خلقنى الله عنيدا، فالعناد فى طابع أصيل، لا أفعل إلا ما أقتنع به، ولا توجد قوة على وجه الأرض تجبرنى على أن أفعل شيئا رغما عنى أو على غير هواى، وأذكر أن الموسيقار
خلقنى الله عنيدا، فالعناد فى طابع أصيل، لا أفعل إلا ما أقتنع به، ولا توجد قوة على وجه الأرض تجبرنى على أن أفعل شيئا رغما عنى أو على غير هواى، وأذكر أن الموسيقار الكبير كمال الطويل قال مرة إننى نسخة من عبد الحليم حافظ فى العناد، وربما تكون الملاحظة صحيحة، لكن إذا ما سألتنى عن رأيى فإننى أقول إننى نسخة من حليم فى صفة أخرى وهى الانحياز للناس.. للجمهور.. للمستمع أو المتفرج الذى يدفع من جيبه ليسمعك ويستمتع بفنك.
تعرض حليم لموجات حادة من هجوم النقاد، اتهموه أنه أفسد الغناء، وقالوا إنه مطرب المراهقين، وقالوا إنه مطرب السلطة، وقالوا إنه مجرد موضة وستنتهى، ولكنه لم يهتم ولم يتراجع، كانت عينه دائما على جمهوره، راهن عليه وكسب الرهان ولم يخذله أبدا.. كذلك فعلت وراهنت.
(1)
حسمت مواقفى منذ البدايات، فأنا ابن الشارع، تربيت وسط الناس، أعرف لغتهم وثقافتهم وأشعر بنبضهم وأعرف شفرتهم وبوصلتهم، هؤلاء البسطاء هم جمهورى وسندى، أنا منهم وهم منى، أحمل ملامحهم وهمومهم وأحلامهم، صنعونى على أعينهم فكنت بطلهم على الشاشة، وهى ملاحظة تنبه لها صديقى الكاتب الساخر القدير أحمد رجب فكتب: "عادل إمام ملامحه مثلى ومثلك، ملامح مصرية تراها كل يوم فى المرايا والأتوبيس والشارع، فتشعر أنه ليس غريبا عن الصورة التى تحتفظ بها فى بطاقتك".
كما تنبه لها كاتبنا العظيم أحمد بهاء الدين عندما قال: "بعض سر نجاح عادل أن كل مصرى يجد شيئا من نفسه فيه، الصعلوك والمليونير، البسيط والمتعلم، كلنا فى أعماقنا جزء مشترك منه".
ولذلك كان طبيعيا أن أنحاز لجمهورى، وأن يكون ولائى لشباك التذاكر، لهؤلاء الذين يدفعون من جيوبهم من أجلى ويتزاحمون للفرجة على ما أقدمه من فن، هؤلاء هم الذين قررت أن أعمل حسابهم ولحسابهم.
نجاحى الكبير فى "رجب فوق صفيح ساخن" منحنى الثقة فى نفسى وفى جمهورى، ولذلك لم أهتم بحملة النقد والتجريح التى تلت الفيلم وطالته وطالت بطله وجمهوره، وأجمع نقاد اليسار على أننى النجم الجديد لسينما الانفتاح وجمهورها من الحرفيين!
بصراحة انزعجت فى البداية، فأنا أصلا ابن الفكر اليسارى وانضممت ذات يوم لتنظيم يسارى سرى، ولى صداقات واسعة مع مفكرى اليسار وكتابه ومبدعيه، من لويس عوض إلى حسن فؤاد، ومن صلاح حافظ إلى عبد الرحمن الخميسى، ومن محمود السعدنى إلى يوسف إدريس، وكنت فى فترة من أشد المعجبين بالأستاذ عبد الرحمن الشرقاوى، فذهبت إليه وقلت له بتلقائية:
- نفسى يا أستاذ تكتب لى قصة أعملها فيلم.
فضحك فى مودة وقال:
- عمرى ما عملت الشغلانة دى.. أنا أكتب لقضية.. لفكرة.. لكن مش لشخص!
وشعرت بالخجل من نفسى وأحسست بأننى كنت "قليل الذوق" مع هذا الكاتب الكبير صاحب "الأرض" و"الحسين شهيدا"، رغم ذلك استمرت صداقتنا وتوطدت، وجاء مرة لمشاهدة أحد عروضى المسرحية (ربما كان "شاهد ما شافش حاجة") وبعد العرض أراد الدخول لغرفتى ولكن موظف الأمن اعترضه ودار بينهما أغرب حوار:
- أنت رايح فين يا حضرت؟
- داخل للأستاذ.
- وأنت تطلع مين؟
- عبد الرحمن الشرقاوى.
- يعنى بتشتغل إيه؟
- كاتب.
- يعنى وظيفتك إيه؟
- قلت لك كاتب.
- لا.. ممنوع.
وحكى لى الأستاذ الشرقاوى تلك القصة وهو فطسان من الضحك، إذ ظن موظف الأمن أنه كاتب فى المحكمة وجاء ليسلمنى عريضة دعوى قضائية مرفوعة ضدى، فرفض إدخاله من باب الاحتياط، حتى لا يعكنن علىّ!
علاقتى بالفكر اليسارى ومفكريه كانت طيبة جدا، يوسف إدريس مثلا كان من أعز أصدقائى، رغم أننا فى كل مرة نلتقى فيها كنا نتخانق، كان لا يعرف الآراء الوسط، ولديه استعداد لأن يدافع عن وجهة نظره باستماتة حتى لو دخل بسببها السجن أو خسر كل أصدقائه، ربما كانت شخصيته المجنونة هى سر عبقريته وجاذبيته، مرة كنا عند صديقنا د. أسامة الباز، ودخلنا فى مناقشة حادة حول مدى التزام إسرائيل بموعد خروجها من "طابا"، وراهن يوسف على أن إسرائيل ستماطل وتراوغ، واقترحت أن يُخرج كل واحد منا عشرة جنيهات ويكتب عليها للذكرى رأيه أو توقعه، واحتفظت بالجنيهات الثلاثين، وخبأتها فى مكان خاص فى الدولاب حفاظا عليها، ثم فوجئت باختفائها، ففى حملة تفتيش روتينية عثرت عليها زوجتى فظنت أننى نسيتها، وأخذتها وصرفتها، وحزنت عليها كثيرا لأنها كانت بمثابة وثيقة تاريخية بتوقيع يوسف إدريس وأسامة الباز.
كنت أعشق قصص يوسف، فتنتنى "بيت من لحم" و"أرخص ليالى" و"لغة الآى آى"، وتمنيت فى فترة أن أجمع بين هذه القصص البديعة فى سهرة تليفزيونية تخيلت أن يكون عنوانها "سهرة مع يوسف إدريس".
(2)
كل هذا أقوله للتأكيد على انتمائى لليسار فكرا وصداقة، لذلك لم أصدق فى البداية أن يهاجمونى بتلك الشراسة، كنت أشعر أنهم يكتبون عن شخص غيرى، وأنا هنا أستعير التعبير نفسه الذى استخدمه الأستاذ هيكل فى وصف الذين كانوا يهاجمونه بلا منطق ولا سبب مقنع.
تعرض "رجب" فى البداية لحالة غريبة من التجاهل النقدى، نقاد اليسار الكبار اعتبروه مجرد فيلم تجارى "مبتذل" لا عمق فيه ولا مضمون، ولا هدف له إلا إضحاك جمهور الحرفيين والصنايعية، ومن ثم فإنه لا يليق بناقد محترم أن يشاهده أو يكتب عنه.
كان صديقنا سامى السلامونى الناقد السينمائى من بين هؤلاء، تجاهل الفيلم فى البداية ولم يمنحه حتى شرف المشاهدة، فلما اضطر لمشاهدته بعد اختياره عضوا فى لجنة تحكيم المهرجان السنوى لجمعية الفيلم وخرج ليكتب معتذرا:
" لقد فوجئت بأن فيلم "رجب" ليس سيئا إلى الحد الذى تصورناه جميعا إلى حد التعالى عليه، بل إنه فيلم محير فعلا إلى حد أننا قد نستخدم تعبيرات مراوغة، بمعنى أنه "ليس سيئا" هذا تعبير غير صحيح تماما، لأن بعضنا لن يجرؤ على أن يقول إن "رجب" هو فيلم جيد أيضا.. وفى "رجب" شىء نادر حقا فى معظم أفلامنا، حتى ما يدعى منها أنه راق ونظيف وواع و"عالمى" جدا.. هذا الشىء النادر هو الصدق والبراءة والبساطة والتواضع ثم الوضوح أيضا.. لقد نجح "رجب" لأنه كان صادقا وبريئا، ولأنه قدم للناس شيئا من حياتهم، ونجح فى أن يجعلهم يجدون أنفسهم فى "رجب".. واحد منهم كأى واحد آخر.. مسحوق ومضروب ومضطهد ومضحوك عليه من الجميع.. فعذرا "لرجب" الذى تعالينا عليه طويلا مع أن أيامنا ليست أكثر من مجرد "رجب".
وبالرغم من التعالى والتجاهل النقدى فاز الفيلم بجائزة فى مهرجان جمعية الفيلم!
هذا التعالى أعمى عيون النقاد على أن يروا ما يحمله الفيلم من مضمون وأفكار، فقد كان أول فيلم يحذر من هجرات الفلاحين الداخلية إلى العاصمة وتركهم لأرضهم وإهمالهم لزراعتهم.. لكنهم لم يروا فيه سوى أنه مجرد فيلم سطحى لاهدف له إلا التسلية والضحك، رغم أنهما هدفان نبيلان ومن أهم أهداف السينما.
على "سُنة العندليب" سرت، كانت عيونى معلقة دائما بالجمهور، وفى تلك الفترة قدمت مجموعة من الأفلام الكوميدية التى حققت رواجا جماهيريا كاسحا، ففى العام الذى قدمت فيه "رجب" عُرض لى أيضا "خلّى بالك من جيرانك" (مع الأستاذ فؤاد المهندس ولبلبة ومديحة يسرى وإخراج محمد عبد العزيز)، و"إحنا بتوع الأتوبيس" (مع الأستاذ مدبولى ومشيرة إسماعيل وإخراج حسين كمال)، و"قاتل ماقتلش حد" (مع آثار الحكيم وصلاح ذو الفقار وإخراج محمد عبد العزيز).
وفى العام التالى (1980) قدمت "شعبان تحت الصفر" (مع إسعاد يونس وجميل راتب وعماد حمدى وإخراج الأستاذ بركات)، وحقق الفيلم نجاحا جماهيريا واسعا.
ورغم وصولى لأدوار البطولة المطلقة إلا أننى كنت أجدنى أعود إلى أدوار البطولة الجماعية، فخلال نفس الفترة قدمت "مغامرون حول العالم" مع سمير غانم ولبلبة وناهد شريف، و"رجل فقد عقله" مع فريد شوقى وسهير رمزى وكريمة مختار وإكرامى، و"أذكياء لكن أغبياء" مع مديحة كامل ويسرا وسمير غانم ورشدى أباظة.. كان يهمنى الدور الجديد والمختلف.. وكان يهمنى أن أمارس التمثيل باستمتاع، ولذلك أقول دائما إننى أحب مهنتى ومن حسن حظى أننى أحترفت هوايتى.
وبالموازاة مع تلك الأعمال الكوميدية قدمت تجارب خاصة "منزوعة الكوميديا" ويغلب عليها الطابع الإنسانى والتراجيدى، كنت أحاول من خلالها إثبات أننى بداخلى طاقة تمثيل تتسع لكل النوعيات، وأننى يمكن أن أسرق دموعك وشجنك كما أسرق ابتسامتك وضحكتك، ويمكن العودة مثلا إلى فيلم "الإنسان يعيش مرة واحدة" (مع يسرا ومحمود المليجى وعلى الشريف وإخراج سيمون صالح، إنتاج 1981) و"أمهات فى المنفى" (مع ماجدة الخطيب وإسعاد يونس وأمينة رزق والمخرج محمد راضى 1981).
ثم كان هناك "المشبوه" (مع سعاد حسنى وفاروق الفيشاوى والمخرج سمير سيف1981) بهذا المزيج من الكوميديا والإنسانية واللغة السينمائية الرفيعة.
لكن كل ذلك لم يشفع، فقد ظل الاتهام مشرعا فى وجه السينما التى أقدمها وفى وجه جمهورى الذى يُقبل عليها.. وظل موقف نقاد اليسار من أفلامى ونظرتهم الظالمة لها والمتعالية عليها وتفسيرهم الساذج لنجاحها، فهى عندهم سينما زمن الانفتاح الاستهلاكى، وجمهورها من الطبقات الطفيلية الجديدة التى صعدت إلى قمة الهرم الاجتماعى وفرضت ذوقها على السينما وصُناعها، بحكم أنهم الأقدر على دفع ثمن التذكرة، ولأن الزبون دائما على حق فكان لابد أن تسود هذه السينما، وكان لابد أن ييتربع بطلها الجديد على عرش الايرادات.. هذه كانت رؤيتهم وتفسيرهم للمشهد السينمائى الجديد.
فلم يلتفتوا إلى ما تحمله تلك الأفلام من رسائل كاشفة للمجتمع ولظواهره، ولم يعترفوا أن فيلما مثل "رمضان فوق البركان" كان أول عمل سينمائى يحذر من ظاهرة النصب باسم الدين ومن تجار الدين.
لكن كل هذا التجاهل وهذا التعالى لم يمنع من ظهور أصوات منصفة أعلنت بوضوح أن أفلامى غيرت مفهوم النجم فى السينما المصرية، فأصبح معى بطل يشبه الناس فى ملامحهم وبساطتهم وحتى ملابسهم، بل جعلت "الجينز" عنوانا على مرحلة سينمائية، فقد كنت أول من ارتدى البنطلونات "الجينز" فى أفلامى، وكانت وقتها هى "الزى القومى" للشباب فى تلك السنوات، وكنت أرتديها فى حياتى العادية وببساطة شديدة أرتديتها فى أفلامى.. لأكون مثل الناس فى الحياة وعلى الشاشة.
ولذلك اعتبرنى الناس ممثلهم على الشاشة، أنا الشاب البسيط القادم من بينهم، يحلمون معى بالصعود والنجاح، وأن أنتقم لهم ممن ظلمهم وافترى عليهم، وبأن أفوز فى النهاية بالبنت الجميلة التى طالما تمنوها.. وهو المعنى الذى قصده صديقنا الكاتب الساخر حسام حازم عندما كتب: "نجيب الريحانى أضحكنا بدور الرجل الجريح، وإسماعيل ياسين بدور الرجل العبيط، أما عادل إمام فبدور الرجل القوى، والنمط الأخير لا يُضحك بطبعه.. وهذا هو التحدى الذى فرضه عادل على نفسه وانتصر به".
غيّرت إذن فى شكل البطل، وفى شكل حدوتة الفيلم الكوميدى التى كانت تنتهى بالقبلة الشهيرة، وحتى فى شكل جمهور السينما.
(3)
أكثر ما كان يزعجنى فى هذه المرحلة هو هجوم النقاد الحاد على الجمهور واتهامه بالابتذال والسطحية وتدنى الذوق وتحميله سبب كل أزمات السينما المصرية.. كنت أستغرب من هذا الهجوم واستنكره، فلا يمكن أن يكون هؤلاء الملايين من جمهور السينما فاقدى الذوق، عيب أن نشتم الجمهور بذلك الاستعلاء، الجمهور لن يتزاحم على فيلم ويدفع ثمن تذكرته من جيبه إلا إذا وجد فيه شيئا يُمتعه.. ثم إن قناعتى طوال عمرى هى أن السينما لا تساوى شيئا بدون الجمهور، كلنا نتنافس على هذا الجمهور، أنا أقدم أفلامى للناس فى الأساس وليس للنقاد مع احترامى لهم، والمقياس الحقيقى الذى يحدد نجاح الممثل وأجره هو شباك التذاكر وليس مقالات النقاد.
وعلى سبيل السخرية قالوا إن جمهورى من الصنايعية والحرفيين و"السمكرية"، ولا أفهم ما هو العيب فى ذلك، فهذا الجمهور واع ولا يمكن خداعه ولا الضحك عليه، ويذكرنى بجمهور الدرجة الثالثة فى المدرجات الذى يعرف الجميع أنه الجمهور الحقيقى لكرة القدم.. إنهم أولاد بلد جدعان ومواطنون مصريون فى كل الأحوال.
هذا الجمهور البسيط هو الذى دعم صناعة السينما وموّل الفن المصرى، بل أقول بكل فخر إن هذا الجمهور هو الذى ربى أولادى وفتح بيتى ودفع أجرى، فأجرى الحقيقى يدفعه الجمهور وليس المنتج.
وهذا الجمهور له ذوق علينا احترامه، ولا يجوز التعالى عليه أو الحط منه، ففى يوم من الأيام هاجم المثقفون هذا الجمهور لأنه أحب أغانى أحمد عدوية، ورددوا نفس النغمة عن الإسفاف وانحطاط الذوق والابتذال.. واعتبروا أغانيه عنوانا على زمن الانفتاح والرداءة.. وعاش عدوية وعاشت أغانيه وأثبتت الأيام أن الجمهور كان على حق.. بل خرج مثقفا بقيمة نجيب محفوظ ليعلن أنه من المعجبين بصوت عدوية وأغانيه.
لا يمكن أن يتزاحم الجمهور على فيلم أو أغنية إلا إذا وجد فيها شيئا يعجبه ويلمسه ويهمه.. ولا يمكن أن يحب الجمهور فنانا من فراغ.. ولا يمكن أن يمنح الجمهور قلبه وماله وإعجابه لمن لا يستحق.. ولذلك كان رهانى دائما على الجمهور، وأتصور أننى لم أخسر رهانى أبدا.
لكن نجاحى السينمائى لم يكن بتلك السهولة ولا كان الطريق إليه مفروشا بعقود الفل.. فقد كان علىّ أن أدخل فى معارك، كانت معركتى مع النقاد أهونها.. فقد كادت إحداها تقودنى إلى السجن!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يصور الفنان نور النبوى المشاهد الأخيرة من فيلمه الجديد «كان يا ما كان » فى مدينة الأقصر خلال الأسبوع الحالى.
تسببت الفنانة جيهان الشماشرجى فى توقف تحضيرات فيلم «البحث عن فضيحة», بسبب أزمتها فى إحددى القضايا.
استقر الفنان خالد سليم على تصوير أغنية جديدة خلال جولته الفنية فى الولايات المتحدة الأمريكية.
يخوض المؤلف والفنان محمود حمدان تجربة الإخراج لأول مرة بمسلسل جديد يُعرض خارج السباق الرمضانى.