باليه «كسارة البندق » وزيارة إلى القرن ال 19

وأنا أشاهد باليه «كسارة البندق» لفرقة باليه القاهرة، وعلى مدى ما يقرب من ساعتين، كنت أفكر فى هذه الأعمال التى تتحدى الزمن..

 

فالقصة الأصلية عمرها مايقرب من مائتى عام، كتبها الألمانى إرنست هوفمان عام 1816، وبعد ثلاثة عقود تقريبا عام 1844 كتب ألكسندر دوماس المعالجة التى اعتمد عليها الباليه، وانتهى الروسى العظيم تشايكوفسكى من وضع الموسيقى عام 1892 والتى استغرقت عامين، وفى نفس العام شاهد الجمهور فى مدينة سان بطرسبرج هذه الرائعة التى صمم رقصاتها ماريوس بيتيا وتلميذه إيفانوف.. لنذهب نحن بعد ما يقرب من قرن وثلاثة عقود لنشاهد هذا الإبداع المدهش الذى اكتملت كل مفرداته، التى ولدت وتبلورت فى تلك الحقبة، ونصفق ونهلل بعد أن أصابتنا الدهشة من سحر هذه المشاهد التى يقدمها جيل ولد وتعلم ودرس الباليه بعد ما يزيد على قرن من إنتاج هذه المادة.. لماذا؟

نعم.. لماذا نحب هذه الأعمال؟ سؤال أو قل إحساس لا يمكن تجاهله أو الهروب منه، ودون شك ثمة طابع معاصر يبدو واضحاً على مفردات الباليه، ليس فى الحكاية أو الموسيقى لكن الديكور والملابس والإضاءة وأيضاً تصميم الحركة والرقصات، على الأقل بعض التعديلات، وهذا أمر طبيعى أن تتم معالجة هذه المفردات وفقا لإيقاع العصر ومتطلبات اللحظة الراهنة، وأيضاً وفقا للتقنيات الحديثة نتاج التقدم التكنولوجى، والتى أصبحت تلعب دورا رئيسيا على خشبة المسرح، فمنذ تقديم هذا الباليه للمرة الأولى نهاية القرن التاسع عشر وحتى أيامنا هذه ثمة معالجات معاصرة تتناسب وروح اللحظة الراهنة خاصة فى مفردات الصورة، لكن تظل الموسيقى الساحرة كما هى صامدة، تظل الحكاية، وإن تم إدخال بعض التعديلات تظل البنية العميقة كما هى، فما تم معالجة عصرية.. على سبيل المثال، ومن خلال البطاقة التى حملها الجمهور لباليه كسارة البندق لفرقة باليه القاهرة، أضيف اسم عبدالمنعم كامل إلى إيفانوف وتلميذه فى تصميم الرقصات، وأضيف اسم محمود الغرباوى إلى جانب مصمم الديكور الأصلى. مع «مايبنج» محمد عبدالرازق، وهى المناظر المصورة، هذا بالإضافة إلى الأداء الذى قدمه الراقصون. وهذا يعنى أن هناك لمسات من الفرقة فى عناصر الصورة، لكن مع الاحتفاظ بالطابع الكلاسيكى لهذا العمل.

لم تجذب قصة الباليه تشايكوفسكى فى البداية، ليس فقط لأجوائها الخيالية الطفولية، ولكن لافتقارها أيضا للشاعرية والحبكة الدرامية، وظنى أن هذه المساوئ موجودة فى القصة، فالحكاية مترهلة وأقرب إلى حكايات ألف ليلة وليلة حيث تتوالد حكاية من حكاية، وقام تشايكوفسكى بمعالجة الحكاية لتتحول كسَّارة البندق على الفور إلى الأمير الجميل بعد هزيمة ملك الفئران، وتتحول كلارا الصغيرة إلى فتاة شابة جميلة.. بعدها تتضخم شجرة الميلاد لتصبح وكأنها غابة كاملة من أشجار الصنوبر يجتاز عبرها الأمير مع كلارا إلى مملكة الدمى أو أرض الحلوى كما يشير إليها الباليه.. ويظل «دروسلماير» حاضراً فى خلفية المشاهد وكأنه يتأكد من دوام السحر.

بعد أن ينتهى عيد الميلاد الذى أقيم فى بيت كلارا تذهب إلى النوم ومعها دمية كسارة البندق التى أهداها لها دروسلماير صديق العائلة الدمية التى أثارت غيرة الأخ فانتزعها وتحطمت وبكت كلارا فأصلحها دروسلماير وعادت إلى النوم.. وفجأة تغيرت الدنيا.. تضخمت الأشياء، شجرة عيد الميلاد، الغرفة، الوجوه، وظهر جيش الفئران.. وتدور معركة بين الدمى بقيادة كسارة البندق، وبين جيش الفئران بقيادة ملكة الفئران.. معركة تنتصر فيها الدمى، وتتحول الحجرة إلى غابة، فالحبكة قوامها الخيال، حبكة الباليه المكون من فصلين فانتازيا تلعب فيها المخيلة دورا كبيرا.. لتتحول كسارة البندق إلى أمير شاب يصطحب كلارا ويذهبان على متن قارب إلى مدينة الحلوى، الحلوى بكل أنواعها كما يحبها الصغار، وهنا تتنوع الرقصات وتدق الأجراس، رقصة الزهور ومعها يشرق الصباح، اهتم تشايكوفسكى بتجسيد الطبيعة من خلال الموسيقى وتقسيم اللوحات، مما يجعل المشاهد يشعر وكأنه يعيش زمن هذه الأحداث المتخيلة، وهنا يختفى الأمير وتستيقظ كلارا وتعود الدمية مرة أخرى إلى كسارة بندق.. مجموعة من اللوحات التى تناسب الأداء الحركى والموسيقى بعد معالجة حكاية هوفمان.

لماذا هذا الاسم ولماذا كسارة البندق؟ ولماذا هذا الاسم وكيف تحول الأمير إلى هذه الكسارة؟.. أسئلة رغم المشاهد الممتعة تحتاج إلى إجابة بعد أن يفيق المشاهد من سحر هذه اللوحات، والإجابة فى القصة الأصلية قبل أن تتحول إلى مجموعة مشاهد من فصلين، ترتبط دائما بأجواء عيد الميلاد، حيث تتصدر شجرة عيد الميلاد فضاء الحكاية، التى تعود إلى مدينة نورمبرج ،الألمانية حيث كان هناك ملك عظيم يحب الطعام وذات بوم دعا الأصدقاء إلى وليمة السجق وأشرفت الملكة التى تجيد الطهى على هذه الوجبة وفى المطبخ خرجت ملكة الفئران من مكمنها بتأثير الرائحة الشهية، فزعت الملكة، حينها طالبت ملكة الفئران بنصيبها من الوليمة ولم تتنظر الرد بل هجمت ومعها جيش الفئران على الطعام.. حزنت الملكة وأخبرت الملك الذى كان ينتظر مع ضيوف، فغضب وأمر مستشاره الحكيم دروسلماير بأن يجد طريقة لذلك، ففكر فى صنع مئات المصايد التى تنغلق تلقائياً على الفئران، ونجحت الفكرة وتم القبض على مئات الفئران، وقتلهم من نسل الملكة التى توعّدت بالانتقام لأولادها، فتسللت فى غفلة إلى مهد الطفلة الجميلة ابنة الملك وعضتها، فاستيقظ الجميع على صوت بكاء الطفلة ليشاهدوا الأميرة الجميلة، وقد تحولت مسخا وصارت كدمية كسَّارة البندق.. غضب الملك وأمر مستشاره بأن يجد حلاً فحاول بدوره، وبعد فحص ومراقبة الطفلة وجد أنها أصبحت لديها شهية عجيبة لأكل الجوز وتكسيره بأسنانها القوية، وكانت تبكى على الدوام ولا تسكت إلا بعد أن يحضروا لها الجوز، فعرف أن اللعنة مرتبطة بالجوز، فاستطلع النجوم علّه يجد حلا لكسر اللعنة.. وعرف أنه يكمن فى ثمرة جوز ذات قشرة صلبة لا تقدر على كسرها ثمان وأربعون مطرقة، وسوف تنكسر اللعنة عندما تأكل الأميرة الجوزة بعد أن يكسرها بأسنانه شاب لم يرتدِ حذاء برقبة طيلة حياته ولم يحلق شعره، وبعد أن يكسرها يكون عليه أن يسير سبع خطوات للوراء وهو مغمض العينين دون أن ينظر خلفه ودون أن يتعثر، فتذهب اللعنة وتعود الأميرة لجمالها، فطاف العالم سنوات بحثا عن الحل وخوفا من الملك، وحين فشل عاد تحت جنح الليل وحكى القصة لأخيه، فمنحه الآخر هذه الجوزة التى كانت لها حكاية، وذلك حين اختلف التجار فى السوق وتساقط الجوز على الأرض ومرت العربات فطحنته إلا هذه الجوزة التى لم تتأثر بالعجلات الحديدية، فاشتراها، أما الشاب الذى يحمل المواصفات فهو ابنه، كل الحلول كانت متاحة وتأتى فجأة بمنطق الحكايات الشعبية، وبالفعل تم التنفيذ وعادت الأميرة، لكن أخطأ الشاب فى التنفيذ فمسخته ملكة الفئران، وما إن رأت الأميرة الشاب وقد تحول إلى كسارة البندق القبيحة حتى أشاحت بوجهها وأمرت الحراس بإلقائه بعيداً، أما الملك فقد غضب مجدداً وتنصّل من وعده بتزويج ابنته من الذى يكسر اللعنة، وألقى باللائمة كلها على دروسلماير المسكين، وأمر بنفيه من المملكة.. وسوف تتكرر الحكاية من جديد وتتولد منها حكاية أخرى لا تنتهى، فحتى يعود الشاب إلى هيئته عليه أن يهزم ابن ملكة الفئران وتقع فى حبه فتاة شابة دون النظر إلى وجهه المضحك وهيئته المتنافرة البشعة.. وحتى وقتنا هذا كسَّارة البندق معروض فى الواجه الزجاجية لمتجر أبيه صانع الدمى فى كل عيد ميلاد، علّه يجد الفتاة التى تأخذه وتكسر اللعنة.

وفى رواية دوماس حكى دروسلماير حكاية كسَّارة البندق وترك مارى.. وفى سحر الحكاية كسَّارة البندق ما هو إلا الشاب الصغير سليل أسرة دروسلماير.. وذات ليلة ظهر ملك الفئران وصعد إلى حجرة مارى وأخبرها بأنها إن كانت تريد أن تحمى كسَّارة البندق فيجب عليها أن تحضر له غداً فى الموعد نفسه كل الحلوى التى لديها، ولا تنتهى الحكاية التى عرضتها باختصار، لكن المشاهد الراقصة تحولت إلى لوحات قوامها الاحتفال بعيد الميلاد، بعدأن اختفت تفاصيل عديدة من الحكاية.

قدمت فرقة باليه القاهرة هذا الباليه فى صورة معاصرة مع المحافظة على طابعه الكلاسيكى رغم وضوح اللمسات الحديثة التى وضعها الفنانون الذين شاركوا فى هذا العمل، مشاهد رغم أنها اعتمدت على ما تم إنجازه فى القرن التاسع عشر، إلا أن أداء الفرقة التى تضم أعضاء مصريين وأجانب أضفى طابعا وروحا شرقيا على الأداء فى لوحات مثل رقصة الشيكولاتة وهى رقصة إسبانية، ورقصة القهوة وهى رقصة عربية أدتها سحر حلمى مع مجموعة من الراقصات الأجنبيات بروح الرقص الشرقى الذى يحافظ أيضاً على روح موسيقى تشايكوفسكى.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...