عن نادر عبدالله وخمسمائة أغنية من إبداعه أحدثكم

لا شىء يحدث صدفة.. والموسيقى التى تسحرك لا تسبح فى الفضاء بدون أنامل عازف محترف.. والخطوط التى تعدو خلفها مشدوها لا بد من رجال سبق أن مهدوا الطريق لك لتجرى خلفهم.. لا

لا شىء يحدث صدفة.. والموسيقى التى تسحرك لا تسبح فى الفضاء بدون أنامل عازف محترف.. والخطوط التى تعدو خلفها مشدوها لا بد من رجال سبق أن مهدوا الطريق لك لتجرى خلفهم.. لا شىء.. وبالبلدى "مافيش حاجة تيجى كده".. لا بد أن يكون وراء كل شجرة مثمرة فلاح واع صابر عارف، وسماء عظيمة تمطر إذا ما غاض النهر.

هذه سطور لا بد منها.. وأنا أنتهى من سماع أحدث ما غنته الساحرة أنغام.. "لوحة باهتة".. هى لوحة "فاتنة" بالفعل، لكنها ليست "باهتة" على الإطلاق.. فالرجل الذى وضع"باليتة ألوان" هذه الأغنية يعرف ماذا يفعل تماما.. ولأننى تعودت كلما استمعت إلى صورة جميلة أو معنى جديد أو نغمة حادة مفاجئة ومغايرة.. تعودت أن أبحث عن "الصانع".. كان أن اكتشفت أن وراء هذه التحفة شاعرا اسمه "نادر عبدالله"، فابتسمت وأكملت السماع وأنا مطمئن..

"كنت عمرى يا اللى مقصود بالكلام

كنت ضهرى ونفسى ضهرى ما يتقطمش

هوه بالليل ينفع العين تنام

إلا لو يحضنها ويغطيها رمشى؟"..

فتح نادر عبدالله باب التساؤلات ولم يغلق.. هو هكذا يفعلها كل مرة.. وفى كل مرة تصادفنى أغنية جميلة يكتبها هذا الرجل أقول "هنا شاعر جميل".. وأمضى دون أن أتوقف.. هذه المرة اكتشفت أننى استمعت إلى ما يزيد على مائة أغنية جميلة لهذا الشاعر على مدار عشرين سنة ويزيد.. والأغرب أننى اكتشفت أننا لم نتوقف أمامه.. تعجبنا كلماته ونستمتع بها، ونبدى إعجابنا لأصدقائنا ونمضى.. فى كل مرة ومع كل أغنية جديدة له نفعل.. ولم نتوقف أمام شاعر أعتبره ظاهرة مصرية خالصة بعد جيل الرواد، ومن مبدعى الغناء فى مصر.

والغريب أن إنتاج نادر طيلة تلك السنوات يزيد ولا ينقص.. ولم يمتعض الرجل مرة وحيدة من أن ناقدا توقف عند ذلك الإنتاج الذى تجاوز الخمسمائة أغنية وبعضها من ألحانه أيضا.. وكل هذه الأغنيات لعدد من النجوم الكبار بل أكاد أجزم أن تلك الأغنيات أسهمت بقدر كبير فى نجومية هؤلاء الذين نتحدث عنهم.. فهل آن الاوان لأن نقدم اعتذارا لشاعر مصرى يحترم جمهوره وكلمته ولا يسعى سوى لإبداعه الذى يليق به ويستحق أن نحتفى به فى كل لحظة ومع كل أغنية جميلة جديدة؟!

من حارة "الطبلاوى" إلى شارع "البارودى"

نادر عبدالله من مواليد "انتفاضة الخبز".. بالتحديد عام 1977 فى منطقة "الجيارة"، إحدى الضواحى الشعبية بمصر القديمة.. مثل أطفالها عاش سنواته الأولى ما بين ألعاب كرة القدم التى صار واحدا من النابغين فيها، حتى لعب فى ناشئى الأهلى مع إبراهيم عبدالصمد.. وبين محبة "تجويد القرآن الكريم" على يد الشيخ الطبلاوى الذى أخذ عقل الطفل الصغير وعلمه دون أن يدرس أصول "علم النغم".. ولم يبخل الوالد ابن البلد على طفله.. فالأب "غاوى غنا" ومن محبى وردة الجزائرية، والأم تحب فايزة أحمد، والأصدقاء يحبون رشدى وقنديل وأسطوات الغناء الشعبى.

الطفل المتفوق دراسيا وجد نفسه فى إحدى مدراس جاردن سيتى الثانوية، تلك التى منحته حدودا أوسع من براح "مصر القديمة".. وأعطته المدرسين الذين فرحوا بما يكتبه بالفصحى ونصحوه بالتجويد.. وأخذته خطواته الشابة إلى مبنى أخبار اليوم ليلتقى الأستاذ عبدالفتاح البارودى الذى تنبأ له بأنه سيكون شاعرا كبيرا بشروط.. ومنحه فرصة ثلاثة أشهر تعلم فيها العروض.. ومن البارودى إلى المخرج أمالى بهنسى، الذى منحه أول فرصة لكتابة فن الأوبريت.

ولم يكتف صاحبنا الذى صار دارسا للأدب الإنجليزى بجامعة القاهرة، فراح يطوف الاستوديوهات بحثا عن موسيقى ترضيه وتشبع طاقاته، وكانت أغنياته الأولى لمطربين غير معروفين أشهرهم شهاب حسنى.. لكن الأغنية لم تصدر رغم تسجيلها.. ولم ييأس، وجاءته الفرصة مع نساء ثورة 1919 والملحن نادر نور فى أغنيتهما الأولى "وانت معايا".. ومن عامر منيب إلى أنغام وفارس وبعدهما عشرات النجوم.. من إليسا إلى عمرو دياب إلى محمد فؤاد إلى نانسى عجرم وآمال ماهر وشيرين عبدالوهاب.. عدد غير محدود من النجوم وعدد غير محدود من الأغنيات غير محدودة الفكر والجمال.. هذا هو بعض نادر عبدالله.. فهل عرفتموه؟!

"لو تعرفوه

لو يوم يقابلكوا اسألوه

لو يوم شفتوه كلموه

عن ناس هنا بيحبوه

ليه الأيام ياخدوه"..

ملايين القراء يعرفون هذه الأغنية.. ويعرفون أنها أسهمت بقدر كبير فى صنع نجومية إليسا فى مصر والعالم العربى.. الأمر الذى دعاها إلى صنع تحالف شبه دائم مع كلمات نادرعبدالله، وهو الأمر الذى منحه الجرأة ليكتب لها واحدة من أفضل أغنياتها وأكثرها تميزا واختلافا..

"كنا فى أواخر الشتا قبل اللى فات

زى اليومين دول عشنا مع بعض حكايات

أنا كنت لما باحب أتونس معاه

كنت باخد بعضى وأروح له من سكات"..

لا يكتب نادر عبدالله كلمات صعبة كما يبدو للبعض، وهو غير مغرم على الإطلاق بلعبة الهندسة الصوتية أو "التداعى الجمالى للصورة".. غير معنى على الإطلاق بالصور المركبة.. لكنه اعتاد أن يسحب محبيه من منتهى البساطة إلى "قفلة حراقة" سواء بصورة مفاجئة أو بمفردة غير معتادة أو متوقعة، وهذا ما يفعله بأريحية مع شيرين عبدالوهاب.. مثلا..

"أخيرا اتجرأت

أخيرا أنا دلوقت

هاعلى صوتى عليك

هاقولك أنا اتخانقت

وان أنا ما صدقت

أخلص من حبى ليك"..

هذه الجرأة فى الكلام عبر صوت أنثوى هى نفسه التى منحت شيرين صورة المرأة المتمردة.. مثلما منحتها كلمات نادر نفسه فى أغنيات أخرى صورا أخرى متعددة لامرأة شعبية تعانى فى محبتها..

"على مين الملامة

على مين العتاب

ع اللى استنى ياما

واللا على اللى غاب

يا مفارق مسيرك

تتفارق بغيرك

ويتصفى الحساب.. إلخ"..

وهى صورة مغايرة للأنثى ذاتها حين تحب..

"باطمنك يا حبيبى من أولها

سكتنا لو عاندتنا.. هنكملها

دنيتنا لو تعبتنا من عمايلها

بالصبر أنا وانت هنستحملها"..

التمرد مع سميرة.. احتمال وارد

فى سيرة كتبة الغناء المصرى فرسان من عينة مرسى جميل عزيز وسعيد مرسى وعبدالرحيم منصور وحسين السيد.. جميعهم تميزوا بالكتابة للمرأة.. للمطربة الأنثى.. وعدم وجود سيدات شاعرات إلا قليلا لم تجد المرأة العربية صورتها بكل تمايزاتها وتناقضاتها سوى فى أشعار هؤلاء الفرسان.. وظنى أن نادر عبدالله واحد من أبناء هؤلاء الرواد.

وفى الوقت الذى كانت فيه بدايات نادر وسط ما سمى بموجة الندب والبكائيات من ناحية.. منتصف تسعينات القرن الماضى، ولوثة جيل ما بعد حكيم فى الشعبيات.. فإنه من ناحية أخرى، بداية من حسن الأسمر وليس نهاية بالليثى وأعوانه، وجد نادر عبدالله طريقه المختلف حتى عن أبناء جيله وأبرزهم أيمن بهجت قمر وبهاء الدين محمد، وكانت فرصته الحقيقية فى ظنى مع صعود سميرة سعيد..

"احتمال وارد

وجايز من النهارده

أنسى ليه عرفتك زمان

واحتمال وارد كمان

إنى ما انساكش فى حياتى

واحتمال وارد تبطل خوف عليّا

واحتمال ما تجينيش

وأبقى ليك وما تبقاليش

واحتمال انت تهرب منى ليا"..

هذه الاحتمالات المفتوحة والمشاعر المختلفة.. هى الأنثى فى تجلياتها المتعددة والمتنافرة التى تميز نادر عبدالله بالتعبير عنها ببساطة يحسد عليها..

"أنا دنيته بحالها

وحياته كلها

أنا أهله وناسه

وروح قلبه وحبيبته

أنا اللى لو يغلط مسامحة

فى حقها

وأنا اللى لما يغيب عليها

ترد غيبته"..

هى دنيته إذن كما تقول أغنيته لجنات.. وهى بالمناسبة ليست الوحيدة، فجنات منذ بدايتها مع أغنية "اللى بينى وبينك" لحن رحيم الذى صنع لعمرو دياب أولا.. وهما يتعاونان كثيرا.. واستمر تعاونهما حتى ألبوم "جنات" الأخير..

أعود لأقول.. إذن الأنثى هى "الدنيا" التى وجد نادر عبدالله نفسه مشغولا بها.. فكان أن أعطاها من عندياته الكثير.. ويبدو هذا بشكل كبير فيما كتبه ولحنه لأصالة فى "ملهمته الوحيدة"..

"بحب أحس بجد

إنه وانا جنبه دايما مستعد

يستغنى بيا عن الدنيا باللى فيها

بحب أحس بجد

لو قال يوم كلمة حلوة لأى حد

الكلمة ديا يبقى قاصدنى بيها"..

هكذا استحوذت الأنثى بشاعرها تماما.. لكننا نظلم نادر عبدالله لو حصرناه فى أنه شاعر الأنثى كما حدث مع نزار قبانى فى قصائده المتعددة للمرأة. وحتى لا يحدث ذلك فعلينا أن نستعيد أغنياته لعمرو دياب ومحمد فؤاد وفضل شاكر وتامر عاشور وماجد المهندس وغيرهم..

"اللى انت شايفه

يا حبيبى اعمله

اللى انت جاى عشان تقوله

كمله

كده أو كده حكاياتنا

مش هيطولوا

يبقى ليه البعد بينا نأجله".

قد تبدو مشاعر الفراق.. أو لحظة الاقتران.. واحدة عند الرجل والمرأة.. وهذا صحيح إلى حد كبير.. لكن هناك مشاعر خاصة لعشق الرجل لا يقدر على كتابتها سوى شاعر محترف.. وهذا ما يفعله نادر عبدالله مع فضل شاكر نفسه فى أغنية أخرى اسمها من آخرها..

"أنا من آخرها

ما بقيتش أنا

بافتكرها

وعشان خليتنى أنسى

يكتر ألف خيرها

ارتحت منها

وقدرت استغنى عنها

هى هتاخذ زمانها

وزمن غيرها"..

أو هكذا الحال مع تامر حسنى وأغنيته يا بعيد..

"يا بعيد

من بعيد لبعيد

بابعت سلام بالعين

قبل السلام بالإيد

يا بعيد

بادعى بالأوقات

يقصروا المسافات

ويقربوا المواعيد"..

ومن أجمل وأعذب ما كتب نادر عبدالله سواء للرجال أو النساء أغنيته التى لحنها وليد سعد لماجد المهندس.. "هى نموذج" للأغنية الشرقية بتجلياتها البديعة..

"ما لقيتش إلا أنا

يعنى خلاص الدنيا بحالها

ضاقت بيك

مالقيتش إلا أنا اللى تضيعنى

وأنا اللى مليت الدنيا عليك

ما لقيتش إلا أنا".

خمسمائة أغنية ويزيد لا شك أنها تجربة ثرية سواء عبر الأصوات التى شدت بها أو الملحنين الذين ترجموا هذه الكلمات إلى موسيقى وحالات غنائية عبر ما يزيد على ربع قرن.. لا شك نحن أمام شاعر مهم وجب الانتباه إلى تجربته ومناقشتها والوقوف عندها.. وها نحن نفتح باب النقاش ليس إلا.


 	محمد العسيرى

محمد العسيرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...