مدحت صالح.. أربعون عاماً من الغناء البهيج

نوفمبر شهر ميلاده

لا يحتفل مدحت صالح بعيد ميلاده.. ليس لأنه أحد بخلاء الوسط الفنى، ولا لأنه قليل الأصدقاء، لكن لأنه يؤمن بأن كل الأيام عيد إذا ما أردت، ولأنه من الأصل يكره أن يكون حزينا حتى ولو فى "الغناء".

مرت السنوات سريعا.. هى تفر من وجهة نظره، لكنه لا يأبه لذلك، لأنه يعيشها بالطريقة التى يحب.. يكره مدحت صالح الحسابات، رغم أنه من أسرة يعمل معظم أهلها بالتجارة.. بالتحديد تجارة الموبيليا.. ويحب التاريخ الذى درسه فى جامعة الأزهر.. لكنه يتعامل معه بعقلية "الصنايعى".. فنان الموبيليا الذى ينحت قطعة الخشب ليصنع منها "ضحكة" فى البيوت.

يؤمن بالصدفة، فهكذا كانت البدايات.. وبالقسمة والنصيب.. لكنه لا يتوقف كثيرا.. هو فقط يعيش أيامه مثلما رجل أغنيته الأشهر "المليونيرات".

يعرف "الحساب" جيدا.. لكنه لا يمارسه، أو بمعنى أدق يتجاهله.. هو فقط يريد أن يعرف كل شىء.. كل التفاصيل الصغيرة تستغرقه، لكنه لا يغرق فيها.. يعرف ثم يمر لا يأبه لشىء.. هو يحب أن يفعل كل ما يخصه.. يختار كلمات أغنياته حسب حالته.. ينام فى الوقت الذى يحب.. ويذهب إلى الاستوديو الخاص به معظم الوقت، إلا إذا كان مشغولا ببروفة أو مشهد جديد يقوم بتصويره خلف الكاميرا.. يمارس الرياضة ويحب الكرة ويعشق فريق الزمالك.. عديله سابقا نجم الزمالك فاروق جعفر.. فأولاده من زوجته الثانية ليلى صديق هم أبناء خالة لاعب الكرة الجديد سيف جعفر.. لكنه ليس متعصبا.. هو بطبعه لا يحب التعصب.. يغضب أحيانا.. لكنه الغضب المؤقت الذى لا يدوم.. هو يجرى.. يقفز.. بنفس الطريقة التى يتنقل بها بين المقامات الموسيقية.. يمرح.. لا يتوقف عند شجرة واحدة.. محمود الشريف، عبدالوهاب، بليغ حمدى، الموجى، كمال الطويل، الشرنوبى، الحفناوى، وليد سعد، خالد عز.. هو لا يتوقف عن أى تصنيف للغناء الذى دخله من أوسع الأبواب طفلا صغيرا يردد خلف المقرئين ما تيسر من آيات الذكر الحكيم.. بجوار راديو صغير من الخشب.. دائما هو يردد ما يقوله الشيخ، لا يتوقف عند شيخ بعينه.. المنشاوى.. عبدالباسط عبدالصمد.. مصطفى إسماعيل.. عشرات من المقرئين يتابعهم الطفل الصغير ويحفظ ما يقولونه كأنه الماء.. لا يشعر بصعوبة فى الحفظ ولا فى تقليدهم، وهو الأمر الذى دفع الأب الذى يعيش فى جزيرة بدران بحى شبرا لأن يدخل به إلى عالم الأزهر الواسع.. فى الوقت نفسه الذى ذهبت به قدماه بعد نصيحة من د.يوسف شوقى إلى دنيا الحواديت مع "أبلة فضيلة"، ليغنى معها، وكان قد سبقه إلى نفس البرنامج عدد كبير من الذين أصبحوا نجوما فى عالم الغناء فيما بعد، وفى مقدمتهم على الحجار الذى يعتبره مدحت "الألفة" الذى يسير خلفه.. وقد فعلها وهو شاب (حكى لى مدحت صالح فى إحدى المرات أنه كان يذهب وهو شاب عند منتصف الليل إلى شارع الهرم.. ويجلس فى سيارة قريبة من المسرح ليسمع ما تسمح به السماء من أغنيات محمد الحلو والحجار وعمر فتحى ومنير، فقد كانوا يغنون معا فى مكان اسمه "شاليمار").

أعجبته تجربة الحجار، لكنه لم يسع لتقليدها.. سار فى طريقه الذى لم يختر بدايته.. لكنه تعايش معه فى البدايات.

لم يكن محمد سلطان مجرد ملحن فى ذلك الوقت (بداية الثمانينات).. لكنه كان أحد الأسماء الكبيرة فى عالم الموسيقى، وقد كانت تجربته مع مدحت مهمة.. لكنها لم تدفع به إلى عالم النجومية من اللحظة الأولى.. فى نفس الوقت كانت حفلته الأولى على المسرح مع الكبيرة "نجاة الصغيرة".

منذ اللحظة الأولى أدرك "محمد محمود صالح وهبة" أنه ابن المسرح، يعرف "أساس الناس وإيقاعهم"، يدرك ماذا يطربهم.. هو من المدرسة الطربية بلا جدال.. لذلك لا يجد صعوبة فى ترديد وإعادة تقديم ألحان محمود الشريف وزكريا أحمد والسنباطى وبليغ وغيرهم.. هو ابن مدرسة المشايخ وله مع سيد مكاوى صولات وجولات فى سهرات خاصة يحتفظ بتفاصيلها وكأنها حدثت بالأمس.. وهو أيضا ابن المدرسة الحديثة، لكنه أٌقرب إلى "الشعبى" من ذلك الغناء الذى يعتبر السنوية.. فنجده الأقرب إلى شياكة محمود الشريف فى "تلات سلامات".. أو مع شعبيات بليغ لمحرم فؤاد وعفاف راضى وعبدالحليم أيضا.

منحه الله صوتا طيعاً مرناً يستطيع غناء أصعب القصائد.. لكنه لم يفعل.. فى بداياته كان أن قرر أن يغنى "يوميات رجل مهزوم" لنزار قبانى.. وأن يتصدى لأصعب ألحان محمد الموجى.. لكنه كان يفعل ذلك من باب اكتشاف قدراته ومعرفة الطريق الذى يحب أن يمضى فيه و"الزى المناسب" الذى "يليق عليه".

لم يتوقف مدحت كثيرا.. ولم "يتعب" طويلا.. فالشاب الذى كان يحصل على خمسة "قروش" يومية من صاحب محل "الحدايد والبويات" الذى يعمل به فى روض الفرج لم تعد تهمه مسألة الفلوس.. أصبح همه ماذا يغنى.. هو يريد أن يغنى فقط.

أغنياته الثلاث الأولى كانت أٌقرب إلى روح عبدالحليم حافظ الذى غادر قبلها بثلاث سنوات فقط.. كنا فى بداية ثمانينات القرن الماضى.. ولا تزال الأغنيات الطويلة عنوانا للمرحلة.. كان عدوية قد خطف الجميع بشعبياته.. والفرق المستقلة تحاول شق طريق جديد.. وأبناء المسرح يبحثون عن سكة جديدة.. لذا جاءت أغنيات مدحت الأولى حليمية الطابع بكلمات سمير الطائر.. لكن الألبوم الثانى كان مختلفا.. كان جيل الثمانينات يبحث عن نفسه.. عن إيقاع مختلف.. وكانت "ياسين وبهية" هى البوابة التى رأى محمد قابيل أن يقدم مدحت من خلالها بعد أن تغير اسمه من "محمد صالح" إلى "مدحت صالح".. وكان رفض الحكاية الشعبية القديمة.. رفض دور البطل الشعبى غير الواقعى، هو البداية..

"لا انا يا حبيبتى ياسين

ولا انتى بهية

ده إحنا حكاية عاشقين

منقوشة ووردية"..

وتلك الكلمات التى كتبها محمد حمزة لم تكن شعبية تماما.. لكن نفس الألبوم الذى ضم ست أغنيات كتبها عبدالوهاب محمد، سمير الطائر، شعبان أبوالسعد، من ألحان مختار السيد وزاهر عبدالحميد.. كان من بين أغنياته لحن أقرب إلى الفلكلور اسمه "غنى المزمار وقال" لمحمد باهر.. هذه الأغنيات الست لم تقدم الفتى العشرينى فى شكل جديد تماما.. لكنها أغنيات قصيرة حررته من روح الأغنية الحليمية الطويلة إلى حد ما.. وانتقلت به إلى "مصرية الكلمات وشعبيتها".. لكنها لم تكن كافية لتعلن عن "شخصية جديدة".. قدمته فقط إلى جمهور أوسع احتفى بإعلان ميلاد صوت مصرى جديد مبهج وانتظر ما سيطرحه فيما بعد.. ولم ينتظر مدحت صالح كثيرا فقد كانت بدايته الحقيقية مع ألبومه الثالث "السهرة تحلى"، الذى ضم ست أغنيات تنوعت ما بين الرومانسية والدراما، لكن تصدير فكرة البهجة فى وقت كانت فيه كل الأغنيات فيه تتجه إلى العتاب والهجر والحزن جعل ذلك النوع من الموسيقى المبهجة ينتشر بسرعة شديدة..

ويدفع بأسماء جديدة إلى عالم الغناء كانوا رفاق رحلة صالح الأهم.

فى ذلك الألبوم لم يقطع صالح صلته بالجيل القديم، لكنه تعاون مع الأٌقرب من ذلك الجيل.. جيل جديد قرر أن يقدم لحنا مغايرا وهو عبدالحليم منصور، الذى أهداه فى هذا الألبوم "عيونك الرحيل" من ألحان محمد الشيخ..

"عيونك الرحيل فى مواسم الهجرات

وانا طول عمرى بارحل فى عينيك من سكات

عينيك الليل وأنا

ملاح تعبه الضنى

يا ريت يضمنا مرساه ولو ساعات

من نظرتك بادوب

وأكلم الدروب

قلبى يصبح قلوب

تدوب المسافات"..

هى أغنية للحبيبة التى لم يحددها منصور.. لكنها صارت وطنا فى تجربة هذا الجيل.. ولم يكن غريبا أن تكون لدى مدحت فرصة أكبر ليخاطب الإنسان فى العالم كله فى تجربة قادمة مع كلمات مدحت الجمال ولحن سامى الحفناوى "كوكب تانى".

تلك الأغنية التى شارك بها صالح فى أحد مهرجانات الغناء بتركيا كانت حدا فاصلا بين ما قبل، حيث كان الرجل يتلمس الطريق، وبين ما بعد حيث استقرت الفكرة ليقدم بعدها مجموعة من الألبومات أنتجها بنفسه ليكون وحده بطل حكايته.

قدم صالح مجموعة من الأسماء الجديدة وجدت نفسها فى صوته.. فقدم مع وائل هلال لحنا هو الأول فى مسيرة صلاح الشرنوبى.. يكاد يكون مفتاحا وعنوانا لكتابة مختلفة عن الحب..

"تحت السما والقمر

عايشين عباد الله

زى الطيور ع الشجر

متجمعين الله

شفتك حقيقة وقدر

طول عمرى باتمناه"..

ومن صلاح الشرنوبى إلى شقيقه الأكبر الذى وجد فى حنجرة صالح مساحة أكبر دفعته إلى مغادرة الإسكندرية والقدوم للقاهرة.. وجد فاروق الشرنوبى مساحة درامية جديدة تختلف عن الحجار والحلو وإيمان البحر فقدم مع صالح "آسف على الأحلام.. باحلم على قدى".. وغيرهما.. مثلما قدم مع رياض الهمشرى "ولا طير ولا شاطئ" و"بافرد ضلوعى" من كلمات إبراهيم عبدالفتاح ومع محمد ضياء "خاصمت الشوارع"..

وكان بديهيا أن تلتفت الدراما سواء فى المسرح أو التليفزيون لهذا الصوت المرح الشجى فى آن واحد.. فكانت رواية "المهر" التى قدم من خلالها مع فاروق الشرنوبى لحنه المبهج "المليونيرات"، وهو أول أغنية يتم تصويرها بطريقة الفيديو كليب، وبعدها توالت المسرحيات حتى تعدت الثلاثين.. وكذلك انتبهت السينما لذلك الصوت الذى لم يعد مطربا فقط، لكنه شارك بالتمثيل أيضا.. وأسهمت صورة ابن البلد خفيف الدم فى صنع "كاريكاتير" مختلف لصالح.. الذى وجد نفسه فيما بعد قاسما مشتركا فى كل أغانى أفلام جيل التسعينات ومسلسلاتهم، ليقدم ما يشاء من مساحات درامية لا تسمح بها الأغنية الفردية مثلما هو الحال مع أغنيات "زى ما هيه حبها" أو "النور مكانه فى القلوب"، وهو الأمر الذى سمح له فيما بعد بأن يقدم حفلات خاصة لأغانى الأفلام فقط.

فى بداية الألفية الجديدة اختلطت الأمور فى عالم الموسيقى والغناء وتاه الكثيرون.. لكن صالح بذكاء شديد قرر العودة إلى الجذور.. فمع انهيار سوق الكاسيت وجد ضالته فى حفلات "الأوبرا" التى سمحت له بأن يصول ويجول وهو رجل التاريخ فى تاريخ الغناء المصرى ليقدم كتالوجا غنائيا لا يقارن، ويتنقل براحته بين "أسطوات" الموسيقى يقطف من شجراتهم ما يشاء.. فى الوقت الذى يشاء.. هذا الأمر سمح له أيضا بأن يقدم ألبومات جديدة كان آخرها مع الشاعر بهاء الدين محمد "بنت القلب" فى الوقت الذى منحته فيه الدراما الجديدة فرصة الدخول إلى كل بيت مصرى مع دراما ناجحة اسمها "أبو العروسة" منحته فرصة الغناء للأب بشكل مختلف فى تنويعات لحنية مختلفة لخالد عز.. ثم يقرر صالح إكمال الطريق بأن يقدم كل شهر لحنا جديدا عبر منصات التواصل الاجتماعى.. متماشيا مع كل ما هو جديد فى الموسيقى حتى إنه يعلن وبجرأة غير مسبوقة أن تجربته القادمة ستكون فى عالم الراب مع أحد نجوم جيل الشباب "ويجز".

باختصار، لا يمكن اختصار أربعين عاما من البهجة لمجرد أننا فى شهر ميلاد واحد من أهم مطربينا، لأن دراسة تجربة صالح تحتاج إلى أشهر طويلة وليس مجرد هذه السطور.

 

 	محمد العسيرى

محمد العسيرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

نور النبوى يصور «كان يا ما كان» فى الأقصر

يصور الفنان نور النبوى المشاهد الأخيرة من فيلمه الجديد «كان يا ما كان » فى مدينة الأقصر خلال الأسبوع الحالى.

جيهان الشماشرجى تعطل «البحث عن فضيحة»

تسببت الفنانة جيهان الشماشرجى فى توقف تحضيرات فيلم «البحث عن فضيحة», بسبب أزمتها فى إحددى القضايا.

خالد سليم يصور أغنية جديدة فى كاليفورنيا

استقر الفنان خالد سليم على تصوير أغنية جديدة خلال جولته الفنية فى الولايات المتحدة الأمريكية.

مؤلف «على كلاى» يدخل عالم الإخراج

يخوض المؤلف والفنان محمود حمدان تجربة الإخراج لأول مرة بمسلسل جديد يُعرض خارج السباق الرمضانى.