أذكر أولى المسرحيات التى شاهدتها للكاتب أبو العلا السلامونى عام 1995، وهى مسرحية "ديوان البقر" المأخوذة عن كتاب "الأغانى" للأصفهانى،
من إخراج كرم مطاوع، على خشبة مسرح الهناجر.. وقد كتبها فى فترة صعبة من عمر هذا الوطن حين صعدت الأفكار الظلامية للجماعات المتطرفة وانتشرت بين بعض شرائح المجتمع، فعاد إلى التراث ليستعين بحكاية تلعب فيها دور البطولة جماعات التطرف والظلام، وذلك منذ أكثر من ألف عام، وحاولت إلغاء العقول، وكأن الناس مجموعة من الأبقار، طمعاً فى الجنة واتقاء للنار. وفى هذه المسرحية يبنى السلامونى الحبكة الأساسية حول مقولة "من يستطيع أن يلعق أرنبة أنفه بلسانه سوف تغفر ذنوبه"، وهى عن فقيه كان يتناول غداءه على قارعة الطريق فعلق أحدهم على هذا الفعل مستنكرا.. فسخر الفقيه من لومه ولوم الناس وحاول أن يثبت له أنه على حق فى سخريته من الناس، فكان كل من يمر يقول له الفقيه إنه روى فى الأثر أن من يلمس أرنبة أنفه بلسانه يغفر له، فأسرع الكل بإخراج ألسنتهم على أن يلمس اللسان أرنبة الأنف.. هنا نظر الفقيه إلى الرجل وقال له ألم أقل لك إنهم بقر؟
أثارت المسرحية جدلاً كبيراً عند عرضها فى مسرح الهناجر.. فى تلك الفترة بحثت عن أعمال هذا الكاتب بعد أن أدهشتنى الفكرة، وكيف بنى الحبكة الأساسية للنص حول مقولة من كلمات محدودة لكنها تقرأ وتعالج قضايا اللحظة الراهنة.. وتوقفت طويلاً أمام قدرته على التفتيش فى التراث العربى، وبدأت فى قراءة نصوص أبو العلا السلامونى. ومن التراث العربى إلى التاريخ الحديث قدم شخصية محمد على باشا أول وال يختاره الشعب فى العصر الحديث.. ورغم حياته العنيفة وطموحه وكل فتوحاته وتأسيسه لأكبر إمبراطورية فى الشرق فقد أصابته لوثة فى آخر أيامه، عبارة عن حالة من الضعف والضحك الهستيرى بصورة انفرادية، حتى زواره كانوا يخشونه، كما ذكر معاصروه. أصيب بحالة من السعال التشنجى، وبعد أن كان يفيق منها كانت تعود إليه نظراته الفاحصة والثابتة. وقد التقط محمد أبوالعلا السلامونى هذه الشخصية الدرامية وبالتحديد لحظة الجنون لينسج منها عملا دراميا هو "رجل فى القلعة"، حيث انفجر وعى الباشا ولم يتذكر سوى رفيقه وخصمه السيد عمر مكرم نقيب الأشراف وقائد الثورة الشعبية التى وضعته على عرش مصر وعلى أولى الدرجات فى سلم طموحه الذى لا ينتهى، ووصل به إلى مشارف أوروبا ودخل قلب الإمبراطورية العثمانية فى الأستانة، ليأتى جوهر الدراما فى هذه المسرحية عبارة عن الصراع بين الرجلين محمد على باشا وطموح السلطة فى مقابل إرادة الشعب التى يرغب فى تحقيقها عمر مكرم، فكلاهما يتشبث بمعنى حياته حسب قناعته ولا يتخلى عن يقينه، والحدث الدرامى هو الصدام بين طموح الرجلين، والدراما التاريخية هى طموح الكاتب أبوالعلا السلامونى، ليكمل مشواره الذى بدأه فى مسرحية "فرسان الله والأرض" العلاقة المعقدة بين عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد.. ولم يختلف الأمر كثيرا فيما بعد بين محمد على باشا وعمر مكرم، وكما كان جوهر الدراما فى "فرسان الله والأرض" بحث كل من الرجلين عن معنى لحياته، فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى بحثه عن العدالة وسيف الله المسلول خالد بن الوليد فى مواجهة الموت، يلوذ الأول بيقين العدل والثانى بيقين السيف.. أيضاً فى مسرحية "رجل فى القلعة" يدور الصراع بين يقين السلطة وشهوتها عند محمد على وإرادة الشعب عند عمر مكرم، ورغم اختلاف الأهداف فى المسرحية الأولى عن الثانية واختلاف الشخصيات موضوع الحدث فإنه نفس الصراع بين شخصيتين يصطدم طموحهما ليفجر الصراع الدرامى، على الرغم من أن كليهما له نفس الهدف.. فى مسرحية "فرسان الله والأرض"، كلاهما بنية خالصة يعمل تحت راية الإسلام لتوطيد أركان دعوته، الأول بيقين العدالة والثانى بيقين السيف، وفى المسرحية الثانية كلاهما "محمد على وعمر مكرم" يعمل لصالح مصر بيقين السلطة أو بيقين إرادة الشعب وإن اختلفت الآراء حول شخصية محمد على.
تبدأ أحداث المسرحية بلوثة الجنون التى أصابت الباشا وهى بداية مثيرة تحمل أبعادا تراجيدية.. فها هو الأسد فى عرينه ملتاثا بنوبة جنون بعد أن أقلق عروش أوروبا وهددها فى عقر دارها، ولا يتذكر سوى خصمه ورفيقه السيد عمر مكرم، وحين تصيبه النوبة يهرع إلى قبره ويبكى.
التزم النص بالأحداث التاريخية فيما عدا بعض الضرورات الدرامية، مثل حفيدة السيد عمر مكرم "زينب" وقصة الحب بينها وبين إبراهيم باشا.. وأيضا مشاركة جيش محمد على فى "حملة فريزر" التى حولها الكاتب إلى مقاومة شعبية.. ويتحول الأمر إلى مسرحية داخل المسرحية وهو الأسلوب الذى اختطه أبوالعلا السلامونى لكتابة هذا النص المسرحى، فعلاج الباشا من لوثته وجنونه لا يتم إلا عن طريق تمثيل المسرحية أمام الباشا فى عيد جلوسه على هذا العرش، ربما يغفر عمر مكرم لمحمد على، وربما يستريح الباشا الذى سوف يندم ويشارك فى الأحداث، هذا هو موضوع الحدث الدرامى الذى يتناول سنوات حكم محمد على بالتفصيل حتى نفى عمر مكرم إلى دمياط، ثم يمر سريعا على سقوط الباشا وأزمته بعد تحالف أوروبا ضده وتحقق نبوءة عمر مكرم فى لغة شعرية انحاز إليها أبوالعلا السلامونى وأبناء جيل السبعينات.. لغة عربية فصيحة وبسيطة على لسان الممثلين.
وكما صادر عمر بن الخطاب نصف أموال خالد بن الوليد وحدد إقامته فى المدينة فى مسرحية "فرسان الله والأرض"، تم تحديد إقامة عمر مكرم فى دمياط لكن تطور المصطلح إلى "النفى"، وخبرة أبوالعلا السلامونى جعلته يختار هذه اللحظة الفارقة فى صراع رجلين يمثل كل منهما تراجيديا، وحين يجتمعان تتوافر عناصر المأساة وكل شروطها فى استحالة التوافق، فلم يكره محمد على باشا عمر مكرم بل ظل يحبه ويؤرقه ذنبه إلى أن أصيب بلوثته فلم يتذكر سواه.. وهذه الرسالة التى يوردها الجبرتى خير دليل حين طلب عمر مكرم السماح له بأداء مناسك الحج عام 1818، حيث يقول الجبرتى: "فتذكر محمد على المنفى العظيم الذى كان له الفضل أكبر الفضل فى إجلاسه على عرش مصر وأذن له بأن يقيم بداره إلى أوان الحج، وكتب له يقول: أنا لم أتركه فى الغربة هذه المدة إلا خوفا من الفتنة، والآن لم يبق شىء من ذلك . فإنه أبى وبينى وبينه ما لا أنساه من المحبة والمعروف".. وبدأ خطابه بكلمات حين يتأملها القارئ لا يتخيل أن هذا الرجل الذى لم يتعلم القراءة والكتابة صاغها أو أملاها على كاتبه، وأيضا تجسد محبة محمد على وعلاقته بالسيد عمر مكرم: "مظهر الشمائل سنيها، حميد الشئون وسميها، سلالة بيت المجد الأكرم، والدنا السيد عمر مكرم دام شأنه".. وبعد هذه الكلمات لا يتخيل أحد أنه كان ثمة صراع بين الرجلين لكنها عناصر التراجيديا التى توافرت فى شخصية الرجلين، والصراع بينهما كان حتميا لا يملك أى منهما منعه، وهذا جوهر ما قدمه أبوالعلا السلامونى، وإن كانت هناك بعض المبالغة الدرامية فى شخصية محمد على وإضفاء بعض التقديس الزائف عليها، فهو لم يكن مثاليا بل كان فى سبيل طموحه يفعل أى شىء كما ذكر المؤرخون ومعاصروه، ليجسد أبو العلا السلامونى ببراعة صراع المثقف/ عمر مكرم والسلطة/ محمد على فى هذه المسرحية.
وبعد سنوات يقرأ الواقع المعاصر فى نص "الحادثة اللى جرت فى 11 سبتمبر" من خلال أسرة مصرية مكونة من زوج مصرى وأم أمريكية وولد وبنت، وهذه الأسرة ضحية أحداث 11 سبتمبر، ومن خلال الأسرة يطرح رؤيته لأمريكا وللجماعات الدينية المتطرفة بجرأة شديدة جدا تخلت عن الإلهام المسرحى واللغة الدرامية وجاءت مباشرة أقرب إلى لغة الصحافة السياسية المعارضة، ودخل الكاتب إلى عش الدبابير وناقش قضايا شائكة دون مواربة فلم يستخدم الرموز بل جاءت المفردات عارية دون تجميل، وجاءت الآراء صارخة وصريحة لا تحتمل التأويل. وإذا كان هذا لا يخدم البناء الدرامى أو العملية المسرحية على المستوى الفنى فإنه يسهم فى تعميق وتأكيد وجهة نظر الكاتب، و هذا الأسلوب يتم استخدامه فى الأعمال التى تتم كتابتها للتعليق على الأحداث الآنية والكاتب منفعل بالحدث، فكل شيء فى النص مباشر، الحوار والشخصيات واللغة، وهذا ما جعل مدير القومى وقتذاك يخاف من تقديم هذا العرض فى نفس اللحظة. والنص كما كتبه السلامونى يأتى فى فصلين يدور الأول فى أمريكا والزمن ضرب البرجين مباشرة، والثانى فى مصر من خلال الدكتور أبو الفرج أستاذ الأدب بجامعة نيويورك، والأحداث فى النص تبدأ فى عيادة الطبيب النفسى وتنتهى فى نفس المكان، إذ يستخدم الكاتب طريقة الفلاش باك حيث تتعدد الأزمنة وتدور الأحداث من خلال شخصية الدكتور أبوالفرج الذى يقوم بدور الراوى أيضا، والبداية لا تخلو من التشويق حين يستقبل الطبيب النفسى فى عيادته رجلا مريضا اسمه أسامة بن لادن.
وفى الفصل الثانى تدور الأحداث فى القرية والتحول الذى حدث للعائلة حين عادت لتعيش فى أحضان الجماعات الدينية حيث إخوة د.أبو الفرج وهم من الجماعات الدينية، ويواجه إخوته بعد تجنيد ابنه لصالحهم وابنته التى صارت منتقبة.. وفى النهاية تعود العائلة إلى حالتها الطبيعية أى نهاية سعيدة لا تخلو من خطب الدكتور أبو الفرج المباشرة: "وأنا واثق إن اللى بيحصل فينا مؤامرة والموضوع مش اعتباطى.. ده مخطط وإحنا ضحية.. الجماعات المتطرفة اللى بتكفر مجتمعاتنا، واللى بتعمل عمليات إرهابية ضد المسئولين والصحفيين والكتاب والسياح وتشجيع الزواج العرفى والحجاب والنقاب والثعبان الأقرع".. وفى هذا النص تخلى أبو العلا السلامونى عن اللغة الشعرية، عن البناء الدرامى والحبكة والصراع وقدم خطاباً مباشراً، كان ضرورياً فى تلك الفترة التى أصبح فيها إعمال العقل من المحرمات ليحذر المجتمع من هذه الكارثة ومن سيطرة الفكر التطرف وهذا ما قدمه فى "ديوان البقر" من قبل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تستحضر المخرجة الإيرانية "مهناز محمدي" تجربتها الشخصية في سجن "إيفين" في ثاني أفلامها الروائية الطويلة "رؤيا"، من بطولة الممثلة التركية...
بدأ الفنان على ربيع التحضيرات لمسلسل جديد يعود من خلاله إلى الدراما بعد غياب.
يواصل الفنان أحمد حلمى التحضيرات النهائية لفيلمه الجديد «حدوتة »، والمقرر أن يعود من خلاله إلى السينما بعد غياب.
اعتذرت الفنانة أسماء أبواليزيد عن بطولة مسلسل جديد مع الفنان عصام عمر، كان من المقرر أن تقوم بتقديمه خلال الفترة...