أغرب لقاء جمعنى بأم كلثوم.. بالصدفة وفــي الطائرة

لا أعرف حتى الآن كيف نجحت فى سنوات دراستى فى كلية الزراعة، فما حدث هو معجزة بكل المقاييس، فقد كنت أذهب يوميا إلى الكلية من أجل المسرح لا الزراعة، من أجل "ثورة الموتى"

لا أعرف حتى الآن كيف نجحت فى سنوات دراستى فى كلية الزراعة، فما حدث هو معجزة بكل المقاييس، فقد كنت أذهب يوميا إلى الكلية من أجل المسرح لا الزراعة، من أجل "ثورة الموتى" لا القطن طويل التيلة، كنت تجدنى أشارك بحماس فى كل الأنشطة ماعدا المحاضرات، حتى المظاهرات شاركت فيها بل اخترعتها، فقد حدث مرة أن وقف عميد الكلية د. عبداللطيف بدر يخطب فينا، كنا آلافا من الطلبة نحتشد فى أكبر مدرجات الكلية، ووقتها تجددت الأزمة واشتعلت بين الرئيس عبد الناصر ورئيس الوزراء العراقى عبد الكريم قاسم، فقد كان الزعيم العراقى يرفض الانضمام للجمهورية العربية المتحدة، بل وتآمر لإفشال الوحدة بين مصر وسوريا، وكانت الصحف والإذاعة المصرية تشن عليه حملات عنيفة، وعندما وقف عميدنا ليهاجمه ضاع منه الكلام وخانه التعبير ولم نسمع منه سوى كلمة واحدة: ولا تزعلوا!

لأننى كنت أخشى أن يضيع الوقت فى الخطب والمحاضرات وأتعطل عن بروفات عرضى المسرحى الجديد، وقفت فجأة وبحماس زائد طلبت من زميلين يجلسان بجوارى أن يحملانى على أكتافهما، ورحت أهتف بأعلى صوت: لا تزعلوا.. لا تزعلوا، وأشرت إليهما بالخروج من المدرج، وتبعتنى حشود الطلبة يرددون ورائى الهتاف، وكنا جميعا نردده ولا نعرف معناه، المهم بالنسبة لى أننى بعد دقائق من تلك المظاهرة العجيبة أصبحت حرا!

    (1)

أحلى أوقاتى فى الكلية كانت تلك التى أقضيها على خشبة مسرحها ممثلا، وفى حجرة النشاط المسرحى مشرفا، أما ذروة المتعة فكانت فى حفلات السمر بالكلية، فقد كنت نجمها بلا منازع، وكنت أتفنن فى تقديم عروض الـ"ون مان شو"، وبينها عروض "بانتومايم"، كنت أتولى تأليفها من الألف إلى الياء بما فيها الموسيقى التصويرية، وأذكر أن من أنجح العروض التى قدمتها فى تلك الحفلات رواية بعنوان "ثلاثة مجانين عقلاء"، وكانت من أشهر العروض التى تتنافس على تقديمها فرق المسرح الجامعى من تأليف الأستاذ أحمد حلمى، كما قدمت مسرحيات الريحانى برؤية جديدة، لكن عمرى ما عملت أدوار الريحانى، كنت على قناعة أن هذه الأدوار مكتوبة للريحانى وعلى مقاس موهبته وأسلوبه ويصعب على أى ممثل آخر أداؤها، ولذلك كنت أفضل تجسيد الأدوار الأخرى فى مسرحيات الريحانى، وكان يعجبنى مثلا شخصية "تادرس" فى عرض "الدنيا على كف عفريت" أو "بيومى البلاصفورى" فى "قسمتى"، فقد كانت هذه الشخصيات تعطينى حرية أكبر ومساحة أوسع فى التمثيل.

لم يسعدنى الحظ بمشاهدة الريحانى على المسرح، ولكنى شاهدت أعماله السينمائية، ولا شك أنه واحد من عباقرة فن التمثيل، لكنه لم يكن ممثلى المفضل فى الكوميديا، إذ حبس نفسه وحصر موهبته فى أداء دور نمطى للمواطن الغلبان أو المغلوب على أمره، صحيح أنه نجح فيها لكنها لم تكن من النوع الذى يستهوينى، ولذلك لم أتردد عندما قلت إن فؤاد المهندس واحد من المجددين الكبار فى فن الكوميديا، وأنه لا يقل عبقرية عن الريحانى حتى ولو قال تواضعا إنه تلميذه.

 كنت صادقا عندما قلت إن المهندس مدرسة وليس مجرد امتداد أو فرع، وكنت أقرر حقيقة عندما قلت إن الريحانى لا يضحكنى، وهو مجرد رأى لا يقلل من عظمة الريحانى ولا ينتقص من قدره.. مثلما لا يقلل من قدر حسن فايق ولا قيمته عندما أقول إنه لا يُضحكنى.. ولا يقلل من عظمة إسماعيل ياسين وعبقريته عندما أقول إنه لون كوميدى متفرد وجذاب للأطفال!

هذه مسألة أذواق مثل الأكل تماما، فأنا مثلا فى صغرى كنت لا أحب اللحم وأنفر منه ولا أطيق شكله فى طبق الخضار، وكانوا يغصبوننى غصبا على أكله، ولم تتحسن علاقتى باللحوم إلا على كبر، فى حين كنت أموت مثلا فى الفاصوليا البيضاء!

على أية حال، كان من حسن حظى أن عملى الأول على المسرح بجوار فؤاد المهندس، ومن هذه التجربة تعلمت الكثير، ومن هذا الأستاذ "شربت" أصول الصنعة، فمنه تعلمت مثلا أن المتفرج الذى يأتى إلى مسرحك هو ضيفك، يجب أن يحصل قبل متعة الفرجة ومعها وبعدها على أفضل خدمة وأعلى ضيافة، ولذلك ينبغى أن يكون المسرح فى أبهى صورة وأتم استعداد لاستقباله، ولذلك كان الأستاذ فؤاد يعتبر نفسه مسئولا عن المسرح كله، وعن العرض كله، بداية من فكرة العرض ومعالجتها، ومن أول بروفة تجده مهتما بكل تفصيلة فيه: النص، الملابس، الديكور، الإضاءة، الصوت، المزيكا، وهو ما جعلنى أغير رأيى فى مسرح القطاع الخاص، فقد كان تصورى وانطباعى عنه قبل العمل فيه أنه يغلُب عليه "اللكلكة"، وصناعه لا يهمهم سوى الربح المادى، لكن فى مسرح فؤاد المهندس وجدت التزاما وانضباطا فاق تصورى وعدّل انطباعى وغيّر رأيى.

وأعترف أننى أخذت فيما بعد هذا الانضباط وهذا الاهتمام تأثرا بفؤاد المهندس ومسرحه، بل وأضفت عليه، فقد كنت أذهب إلى المسرح قبل العرض بأربع ساعات، وأشرف بنفسى على كل شىء بما فى ذلك نظافة الحمامات! 

      (2)

"أنا وهو وهى" كانت حدثا فارقا فى حياتى.. فقد وضعتنى على أول طريق النجاح، وجعلت اسمى يتردد على ألسنة الناس وصفحات الصحف والمجلات لأول مرة، واختصرت لى سنوات من المعاناة والتخبط والبحث عن فرصة، وفوق ذلك فإنها قدمت لى هدايا غالية لا تقدر بثمن.

أولى هذه الهدايا أنها كانت سببا فى اعتراف والدى بى كممثل، فطوال مراحل دراستى من المدرسة إلى الجامعة، وطوال سنوات طويلة من شغفى وجنونى بالتمثيل، فإنه ظل على موقفه الرافض لتلك الهواية، ولم يعترف أبدا أنها يمكن أن تكون مهنة تفتح بيتا وتضمن مستقبلا، فالمستقبل عنده هو الوظيفة الميرى والراتب الحكومى الثابت، وأن يكون لك مكتب تذهب إليه كل صباح، وماعدا ذلك فهو تهريج وقلة قيمة وتضييع للوقت، وكان هذا الرفض يؤرقنى طويلا ويؤلمنى كثيرا، إلى أن حدث الانقلاب العظيم والاعتراف غيرالمنتظر، فقد دخل مرة على مديره فى الشغل وكان بدرجة وكيل وزارة وكان والدى يحترمه ويبجله، وفوجئ والدى بالمدير يسأله فى فضول ممزوج بتقدير بالغ:

- أنت أبو الممثل عادل إمام؟

لحظتها أحس والدى برقبته تطاول السماء، وعاد مبتهجا وفخورا، ومن يومها تغيرت علاقته بى وتبدلت نظرته للفن، بل وافق لأول مرة على أن يزورنى فى المسرح ويشاهد أعمالى ويشجعنى من قلبه.

الهدية الثانية كانت لقاء لم أحلم به مع أم كلثوم.. فمع نجاح المسرحية تلقينا عرضا لتقديم عدة حفلات فى الكويت، وفى الطائرة المتجهة إلى مطار الكويت كنت أجلس فى الدرجة الاقتصادية مع أفراد الفرقة، ووجدت من يهمس فى أذنى:

الأستاذ فؤاد عايزك فى "الفرست كلاس".

واتجهت إلى الدرجة الأولى حيث يجلس فؤاد المهندس، وفوجئت به يطلب منى بسعادة:

-سلم على الست!

ونظرت إلى السيدة التى تجلس بجانبه فلم أتعرف عليها لأول وهلة، ولكنه أنقذنى عندما قال:

 -الست أم كلثوم بتسأل عليك!

-بتسأل عليا أنا!

-يا بختك يا سيدى!

ولم أصدق نفسى أننى فى حضرة أم كلثوم، ولم أستوعب أنها تعرفنى وأنها هى التى طلبت أن ترانى، وبدا لى المشهد غريبا وكدت أفرك عينى لأتأكد مما أرى، كانت أم كلثوم سيدة قصيرة القامة، تبدو على وجهها علامات السن وتقدم العمر، ووقفت أتأملها وأنا أسأل نفسى وأدارى صدمتى:

-هى دى الست الجبارة اللى بتقف على المسرح وتهز العالم العربى كله؟

وطلبت منى أن أجلس، وراحت تسألنى بظرف ولطف، وبهرتنى بذكائها الفطرى ولباقتها وثقافتها وقوة شخصيتها.

كانت أم كلثوم يومها هى سيدة العالم العربى بلا منازع، لها سطوة سياسية تضارع الرؤساء والملوك، ولها سطوة على القلوب أسطورية، ورغم ذلك تكلمت معى ببساطة آسرة جعلتنى أتباسط معها وأقول لها:

- تعرفى إننا بلديات؟

- حقيقى؟ أنت من أى بلد فى المنصورة؟

- تعرفى "شُها"؟

- آه.. غنيت وأنا صغيرة فى "العِب" بتاعكم.

- "عِب" مين؟

- "عِب" يعنى ناحية.. أمال فلاح إزاى!

- أصلى ما عشتش هناك.

- بتنزل البلد سايح يعنى.

- لا يا ست أنا فلاح أبا عن جد.

- طيب يا فلاح إيه بيعجبك من أغنياتى؟

وتدخل فؤاد المهندس فى الحوار وكأنه يريد إنقاذى من ورطة السؤال المحرج وقلقا أن "أعك" وأُغضب الست وقال بطريقة مسرحية:

-كل أغانيكى حلوة يا ثومة.

ولكنى أجبت وكأنى لم أسمعه:

-بحب أغانيكى اللى بيكتبها الأستاذ بيرم.. يا سلام على الغنوة الأخيرة "هو صحيح الهوى غلاب".. تحفة!

سألتنى بفضول:

-واشمعنى بيرم يعنى اللى بيعجبك؟

قلت بحماس:

-أصله جارى فى السيدة زينب.

-بس كده؟       

-وبعدين بموت فى شعره وحافظ له قصايد كتير.

-طب سمعنا حاجة لبيرم.

وتدخل فؤاد المهندس من جديد:

-الطيارة خلاص نازلة المطار.. خلاص يا عادل نبقى نكمل كلامنا لما نوصل الكويت.

وفى المطار وقفت مدهوشا أتأمل منظر الناس وهى تتسابق للسلام على أم كلثوم، لم يدهشنى الاحتفاء العظيم بها، فهى تستحقه وزيادة، فما أثار استغرابى هو أن الجميع كان يُقبل يدها بلهفة وسرور، وكانت المسألة غريبة علىّ، فما كنت أعرفه حتى تلك اللحظة أن الرجل لا يقبل سوى يد أمه.. وجدته!

وحدث أثناء وجودنا فى الكويت أن تلقينا دعوة على العشاء فى السفارة المصرية، كنت أول مرة فى حياتى أدخل سفارة، وأول مرة فى حياتى أحضر عشاء رسميا، ولم أسمع فى حياتى عن قواعد البروتوكول، فقد كنت أعيش الحياة ببساطة بلا قواعد ولا دياولو، ولذلك تسبب هذا الجهل فى مشهد كوميدى لا أنساه، فعندما وصلت إلى مقر السفارة وجدت السفير واقفا على الباب وبجواره أم كلثوم فى المقدمة يستقبلان الضيوف، فسلمت عليهما ووقفت قبل أم كلثوم،  ولم أفهم السر فى تلك النظرات الغريبة المصوبة تجاهى من كل العيون، ولم ينقذنى سوى صديقى المصور الصحفى فاروق إبراهيم، الذى اقترب منى وكأنه يمارس عمله وهمس فى أذنى:

-واقف هنا بتهبب إيه.. ادخل جوه فى الصالون!

وبنفس البساطة تركت مكانى واتجهت إلى الداخل، وكانت أم كلثوم تحاول جاهدة أن تكتم ضحكتها على هذا الفلاح الذى يتعرف لأول مرة على قواعد البروتوكول!

كنت سعيدا لأن أم كلثوم بجلالة قدرها تعرفنى وتطلب مقابلتى وتدير معى حوارا وتسألنى عن نفسى وكأننى أنا النجم.. وهو حلم لم يكن ليصبح واقعا لولا "دسوقى أفندى".

         (3)

ولكن الهدية الأهم كانت أكبر من أحلامى، فلم يكن يخطر على بالى فى تلك الأيام ولا فى الأحلام أن يعرفنى الرئيس عبد الناصر ويشير لى بالتحية والابتسام. 

 وجيلى والأجيال اللاحقة تعرف ما الذى يعنيه اسم جمال عبد الناصر، فنحن الجيل الذى تفتح وعيه على زعامته وعشنا مشروعه وأمنا بتجربته وصدقنا وطنيته وشاركناه حلمه وأصبح لنا بمثابة الأب الروحى.. فأن يقابلك عبد الناصر ويعرفك ويحييك فهى مسألة كانت لحظتها أكبر من استيعابى ولم أملك رد فعل تجاهها سوى البكاء!

الذى حدث أتذكر تفاصيله كأنه وقع هذا الصباح:

كنت يومها فى مصر الجديدة وراجع بيتنا فى الجيزة سيرا على الأقدام لأن جيبى ليس فيه ولا مليم، كنت بمفردى وماشى سرحان، وفجأة لقيت سيارة "سيات" صغيرة تقترب منى، وابتسم لى قائدها ورفع لى يده بالتحية، كان واضحا أنه يعرفنى وأنه يقصد التحية والابتسامة.. وأفقت من شرودى على جمال عبد الناصر، كان يقود سيارته ومعه صديق عمره عبد الحكيم عامر، ويسيران بدون حراسة ولا هيلمان، أنا شفت المنظر ارتبكت ولقيت نفسى أصرخ من الفرح: جمال عبد الناصر!.. ولقيت نفسى أبكى بدون سبب مفهوم.. صحيح أن اسمى وصورتى بدآ يترددان فى الصحف، وصحيح أن عبارة: "بلد شهادات صحيح" التى كنت أرددها فى المسرحية شاعت على ألسنة الناس، لكن ظل السؤال يشغلنى: هل يعرفنى عبد الناصر حقا؟.. الطريف أننى بعد ذلك أصبحت صديقا للدكتور عبد القادر حاتم وزير إعلام وثقافة عبد الناصر، وحكى لى أن عبد الناصر اتصل به مرة يسأله:

- الأولاد عندى بيحبوا الجدع بتاع بلد شهادات صحيح.. هو يقصد إيه بالجملة دى؟

 ولو أتيحت لى فرصة يومها للحديث مع الرئيس لشكرته من قلبى ولأهديت له نجاحى لأنه واحد من أهم أسبابه، فأنا واحد من الناس الذين استفادوا من مجانية التعليم فى عهده، وفاكر فى سنوات دراستى فى كلية الزراعة أننى كنت أحصل على إعفاء كامل من مصاريف الدراسة (24 جنيها) مكافأة لى على تفوقى فى فرق التمثيل، وبعدين شوف النهضة الثقافية والفنية التى حدثت فى عهده، رغم أن المسئولين عنها كانوا ضباطا فى قامة ثروت عكاشة وعبد القادر حاتم.                                                                                                                                  

والمدهش أن هذا اللقاء العجيب مع عبد الناصر فى الشارع الذى دبرته الصدفة لم يكن هو لقائى الأول به، فقبلها بنحو ثمانى سنوات جمعنى به لقاء أغرب.. فقد جلست تحت قدميه وفى يدى سلاح نارى محشو بالطلقات الحية!


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...