على عبد الخالق.. حكاية مخرج انحاز للقيمة الفنية فى كل أفلامه

قد لا يتجاوز عدد الأفلام التى قدمها المخرج الراحل على عبدالخالق الـ50 فيلما، ما بين روائى وتسجيلى، إلا أنها تمثل قيمة فنية كبيرة وإضافة متميزة لتاريخ السينما المصرية

قد لا يتجاوز عدد الأفلام التى قدمها المخرج الراحل على عبدالخالق الـ50 فيلما، ما بين روائى وتسجيلى، إلا أنها تمثل قيمة فنية كبيرة وإضافة متميزة لتاريخ السينما المصرية  بما قدمته من موضوعات وقضايا مهمة، سواء الأفلام التى تطرقت للأوضاع السياسية أو تلك التى قدمت قضايا اجتماعية قريبة من الواقع المصرى لأقصى درجة من خلال طرح سينمائى مختلف شكلا ومضمونا، نجح فى الوصول لقطاع كبير من الجمهور المصرى والعربى.

عشق المخرج الكبير الراحل على عبدالخالق عالم السينما منذ طفولته، كما أن نشأته فى بيت فنى كان لها أثر كبير فى حبه للسينما، فوالده هو الفنان عبدالخالق صالح أحد أهم فنانى السينما المصرية الذين احتفظوا بحبهم للفن وعملهم فى السينما رغم عمله بمجال الشرطة ووصوله لرتبة لواء.

قرر على عبدالخالق ألا يكون حبه للسينما مجرد هواية، ولذلك التحق بالمعهد العالى للسينما وتخرج فيه عام 1966، وكان فى هذه المرحلة العمرية المبكرة متأثرا بالفكر اليسارى ومشغولا بالأحوال السياسية، وعمل بعد تخرجه كمساعد مخرج حتى اتجه لإخراج الأفلام التسجيلية.. ومن أهم أفلامه التسجيلية فيلم "أنشودة الوداع" الذى حصل على العديد من الجوائز الدولية من مهرجانات الأفلام التسجيلية والقصيرة، ومنها الجائزة الثانية من مهرجان لايبزيج السينمائى بألمانيا، كما حصل فيلمه "السويس مدينتى" على الجائزة الأولى من مهرجان وزارة الثقافة الأول للأفلام التسجيلية عام 1970.

كانت بداية "عبدالخالق" فى مجال السينما الروائية بداية قوية من خلال عمل وطنى مهم احتفظت به ذاكرة السينما المصرية كأول فيلم وطنى يوثق لبطولات الجيش المصرى فى مرحلة حرب الاستنزاف وهو فيلم "أغنية على الممر" عام 1972 الذى شارك فى بطولته محمود مرسى، صلاح قابيل، محمود ياسين، أحمد مرعى، صلاح السعدنى، الفيلم مأخوذ عن مسرحية تحمل نفس العنوان "أغنية على الممر" للكاتب على سالم وكتب الأغانى الشاعر عبد الرحمن الأبنودى، وقد كان تأثر "عبد الخالق" بحكايات الجنود والضباط المصريين الذين شاركوا فى حرب الاستنزاف تأثرا كبيرا بمثابة الحافز له على تقديم هذا الفيلم الذى تكلف إنتاجه فى عام 1972 مبلغ 19 ألف جنيه وحقق نجاحا فنيا كبيرا، وقد حصل على الجائزة الثانية من مهرجان (كارلو فيفارى)، وجائزة من مهرجان (طشقند) السينمائى.

 وقد كان "عبد الخالق" أكثر المخرجين حماسا للتعاطى مع الوضع السياسى فى هذه المرحلة من تاريخ مصر ولذلك قام بتصوير عدد من الأفلام الخاصة بحرب أكتوبر على جبهة القتال، ولم يكن "أغنية على الممر" سوى بداية لسلسلة من الأعمال الوطنية والمخابراتية التى رصدت عدة قضايا وأحداث سياسية فى هذه المرحلة الفارقة من تاريخ مصر.

 حيث تناول الوضع بعد احتلال سيناء فى فيلم "إعدام ميت" إنتاج عام 1985، بطولة يحيى الفخرانى، محمود عبدالعزيز، بوسى، ليلى علوى، بعدها بعامين أى عام 1987 أخرج فيلم "بئر الخيانة" بطولة نور الشريف، عزت العلايلى، هدى رمزى، وكلاهما مستوحى من ملفات المخابرات العامة المصرية.. وحققا نجاحا جماهيريا ونقديا كبيرا.

واستمر اهتمام "عبد الخالق" بتقديم هذه النوعية من الأفلام الوطنية فقدم فيلم "الكافير" المستوحى من ملفات المخابرات المصرية أيضا عام 1999 بطولة طارق علام، روجينا، عزت العلايلى، عبير صبرى، سامى سرحان، حسين الإمام، إسماعيل فرغلى، وتناول الفيلم قصة استعانة المخابرات المصرية بأحد الشباب المشهود لهم بالعبقرية فى مجال هندسة الطيران، وذلك لدراسة ومعرفة أسرار طائرة "الكافير"، وتلا ذلك عام 2004 فيلم "يوم الكرامة" من إنتاج قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصرى بطولة ياسر جلال، خالد أبو النجا، أحمد عز، الذى تدور أحداثه حول استعداد القوات البحرية لعملية عسكرية مهمة ومصيرية، وهى إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات، ويقوم بالمهمة مجموعة من الضباط والجنود.

وهى أفلام تظهر الحس الوطنى الكبير الذى تمتع به المخرج الراحل على عبد الخالق، كما تؤكد سعيه طوال مشواره الفنى لتقديم أعمال تبقى فى ذاكرة السينما المصرية وتوثق لمراحل وأحداث وبطولات الجيش المصرى.

وبالتوازى مع نجاحه فى تقديم هذا اللون من الأعمال الوطنية، قدم "عبدالخالق" تجارب لأفلام حققت نجاحا جماهيريا غير مسبوق حين عرضت، وما زالت حتى الآن تمثل علامات مهمة فى تاريخ السينما المصرية، خاصة فى مرحلة الثمانينات عندما تعاون مع السيناريست الكبير الراحل محمود أبو زيد، ليقدما أفلاما من أجمل ما قدمته السينما المصرية من حيث القيمة الفنية والتناول المتقن للعديد من القضايا الاجتماعية، ليصبح "عبدالخالق وأبو زيد" من أشهر وأنجح الثنائيات السينمائية كتابة وإخراجا  من خلال ما قدماه من أفلام متميزة مثل "العار" عام 1982، "الكيف" عام 1985، "جرى الوحوش" عام 1987 ، "البيضة والحجر" عام 1990، و"عتبة الستات" عام 1995.

غلبت على تجارب "عبدالخالق وأبو زيد" الصبغة الواقعية فى الطرح والتناول وقاما بتقديم تشريح لأهم قضايا المواطن المصرى وهمومه، وكانت تجارب فى مجملها متقنة الصنع قد لا تجد فى أى منها خطأ فنيا يمكنك التوقف أمامه، بداية من رسم الشخصيات وخلفياتها وتفاصيل الفكرة والمواقف، والسيناريو والحوار، حتى أسماء الشخصيات كانت لبعضها دلالة، وهى تجارب قدمت قضايا مجتمعية مهمة بلغة سينمائية جاذبة لمخرج يمتلك أدواته بشكل كبير ويجيد تحريك شخصياته وتوظيف كل عناصر العمل الفنى والكادرات وزوايا التصوير والموسيقى التصويرية، للوصول فى النهاية لعمل سينمائى له قيمة، ولذلك فإن هذه التجارب ستظل من أجمل ما قدم المخرج الراحل على عبدالخالق مع السيناريست محمود أبو زيد، وهى أفلام ما زالت حاضرة فى الأذهان بتفاصيلها وحتى جمل حوارها حتى الآن.

كما أن على عبدالخالق نجح من خلال هذه الأفلام فى الجمع  بين أكثر من اسم من نجوم الصف الأول فى عمل واحد وببساطة، فكانت النتيجة مدهشة والنجاح متضاعفا، ففى "العار" جمع بين محمود عبد العزيز ونور الشريف وحسين فهمى، وفى الكيف قدم يحيى الفخرانى مع محمود عبد العزيز، وفى "جرى الوحوش" جمع للمرة الثانية بين الثلاثى محمود عبد العزيز ونور الشريف وحسين فهمى فى شخصيات مختلفة تماما عن تجربتهم الأولى.

تعاون المخرج الراحل على عبد الخالق مع أهم نجوم ونجمات السينما المصرية فى مرحلة الثمانينات والتسعينات وحققت أفلامه نجاحا جماهيريا كبيرا، ومن أهم الأفلام التى قدمها للنجمة نبيلة عبيد فيلم "شادر السمك" مع الفنان أحمد زكى، وأفلام "الوحل، ودرب الرهبة، والحناكيش"، كما قدم النجمة نادية الجندى فى فيلمى "بونو بونو" و"الإمبراطورة"، ومن أهم أفلامه أيضا التى تنوعت موضوعاتها ما بين اجتماعية وكوميدية "السادة المرتشون، بنات إبليس، اغتصاب، الحقونا، أربعة فى مهمة رسمية، مدافن مفروشة للإيجار، الأبالسة، عذاب الحب، ضاع حبى هناك، الجنتل، النمس، راندفو، وعليه العوض" وغيرها من الأفلام.

وفى مرحلة بداية الألفية الثانية اتجه المخرج الراحل لمجال الفيديو فقدم أعمالا محدودة وهى مسلسلات "نجمة الجماهير" عام 2003  بطولة إلهام شاهين ومحمود قابيل، "أصحاب المقام الرفيع" عام 2004 بطولة حسين فهمى ومحمود قابيل، "أيامنا الحلوة" عام 2005 بطولة فاروق الفيشاوى ونرمين الفقى، و"البوابة الثانية" عام 2009 بطولة نبيلة عبيد وهشام عبدالحميد، إلا أن عشقه الحقيقى كان دائما لمجال السينما الذى ابتعد عنه منذ عام 2006 بعد آخر أفلامه "ظاظا" مع الفنان هانى رمزى.

برحيل المخرج على عبد الخالق فقدت السينما المصرية أحد أهم مخرجيها وصناعها، مخرجا اهتم بالقيمة الفنية لأفلامه، وكان على وعى كبير بمشاكل المجتمع المصرى وهمومه، كما كان أيضا أحد أهم المخرجين الذين اهتموا بتقديم أفلام وطنية لها طابعها الخاص تمجد بطولات الجيش المصرى فى أهم مراحل تاريخنا المعاصر.


عصمت حمدى

عصمت حمدى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...