الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى حىٌّ فى قلوب عُشَّاق الوطن

فى شهر أبريل من العام 1938 كان مولد الشاعر عبدالرحمن الأبنودى، وفى أبريل من العام 2015 كان انتقاله إلى جوار ربه،

 وبين التاريخين كانت قصة كفاح الشاعر الكبير وكانت موهبته وكان حضوره الرائع الجميل الصادق، ولن تجد كارهاً للشاعر الراحل غير الأنصاف والأرباع وهواة الحقد المجانى الذين فشلوا فى تحقيق منجز، فتحولت ألسنتهم إلى آلات قتل معنوى وتشويه وتجريح وكذب، ولن تجد مُحباً للشاعر العظيم غير الفلاحين والعمال وسيدات المناطق الشعبية، وهؤلاء لم يعرفوا «قهوة ريش» ولا «زهرة البستان» ولا «بار ستِلّا» فى وسط القاهرة، هم عرفوا الأغنية الحلوة التى تغنى بها «محمد حمام»، وسالت دموعهم لما سمعوا عبدالحليم وهو يقول «خانوه نفس اليهود» فى أغنية «المسيح»، وأنصتوا للرجل الذى يروى سيرة «بنى هلال» ومعه شاب مثقف يقول لهم الحكاية مبسطة، ثم يترك المجال للراوى الشعبى والربابة ونغماتها الشجية ويفتح له الطريق بعبارة «قول يا عم جابر..»، وفى عنوان هذه السطورـ قلت إن عبدالرحمن الأبنودى، هو الشاعر الكبير، وهذا ليس قولى وحدى، بل قول الخصوم الذين حقدوا عليه وآلمهم نجاحه وشهرته، لكنهم لم ينكروا «الموهبة الفذّة» التى منحها الله للشاعر الراحل، وموهبته تزامنت مع مشروع وطنى كبير، فتح طريقه انتصار مجموعة الضباط الأحرار والأرستقراطية الشركسية والتركية، وبعد انتصار الضباط الأحرار، ظهر «جمال عبدالناصر» ومنح الفقراء طاقة الحلم ومفتاح الأمل، وأصاب وأخطأ، وسجن الخصوم، وخاض الحروب، وكان الفن والإبداع حاضراً فى المعركة، معركة التحرر الوطنى حسب رؤى وأفكار عبدالناصرـ وكان «الأبنودى» و«صلاح جاهين» و«عبدالحليم حافظ» و«أم كلثوم» و«فريد شوقى» و«هدى سلطان» و«محمد رشدى»، وفريق كبير من الملحنين «بليغ حمدى وعبدالوهاب وكمال الطويل»، كل هؤلاء قدمتهم الإذاعة المصرية للشعب، وكان لون الأبنودى هو الأكثر جاذبية للجماهير، وهذه منحة ربانية، جعلت الحاقدين يحقدون عليه ويزايدون عليه أيضاً، فهم اتهموه بالتقرّب للسلطة الحاكمة، وكانوا هم الأكثر سعياً للُقرب من هذه السلطة، واتهموه بأنه يعمل لحساب نفسه، وكأنهم ملائكة ترفرف بأجنحتها فى أرض الله، ولكن لم يستطع أحدهم اتهامه بالتطبيع مع العدو الصهيونى، لأن قصائده موهوبة لنُصرة قضية فلسطين، ولم يستطع أحدهم اتهامه بخيانة العروبة، لأنه عربى العرق والانتماء، جدوده جاءوا من الحجاز فى زمن الحملة الفرنسية لنصرة أقاربهم فى «أبنود» الذين كانوا يقاتلون حملة «ديزيه» الفرنسى المحتل الذى أرسله «نابليون» لقتال عربان الصعيد، فقتلوا جيشه وأهانوه، والأبنودى هو الذى فاقت عروبته الجميع والعروبة لا تناقض المصرية لمَّا وهب حياته لجمع السيرة الهلالية، من أفواه الشعراء الجوّالين، وجعلها فى كتب وأشرطة «كاسيت» وأودعها مكتبة الإذاعة المصرية، فى الزمن الذى كان فيه «السادات» يصالح «إسرائيل» ويسعى لمحو روح القومية العربية، لكن الأبنودى، قال إن «العروبة» فى مصر، قديمة، ومصر هى التى حفظت الثقافة العربية وحاربت أعداءها، وهذا ما جعل الأبنودى باقياً فى قلوب عشاق الوطن المصرى بكل مكوناته الثقافية.

جابر أبوحسين.. راوى سيرة بنى هـلال المُبدع

فى سوهاج وقنا وأسيوط وأسوان والمنيا وبنى سويف والفيوم، تجمعت فروع «بنى هلال» و«بنى سليم» وهما القبيلتان الكبيرتان اللتان خاضتا الحرب الكبرى ضد «بنى العباس» فى بغداد، وتحالفتا مع «القرامطة» فى الثورة التى تفجرت فى الفترة التى سقطت فيها دولة بنى أميّة وتمكنت دولة العباسيين المعتمدة على العِرْق الفارسى، وكانت دولة الأمويين تعتمد على العُربان فى تأمين الطرق التجارية وتمنحهم الرواتب والهدايا، ولما سقطت، تحكم بنوالعباس وانتقموا من القبائل التى كانت مستفيدة من الحكم الأموى، وجرى التحالف بين «بنى هلال وبنى سليم» وهما من قبيلة أكبر هى «هوازن» وبين «القرامطة» وفشلت ثورة القرامطة، وجىء بالقبيلتين إلى مصر، فى زمن «العزيز بالله الفاطمى» وعاشتا فى «الشرقية» ثم «الصعيد»، ومن الصعيد كانت التغريبة لهاتين القبيلتين فى اتجاه «تونس الخضراء» لقتال المعزبن باديس، المتمرد على العرش الفاطمى، وانتصرت «بنوهلال» و«بنوسليم» على المعزبن باديس، وكانت العودة من التغريبة فى سنوات تالية إلى البحيرة فى مصر ومنها إلى المواقع الأولى فى الصعيد، فى الجانب الغربى من النيل، ثم كانت حرب بين «الشعب المصرى» و«الجيش البريطانى» وهُزم المصريون، وسيطر البريطانيون، وظهرت «السيرة الهلالية» لتعالج الشعب الجريح، وتذكره بالمجد الذى كان، والغزوات والمعارك القديمة، ونبنى الشعب السيرة وحفظها من رواتها، الشعراء الجوالون، ونبغ منهم «جابر أبوحسين» وتفوق على رواة السيرة من «الغجر» على حسب ما قيل فى المثل العربى «ليست النائحة كالثكلى» ومعنى المثل أن النائحة المأجورة، تبكى وتقبض أجرها من أهل الميت أما الثكلى فهى تبكى بصدق ولا ترتجى أجرا، وكذلك كان «جابر أبوحسين» الذى روى السيرة بروح «شيخ العرب» الهلالى، المعجب بأجداده، فهو يروى بصدق ولكن «الشاعر الغجرى» يروى من أجل «الأجرة» وكان ى موفقا لمَّا اختار»جابر أبوحسين» ليكون هو الشاعر الذى يروى السيرة عبرأثير إذاعة الشعب فى سبعينات القرن الماضى، وكان «جابر أبوحسين» يطوف القرى التى تعيش فيها العائلات المتفرعة «عن بنى هلال» و«بنى سليم» فى محافظة «سوهاج» ويروى على «الرَّبابة» المعارك التى وقعت بين فرسان بنى هلال وفرسان «زناته» على أرض تونس، وكان الشاعر الشعبى المبدع يجعل من السيرة مسرحية ويجعل من حنجرته أداة لشرح المشاهد والمواقف المروية، واشترك مع الأبنودى فى حفظ سيرة بنى هلال من الضياع وقدماها لجماهير إذاعة الشعب، وقدم الشاعر الشعبى الراحل بمساعدة الأبنودى خدمة للثقافة الوطنية المصرية تجعله محل تقدير الباحثين والمحبين للتراث الشعبى الأصيل.

يحيى الطاهر عبدالله المدهش فى «الطوق والإسورة»

شاءت الأقدار أن تجمع بين «الأبنودى» و«أمل دنقل» و«يحيى الطاهر عبدالله»، فى ستينات القرن الماضى، وظل الود موصولاً بينهم، وكان «يحيى» الأسرع فى الرحيل، وبعده بعامين، رحل «أمل دنقل» وعاش الأبنودى، فرثىَ «يحيى الطاهر» بقصيدة عامية نهلت من بئر الحزن الصعيدى، وكذلك فعل «أمل» رثاه بقصيدة، من أجمل ما قيل فى الرثاء، وكان رحيل «يحيى» فى «أبريل 1981» وكان رحيل «أمل» فى «مايو 1983»، ولم ينل يحيى الطاهرـ ما يستحقه من اهتمام صُنّاع الدراما التليفزيونية والسينمائية، رواية وحيدة تحولت إلى فيلم هى «الطوق والإسورة» وقدمها بعض الهواة على المسرح فى عدة محافظات، وهذه الرواية أخرجها «خيرى بشارة» بعد أن دمجها مع قصة «طاحونة الشيخ موسى» وقدمها الفنانون: عزت العلايلى وأحمد عبدالعزيز وفردوس عبدالحميد وشريهان ومحمد منير، وكانت الرواية دالة على القهر الذى تعانيه المرأة فى الجنوب، فى ظل الفقر الرهيب فى زمن الاحتلال البريطانى والحرب العالمية الأولى وما بعدها، وكاشفة للخصوصية الثقافية لمنطقة «الأقصر» وما حولها من قرى، مثل «الكرنك» مسقط رأس «يحيى الطاهر» وتجربة الراحل المدهش وُلدت على أيدى اثنين من رعاة المواهب هما: يوسف إدريس وعبدالفتاح الجمل، وانفرد إدريس برثاء «يحيى» فكان هو «القابلة» وهو «اللحاد» استقبله وودعه، وبقيت قصصه الرائعة قادرة على إدهاشنا وامتاعنا وفى هذا الشهر «أبريل» من كل عام أصبحنا نتذكر «الأبنودى ويحيى الطاهر» وندعو لهما بالرحمة ونذكرهما بالخير ونذكر دورهما الكبير فى حفظ التراث الشعبى المصرى، ونتمنى أن يتذكر صناع الدراما قصص يحيى فهى مازالت صالحة لإثارة الدهشة وقادرة على إنقاذ الذائقة الجماهيرية من التردّى والسقوط فى بحر التفاهة الدرامية الذى يرعاه التافهون بقوة وإصرار!.

 

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...