فى شهر رمضان أتذكر الكاتب المسرحى والسيناريست كرم النجار 1941 - 2021، والذى قدم العديد من النصوص المسرحية المهمة وكان آخرها «أولاد الغضب والحب»
وأيضاً يا «غولة عينك حمرا» ومن قبل مونودراما «الحصان» والتى جسدتها الفنانة سناء جميل وعرض «الجائزة» بطولة فاروق الفيشاوى وإخراج محسن حلمى، إلا أننا لا يمكن إغفال دوره ككاتب للدراما التليفزيونية وتأثيرها على نصوصه المسرحية والعكس، حيث يعتبر كرم النجار من رواد كتاب الدراما التليفزيونية، إذ بدأ مبكراً بعد افتتاح التليفزيون بأربع سنوات حيث بدأ البث الأول للتليفزيون المصرى عام 1960.
قدم كرم النجار أول أعماله عام 1964 أى إنه بدأ تقريباً العمل مع نشأة التليفزيون وقدم مجموعة من السهرات التليفزيونية وصلت إلى ١٩ تمثيلية منها «ظلال، الببغاء، أصيلة، غموض، فراغ» وكلها من إخراج أحمد طنطاوى، ولعبت الفنانة سميحة أيوب دور البطولة فى تمثيلية «غموض»، أما تمثيلية «أصيلة» التى كتبها كرم النجار للتليفزيون عن مسرحية الكاتب الإسبانى فردريكو جارثيا لوركا «بيت برناردا ألبا» لعبت دور البطولة فيها الفنانة أمينة رزق مع إحسان القلعاوى، كما كتب السيناريو والحوار لقصة كتبها أسامة أنور عكاشة عنوانها «الراجل» وقدمها للتليفزيون تحت عنوان «الإنسان والجبل» من بطولة محمود ياسين، بالإضافة إلى تمثيليتين «الحفرة وعجيبة» وكلاهما أثارا جدلاً نقدياً كبيراً وقدم سهرات أخرى مثل «بؤرة نور» بطولة فاروق الفيشاوى وإخراج علية ياسين، وأيضاً «أحلام فقرا ولكن أغنياء» والتى حصلت على جائزة مهرجان الإذاعة والتليفزيون فى دورته الأولى بالإضافة إلى سهرة «السينما الجميلة» وحصلت أيضاً على جائزة من نفس المهرجان، ومن السهرات المتميزة التى قدمها أيضاً «ثمن الخوف» والتى قال عنها جميل راتب «عندما قرأت نص هذا العمل سعدت جداً للرؤية التى يطرحها هذا الكاتب وللتناول الجديد الذى سأقدمه على الشاشة الصغيرة من خلال دور الميكانيكى المثقف الواعى وابن البلد أيضاً، ذلك رغم أننى قدمت العديد من الأدوار فى المسرح الفرنسى والمصرى فى السينما والتليفزيون إلا أننى لم اقدم دوراً من هذه النوعية من قبل». وظنى أن هذه النظرة السريعة على عناوين السهرات الدرامية وأبطالها تشير أيضاً إلى الخبرة التى اكتسبها كرم النجار من عمله مع مجموعة كبيرة من نجوم ورواد التمثيل فى مطلع حياته، بل وتشير إلى دوره الريادى فى تأسيس هذا الفن الوليد، وجسد من خلال سهرات تليفزيونية مثل «الحفرة وعجيبة» ليس فقط قضايا المجتمع بل وخفايا النفس البشرية التى كانت شغله الشاغل فى كل أعماله، وقضايا أخرى مثل الحق والعدل والمحبة والتسامح، مؤكداً انحيازه إلى المذهب التعبيرى الذى أطلق صيحة تدعو إلى تصالح البشر وإلى قيم اجتماعية جديدة تقوم على المحبة، وأيضاًَ مسرحيات تحاول معالجة قضايا استغلال العمال وسيطرة رأس المال على الفرد وتحكم الآلة فى حياة الإنسان، وقد نقل كرم النجار هذه الأفكار من المسرح إلى الدراما التليفزيونية.
ولكن الحدث الأهم فى أعماله التليفزيونية والذى كان أحد أسباب شهرته من خلال مسلسل «محمد رسول الله» الذى تم عرضه عام 1968 عن مسرحية لتوفيق الحكيم تحمل نفس العنوان حيث تم تكليف كرم النجار بكتابته وهو أول جزء فى مجموعة المسلسلات التى حملت نفس الاسم.. وكان هذا المسلسل دون شك نقطة تحول فى حياته وتجربة مثيرة، وظنى أن طالب كلية الحقوق الذى درس القانون والشريعة وعمل كعضو الإدارة العامة للمباحث الجنائية، بالإضافة إلى إيمانه العميق بقيم المحبة والتسامح وانحيازه للقضايا الإنسانية فى أعماله، لم يكن غريباً عليه أن يكتب سيناريو وحوار مسلسل عنوانه «محمد رسول الله» ويحكى كرم النجار عن ظروف كتابة هذا المسلسل قائلاً: : كلفنى رئيس البرامج فى التليفزيون فى ذلك الوقت الإعلامى القدير سعد لبيب بكتابة هذا العمل بسبب انتقادى لظهور المسلمين بشكل تقليدى فى الأعمال الدينية التى أخرجها أحمد طنطاوى، ولكن كيف وهو يعلم أننى مسيحى الديانة؟ نعم ليس لدىَّ شعور بالخوف من حساسية الموقف، وأيضاً وجدت دعماً منه ومن الممثلين وخاصة الفنان جلال الشرقاوى، وذكر بعد سنوات طويلة فى حوار تليفزيونى أنه حين طلب منه سعد لبيب كتابة المسلسل كانت مفاجأة ولم يستطع الرد وقال إنه يريد مهلة كى يسأل والده، ويصف الموقف أو هذا اللقاء فيما بعد فى قالب السيناريو والحوار قائلاً:
المكان: مبنى ماسبيرو
الزمان: سنة.. 1968 العام التالى للنكسة.
أستاذ سعد لبيب: أستاذ كرم.. احنا بنكلفك بكتابة سيناريو وحوار لمسلسل محمد رسول الله.. عن كتاب الأستاذ توفيق الحكيم.
كرم: (فى ذهول من فرط الدهشة) أنا؟ أنا مسيحى يا أستاذ سعد
أ. سعد: العقاد كتب عبقرية المسيح.
كرم: وأين أنا من العملاق عباس محمود العقاد؟
أ. سعد: كلما أمعنت فى العلم.. وكلما بحثت فى ديانات وفلسفات من حولك.. اقتربت من أن تكون كاتباً مميزاً.
كرم: (فى ضحك وحيرة) ولماذا أنا يا أستاذ سعد
أ. سعد: قال لى الأستاذ أحمد طنطاوى المخرج (التليفزيونى الشهير) إنك درست الشريعة الإسلامية لمدة أربع سنوات فى كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، وإنك حصلت على تقدير عال فى مادة (أصول الفقه الإسلامى)، هذا فضلاً عن أنك ساعدته فى إعادة كتابة سيناريو مسلسل (دعوة الحق) وإنه أعجب بأسلوب فهمك للإسلام.
بالفعل بعد هذا اللقاء المثير والغريب عاد كرم النجار إلى المحلة ليسأل الأب الذى سأله بدوره سؤالاً صعباً مغزاه هل تستطيع القيام بهذا العمل دون أخطاء؟ فأجاب أنه يستطيع. وكان هذا العمل نقطة تحول فى حياته ليس فقط لأنه قدم نموذجاً للوحدة الوطنية بل لأنه قدم نموذجاً للكاتب الذى ينتمى إلى موهبته وإلى مهنة الكتابة، وفى مناسبات عديدة فيما بعد تحدث كرم النجار كثيراً عن طفولته فى المحلة الكبرى، عن أسرته التى التى لم تمنعه من المشاركة مع أقرانه من المسلمين فى احتفالات شهر رمضان، حيث كان يحمل فانوسه مثلهم ويشاركهم فى تزيين الشوارع ويفرح معهم فى أيام العيد وهم أيضاً يشاركونه فى الأعياد المسيحية، وحكى أيضاً عن ليلة الرؤية التى تسبق شهر رمضان حين تخرج الناس فى مجموعات كبيرة يسمونه موكب الرؤية يطوف مدينة المحلة وخلفه الأطفال والكبار، جميع من فى المدينة من مسلمين وأقباط، وكان كل صاحب حرفة يضع نموذجاً يجسد حرفته على عربة كارو ويطوف المدينة مشاركاً فى الموكب وهو يحتفل باستقبال الشهر الكريم حيث تفتح وعيه على هذه الاحتفالات التى رسّخت بداخله مفهوم الوحدة الوطنية.. ليقول بعد ذلك إن شهر رمضان بالنسبة له مناسبة قومية وليست دينية، وبعد سنوات حين زاد التعصب وانتشر دعاة الفتنة بين المصريين فى فترة سوداء من حياة هذا الوطن قال: لم أتربَّ على التعصب، وما نراه هذه الأيام، الغرض منه تكسير الفكرة الراسخة عن أن المصريين يعيشون حياة واحدة، وما نعيشه هو مرحلة إرهاب، يُعتدَى على المسلمين والمسيحيين بغرض خلق فرقة بينهم!
فى هذا المسلسل الذى شارك فيه بالتمثيل نجوم المسرح المصرى فى ذلك الوقت، حمدى غيث، عبدالله غيث، نجيب سرور، زوزو حمدى الحكيم، زوزو نبيل وأيضاً الفنان الشاب محمود ياسين، والمأخوذ عن مسرحية لتوفيق الحكيم أخرجه أحمد طنطاوى وهو أحد المتميزين الذين قدموا الدراما الدينية على الشاشة الصغيرة، وهو أيضاً من يعترف له كرم النجار بالفضل فى دخوله عالم الدراما التليفزيونية، والذى يحكى بعد ذلك باعتزاز عن موافقة الأزهر على كل الحلقات دون تعديل بل وأشاد الأزهر بالمادة المكتوبة.
وظنى أن عوامل عديدة ساعدت كرم النجار على كتابة هذا المسلسل منها الخبرة التى اكتسبها من عمله فى «الوعد الحق» مع المخرج أحمد طنطاوى ودراسته للشريعة الإسلامية فى كلية الحقوق، وخبرته فى المسرح والدراما التليفزيونية، ولكن الأهم هو نشأته التى تحدث عنها فى مجتمع لا يعرف التعصب أو نبذ الآخر، مجتمع يقوم فى بنيته الأساسية على قيم التسامح وقبول الآخر، فهذا الكاتب كرم وديع بولس النجار مواليد مدينة المحلة 1940، الحقبة الليبرالية التى كان فيها الانحياز للهوية المصرية من البديهيات قبل أن يغزو المجتمع المصرى أفكار التطرف والتعصب.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...