مائة عام على الميلاد.. وألف لحن للخلود في ليلـة محمـد الموجـى

كنا فى مطلع تسعينات القرن الماضى.. ما زلت أحمل لهجتى الصعيدية المكسورة أحيانا، وطباع أهل الريف.. تأسرنى الحكايات

 وتخطف قلبى المودة، حتى وإن كانت من وراء القلب.. أتهيب الكبار، كل الكبار، فما بالك لو كان الكبير هو محمد الموجى؟!

اسمه لوحده يخض.. أما قامته الفارعة وذلك الشنب الممتد فلا ينسجمان مع صورة فتى الشاشة التى حاول اقتحامها ولم تمنحه مودتها.. يبدو جهماً من أول كلمة خاصة أنه يمشى بسرعة.. كان قد سبقنى إلى أسانسير شركة "صوت الفن" وكنت على موعد للقاء مجدى العمروسى مديرها.. دخل إلى الشركة وترجلت أنا قليلا.. شعرت بأنه رجل قادم من التاريخ.. يقف الكل فى مقابلته احتراما وتبجيلا.. وزدت خوفا لأننى وجدت الموظفين فى الشركة - وكنت أعرف بعضهم عن قرب - وقد اختفوا من أمامه فى لحظة يوسعون له الطريق.. لم يمض وقت طويل وخرج مزمجرا وأنا فى مواجهته.. بعدها بلحظات خرج الأستاذ العمروسى يطلب أحد الموظفين ويأمره بملاحقته .. لحظتها لمحنى.. فنادى علىّ.. ودخلت وعلى وجهى الذهول لا أعرف ماذا أقول.. يبدو أن أصدقاء حليم كانوا فى معركة.. أبديت ذلك للعمروسى متلعثما فضحك.. وأضاف "زعبوبة من زعابيب الموجى.. وشوية وتخلص.. ده أطيب قلب ممكن تقابله فى حياتك".

ثم استمر العمروسى يحكى عن نوادر الموجى وشهامته وأخلاقه الطيبة وعصبيته أيضا.. وفهمت أن الموجى كان يعد لحنا لمطربة مغربية جديدة تتبناها الشركة، ويبدو أن أحدهم أخبره بتسجيل لحنه لسبب ما.. فظن أنهم يتعاملون مع موسيقاه بما لا يليق بها.

المهم قلت للعمروسى إننى أطلب وساطته.. أريد أن أحاور الموجى.. فقال "مش محتاجة واسطة.. خد تليفونه وكلمه وهو هيرحب".. فأخبرته بأننى أريد استضافته فى مقر مجلتنا لنحتفى به ونحاوره "مجموعة".. وسنقدم له أصواتا جديدة يسمعها.. الأمر مختلف.. وقد كان.

لم يمر وقت طويل.. نسى الموجى خناقته ووافق على طلب العمروسى بالمجىء إلينا فى مقر المجلة المؤقت بشارع جامعة الدول العربية.. جاء وهو يرتدى قميصا مشجرا يشبه غيطان كفر الشيخ.. وتحت إبطه عوده الشهير.. ولساعات سألناه وهو يجيب.. ثم استمع إلى الملحن الشاب وقتها وجيه عزيز فى بعض أغنيات كتبها مجدى نجيب لمحمد منير، والموجى يحب نجيب فكان أن أهدانا بعض أغنيات عمنا مجدى التى كان من المفترض أن يغنيها هانى شاكر ولم يحدث ذلك حتى الآن.. ولا أعرف مصير هذه الأغنيات.. وبعد أسبوع وجدته يبحث عنى فى كل مكان.. ولما ذهبت إليه اكتشفت أنه يريد أن يشكرنا نحن شبان "الإذاعة والتليفزيون" ليس أكثر.

لماذا أكتب لكم هذه القصة؟!.. الإجابة وباختصار لأننى أعتقد أن هذه العفوية التى كان يتعامل بها الرجل هى التى ظلمته وجعلتنا لا نمنحه ما يستحق من تكريم يليق بأحد أهم المجددين فى الموسيقى المصرية فى عصرها الحديث.. الضلع الثالث فى الفريق الذى أعاد لموسيقانا حيويتها ومنحها خلودا تستحقه لسنوات.. مائة عام مرت على ميلاد الموجى الذى زرع الأرض موسيقى وحصدنا نحن الآن النغمات الحلوة..

 مخاصمنى بقى له مدة

فى إحدى أغنياتها النادرة من كلمات عبدالوهاب محمد غنت شادية..

"مخاصمنى بقاله مدة

وفى ليلة الشوق نادانى

كلمته سمعت حسه

وقفلت السكة تانى"..

لم أجد مفردة أفضل من "حسه" لأدلل على سر محمد الموجى.. فهو "حس" مصرى لا شبيه له، وبعيدا عن أغنياته لأم كلثوم، وتجلياته مع رفيق رحلته عبدالحليم حافظ، يكفيك أن تقرأ رحلة بإحساس محمد الموجى، الذى لا يشبه أحدا فى تاريخ الموسيقى.. لا قبله و لا بعده.. هو مزيج من الموسيقى الريفية الخالصة التى طورها سيد درويش وزكريا أحمد ومحمد القصبجى.. لكنه لا يشبه أيا منهم.. فيها شقاوة "محمد فوزى" و"خصوبة" و"ثراء" محمود الشريف.. لكنه لا يشبههما أيضا.. رصانة ووقار السنباطى لكنه ليس كذلك أيضا.. هو فقط محمد الموجى الذى دخل إلى "حانة الأقدار" ليصنع لنا بيتا من الموسيقى هو "بيت العز" اللى "شباكه ستايره حرير".. وداير "الشباك" شجرة فاكهة مثل "الحلوة" حلوة الحلوات مصر التى نغنى لها.. لها فقط فى كل تفاصيلنا.. الموجى الريفى الذى ندهته المدينة فترك الزراعة التى درسها وعمل بها لسنوات ليتفرغ لزراعة شجر مختلف اسمه "موسيقى الأهل والأحبة".. هذا ما أحسه فى موسيقى هذا الرجل الذى يشبه ونس بيوتنا الريفية القديمة وشوارع وحارات وسط البلد ومقاهى "الحلمية" و"السيدة زينب"..

"شىء من بعيد نادانى

وأول ما نادانى

جرالى ما جرالى

ومش بإيدى يابا

نادانى من شمال

نادانى من يمين

ولسه بينادينى

ويقولى حصلينى

على بلد العجايب"..

هذه الأغنية التى شدت بها مطربة غير معروفة للكثيرين وهى زوجة محمد الموجى فى فترة ما واسمها "ليلى جمال".. كانت عنوانا لفيلم مهم وما زالت اسمه "النداهة"، ولا يمكن لأحدنا أن يتخيل رحلة "ماجدة" من الغيط إلى المدينة بدونها.. هذه الريحة وذلك النفس هو ما دفع محمد منير لأن يعيد تقديم الأغنية بتوزيع مغاير بعد ما يزيد على ثلاثين سنة من تقديمها لأول مرة.

استجاب الموجى لنداهة القاهرة لكنها لم تمنحه نفسها من أول مرة، ولم تكن البدايات سهلة على الشاب الذى جاء ليغنى.. لكن أحدا لم يقنع بسمات المغنى فى ملامحه الخاصة جدا وصوته الذى استعاره عبدالحليم فيما بعد.. أما ألحانه "الجديدة تماما" فى مطلع خمسينات القرن الماضى عن ذوق تلك الفترة فلم تجد لها طريقا أيضا.. إلا عبر إحدى المطربات فى الملاهى.. وقد كانت أشهرها أغنية "صافينى مرة" التى كتبها سمير محبوب.. عرضها الموجى أولا على حليم لكنه خاف منها وطلب من الموجى أن يعرضها على مطرب كبير يستطيع أن يعبر بها إلى الجمهور.. فكان أن عرضها على عبدالغنى السيد لكنه رفض أن يغنيها.. فعرضها على محمد عبدالمطلب فرفضها أيضا.. فغنتها المطربة زينب عبده التى كانت تغنى فى ملهى صفية حلمى.. وبعده سنوات غناها حليم فى الإسكندرية ورفضها الجمهور.. لكنها فى المرة الثانية، وفى الاحتفال الأول بإعلان الجمهورية، كانت عروس الحفل التى قدمت حليم إلى الملايين.

الموجى نفسه يشبه أغنيته.. لا يحصل على النجاح بسهولة.. لكنه عندما يتصل يفاجئ الجميع بهذه الموسيقى الساحرة سابقة عصرها.. ومثلما كان الموجى هو الأغنية الأولى فى رحلة حليم كانت أغنيته الأخيرة على المسرح "قارئة الفنجان".. وفيما بينهما صنع الموجى مئات الألحان لعشرات المطربين، ولكل منهم قصة ورواية تستحق أن تروى.

 شعبيات محمد الموجى

وبقدر ذلك الثراء فى أغنيات الموجى الكلاسيكية بقدر ما أجدنى مشدودا إلى تجربة محمد الموجى الشعبية، وبخاصة تلك التى تشارك فيها مع الأبنودى ومرسى جميل عزيز ومجدى العمروسى..

"قلة حبيبى ملانة

وعشطانة يانا

أروحله ولا أروح

أشرب حدانا

أروحله ولا أروح

وبلاش شقاوة"..

لم يكن أحد يتخيل أن تلك الفتاة النحيلة ذات الجذور الشامية يمكنها أن تغنى "شال وقلة ودوار" وغيرها من تلك المفردات التى وضعها ابن الزقازيق الذى يعمل فى تجارة الفاكهة لأغنية "فلاحى" ضمن أحداث فيلم "ابنتى العزيزة".. لكن الموجى الذى كان "مدرسة لوحده" فى فهم "خامات الأصوات" استطاع أن يصنع من حنجرة نجاة هذه التحفة التى أجبرنا لحنها أن نقبلها بعد أربعين سنة من رجل خليجى هو حسين الجسمى دون أن نتوقف عند معانى ومشاعر الأنثى التى تتقمصها.

هذه العلاقة الغرامية بين ريشة عود محمد الموجى وموسيقى الريف المصرى سنجدها حتما فى أغنيات "محرم فؤاد" الشهيرة "الحلوة داير شباكها" و"رمش عينه اللى جارحنى".. مثلما نجدها فى أغنيات حورية حسن وأشهرها "من حبى فيك يا جارى" وفى أغنيات أحلام "وقفو الخطاب صفين ع الباب".. وغيرها.. مثلما سنجدها مع صباح وفايزة أحمد والأخيرة صاحبة نصيب كبير من هذه الأغنيات.. "تمر حنة" و"بيت العز" على سبيل المثال.. ومع محمد رشدى أيضا.

لم أشأ أن أبتعد عن "منجز" الموجى الكبير فى الأغنية الكلاسيكية سواء مع أم كلثوم فى "للصبر حدود" أو "اسأل روحك".. أو فى تجاربه الصوفية الملهمة ولا تجاربه الكلاسيكية مع غيرها "عيون القلب" لنجاة أو "أكدب عليك" لوردة.. أو مع مع حليم وكمال حسنى وهانى شاكر وغيرهم.. لكن فقط حاولت أن أشير إلى تجربة الرجل المتنوعة فى كل أشكال الغناء.

تجربة محمد الموجى تستحق أن نتوقف عندها بالدارسة.. وسيرته تستحق أن نستعيدها فى زمن يحاول البعض ممن يملكون "نغمة" واحدة من نغمات الموجى القفز على التاريخ وصنع تاريخ مفتعل فى عالم الموسيقى..

مائة عام على ميلاد الموجى.. الذى لا تغيب موسيقاه ولو للحظة واحدة.. سواء احتفلنا به وكرمناه أو لم نفعل.. فموسيقاه وحدها تشير إليه.

 	 محمد العسيرى

محمد العسيرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م