارتبط سمته معى بكرم مطاوع الذى أدى دوره فى الفيلم.. وصوته بصوت إسماعيل شبانة الذى غنى ألحانه.. لكن كتابا صغيرا مدهشا لمحمد محمود دوارة ذهب بى إلى ما هو أبعد من رحلة وموسيقى الرجل.. شرح لنا من أين جاء سيد درويش بمصرية موسيقاه، وأفاض فى علاقة "كوم الدكة" بذلك التكوين.. أذكر بعد ثلاثين كاملة فكرة أن "الكوم" مكان عال يطل على البحر والأرض.. وأن الكوم شوارعه "منفذة" على كل حتة فى الإسكندرية.. تذهب بك إلى حيث تريد.. وأن هذه القمة العالية التى بنى عليها البيت الذى ولد فيه سيد الموسيقى منحه "مناخير" عالية.. بتبص للعالم من فوق.. تعتز بمصريتها وسكندريتها.. فتمنيت لو أننى ذهبت إلى هناك..
وطيلة ثلاثين سنة.. وكلما ذهبت إلى زيارة عروس البحر أضع فى جدول زيارتى موعدا للذهاب إلى كوم الدكة.. ولسبب ما لا يحدث ذلك..
هذا الأسبوع تصادف أن ذهبت فى مهمة صحفية إلى الإسكندرية.. وفجأة وجدتنى فى مدخل شارع مكتوب عليه "شارع سيد درويش (كوم الدكة سابقا)".. وكان أن تركت من معى وسبب مجيئى للمكان ورحت أبحث عن بيت سيد درويش.. وليتنى ما فعلت!
شوارع متعرجة ضيقة لكن روحها طيبة.. فيها روح وخفة تجعلك لا تشعر بأنك تصعد إلى الأعلى.. فى أول الشارع مقهى يحمل اسم "كوم الدكة" وسوبر ماركت يحمل الاسم ذاته.. وعلى بعد أمتار مقهى يضع صورا قديمة للشيخ سيد.. وسألت عن البيت فأشاروا لى.. ولم أكن أتخيل أنه آخر ممر ضيق بجوار منزل قديم من دورين.. تخيلت أنه البيت.. لكن المفاجأة كانت أنه مجرد قطعة أرض فضاء لا تزيد على مائة متر.. حولها سور من طوب كريه وبداخله مناشر غسيل عليها ملابس بالية فقيرة.. والأغرب وجود عدد من المعيز يربيها أناس لا علاقة لهم بسيد درويش بالطبع ولا بالموسيقى..
بضع نفرات شعرن بوجودنا فأطلت إحداهن من فتحة فى الباب الخشبى المتهرئ الذى تم وضعه على السور حتى يصبح المكان بيتا له باب.. وفوق الباب آية قرآنية مكتوبة من زمن قديم.. أطلت "الماعز" من منتصف الباب.. فمن اندهاش ربما لم تكن تنتظر زيارتنا، فلا أحد يزور "بيت السيد" حتى ولو كل سنة مرة..
عرفت أنه ليس بيت سيد درويش.. هو لا يملك البيت.. والده كان يعيش فيه بالإيجار.. عاش فيه لسنوات قليلة قبل أن ينتقل إلى القهوة ويعيش فى شبرا.. البيت أصحابه باعوه لآخرين كتر خيرهم تركوه مجرد قطعة أرض فضاء بعد أن تهدم فى ظروف لا نعرفها.. انتهى البيت ولم يبق منه سوى الأطلال وريحة السيد وروح موسيقى تجذب المريدين من عشاق رحلته التى لا تزال غامضة عن أعيننا.. وموسيقاه التى تحتاج لآلاف السنوات لنكتشف سرها..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.
عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.
يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.
يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...