سيدى الإمام حداد.. مش برضو اسمك فؤاد يا حتة من كبدى؟!

ما ينفعش رمضان يعدى من غير ما نعدى.. نسلم على إيد خير من كلم الناس وعلم الناس تغنى للبنات والولاد سيدى فؤاد حداد.. أول من سحّرنى.. وسحرنى.. وعلمنى أن الكلام حرفة

ما ينفعش رمضان يعدى من غير ما نعدى.. نسلم على إيد خير من كلم الناس وعلم الناس تغنى للبنات والولاد

سيدى فؤاد حداد..

أول من سحّرنى.. وسحرنى.. وعلمنى أن الكلام حرفة ونعمة.. وإيد تطبطب على المسلم والمسيحى فى ليالى سمحة نجومها سبحة.. أول من نبهنى إلى أن "الرجل تدب مطرح ما تحب".. وكنت أظن أن صنعته "مسحراتى فى البلد جوال".. كنت أعتقد مثلما ظن الجميع أنه مجرد رجل يعرف الكتابة والقراءة وفنون الرفع والنصب والمشى على الحبلين.. لكنه أكبر من كل ذلك.. فلا هو بشاعر.. ولا هو بساحر.. ولا هو الإمام الجامع اللى نصلى وراءه فى الجامع كما قال الأبنودى.. هو أكبر من ذلك بكثير..

"يا أسمر.. يا روحى

يا امتداد النيل

الثانية مشيت قد ألفين ميل

على قافية متقدر لها تحميل

ألفين سنة ويفضل كلامى جميل"..

يا ريتنى أعمى أشربك باللمس

ستون عاما مضت والمسحراتى حاضر فى ليالينا.. لا يمل من اللف فى البلد... والدق على طبله.. لا يهدأ.. لا ينام.. ونحن النيام من عام إلى عام.. نتذكره ونترحم ونهتف خلف كل قافية من قوافيه.. سبحان الذى الذى سخر لك كل هذا الجمال.. كل هذه المحبة..

ولا كل من ...فى الضلمة شقّر

طبّل ونقّر... يعرف يسحر

يا مسلمين"..

هكذا أراد فؤاد حداد أن يمتدح رفيق رحلته صلاح جاهين وكأنه يصف نفسه.. ويفسر لنا بعض آياته التى تموج لنا بتفاصيل مدهشة كلما أوغلنا فى البعد.. قدرة عجيبة تلك التى تحملها أشعار فؤاد تدفعنا للسؤال.. والبحث.. والعجب:

"أنا عندى سؤال سفيه

حبينى وفلسفيه

لو ان الدنيا فيها شىء

غير اللى إحنا فيه"..

وبدون فلسفة.. نحن نحب فؤاد حداد.. المسلم.. المسيحى.. الشيوعى.. المصرى.. الشامى.. والد الأدباء.. لأنه باختصار..

"الأولة والأصل والمبدأ

أنا كنت صادق.. والشهيد أصدق"..

وهو شهيد من شهدائها.. أعطاها روحه ونفسه.. وما بقى له من حياة تمنحها حروفه لاسمه عاما بعد عام ويوما بعد يوم..

"الحمد لله رزقنى الفجر بالمواعيد

وبدع فى قلبى وخيالى

ألف وقفة عيد

وشمسى تملا الليالى

ولو مكانها بعيد"..

اسمه فؤاد.. اتولد فى حى الضاهر.. هنا فى القاهرة.. بالقرب من "صرة  البلد".. بالقرب من قلب مصر..

"أنا مصرى من أصل شامى

لا يغتفر احتشامى

هينطلق من حيشانى

صمت الجموع المفرد..

أنا الأديب وأبو الأدبا

اسمى بإذن الله خالد

وشعرى مفرود الرقبة

زى الألف.. ورقم واحد

والساعة 6 فى العتبة"..

هل عرفناه إذن؟.. هو ابن زكية المولودة فى القاهرة عام 1907.. جدها من السريان الكاثوليك.. والدها من عائلة أسود من دمشق.. وأمها من عائلة بولاد من حلب.. والده من بلده اسمها "عبيه" فى لبنان.. مسيحى من أسرة بروتستانتية.. تخرج فى الجامعة الأمريكية ببيروت.. وجاء للقاهرة ليعمل مدرسا بكلية التجارة فى جامعة فؤاد الأول - القاهرة حاليا.. وحصل على البكوية وكان أول عضو فى نقابة التجاريين بمصر.

هل تعنى تلك السطور السابقة شيئا.. أو تفسر شيئا غامضا فى سيرة ذلك الواضح لدرجة الغموض واسمه فؤاد حداد..

"أنا طالب القرب

من وحوى

فى إياحه

قمرة على خدها زغاريد وتفاحة

قالوا تكبر عليك..

أنا قلت بالراحة

دى أبوها سلطان..

لكن البت فلاحة"..

تعلم فؤاد حداد فى مدارس فرنسية.. وقرأ القرآن فى بيت مسيحى.. أحب الأدب العربى من مكتبة والده وأصبح رفيقا للعمال والصنايعية وهو ابن الأكابر.. فهل هذ بكبير على هذه البلاد التى هضمت الشرق والغرب فى "كبد" واحد والفت بين قلوب "العالمين"؟..

"أنا بلدى حرة

بنيت على غصنها عشى

ولقمة الحب بتفطرنى وتعشى

أنا عاوز ابنى يعيش

والظلم ما يعيشى

يا رب يا اللى خلفت لنا البصر واللمس

ولا ترسم الشمس

إلا النور على وشى".

هذا رجل منحه الله من كرمه وأفاض فكان سميرنا.. وسيظل أغنية البلد التى لا تموت.

يا مجمعين الشمل فى الحضرة الزكية

كتب فؤاد حداد ثلاثة وثلاثين ديوانا من الشعر ولم يتعمد أن يكتب أغنية واحدة.. ولم يحدد أيها لرمضان وأيها لغيره من الشهور.. كانت معجزة إبداع هذا الرجل أنه "بحر لا حدود له".. لا يمكن أن تصد أمواجه فى أية لحظة.. ولا طريقة لذلك سواء كنت من مريديه أو منافسيه أو العاجزين عن تفسير أوراده ولياليه.

لم يستطع السجن الذى دخله لأول مرة عام 1953 منعه من الطيران والبهجة والكتابة على سلالم الروح، فكان أن خرجت أولى أغنياته التى نعرفها من قلب الزنزانة ليغنيها محمد حمام ثم يعيد محمد منير غناءها بعد سنوات بلحن أحمد منيب، ويغنيها شباب الجامعات فى مصر وفى معظم أقطار الوطن العربى..

لا انا كنت بره ولا مهاجر

أنا اللى جايلك من باكر

قلبى ولا البحر الهادر

يعنى ولا الجمرة الليلة".

هكذا هو فؤاد حداد الذى كتب من زنزانته فى سجن الوادى الجديد محتفلا بزميله النوبى زكى مراد.. الأسمر العاشق المحب مثله تماما.. كتب يحتفل بعيد ميلاد صاحبه.. فاحتفل بها وغنى لها.. ولنا..

"البنت قالت فستانى

منشور على الشط التانى

خدنى المراكبى وعدانى

ورجعت فى القمرة الليلة"..

وعبرت مصر أحزان هزيمتها فى 56 ومن بعدها فى يونيو 67.. وما بينهما بدأ رحلة المسحراتى الذى أراد له فؤاد حداد أن يتحول من مجرد رجل ينقر على طبله ليوقظ النيام ليحصلوا على "لقمة وشربة ماء" إلى وطنى يصحو ليستعيد روحه ونفسه وانتصاره..

"مسحراتى فى ليالى السماح

منقراتى وطبلتى بجناح

ونغم يلف القلعة والسيدة

والدنيا زى العيلة معيدة

ونغم يلف القنطرة والعريش

اصحى وحد الرزاق

رمضان كريم"..

لم يكن المسحراتى رغم تفرده هو التجلى الوحيد لفؤاد حداد فى سياق الغناء لرمضان.. هو لم يغن لرمضان.. هو استغل تلك الصيغة الفلكلورية لينفذ منها إلى ما هو أهم.. إلى روح الشعر وإلى غايته.. ولذلك لا يمكن فصل تجربة المسحراتى التى تجاوزت المائة حلقة كتبها فؤاد حداد على مدار سنوات متقطعة إلى ديوانيه.. فى نور الخيال.. والخضر الزكية.. وأيضا على جبل الشوق الرمضانى.

وإذا كنا نعرف أن الرجل لم يكن مفتونا بفكرة أن يغنى.. ليس لأنه يكره الغناء لكن لأنه كان يعرف أن كل ما يكتبه يصلح للغناء.. وعلى من يستطيع أن يتعامل مع كل ذلك السحر أن "يتفضل" ويغنى.. وربما لهذا السبب كانت تجاربه الغنائية قليلة رغم كل هذا الزخم والإنتاج الشعري لعمنا فؤاد حداد.. ولم يجرؤ سوى عدد محدود من المطربين والملحنين على الدخول إلى "حلبة فؤاد حداد وحضرته".. فليس كل من يريد يستطيع أن يدخل إلى "حيزه" ويخرج سالما.

في مقدمة هؤلاء الشيخ سيد مكاوى، الذي أتاحت له قدراته الفذة وخبراته الإنسانية في حوارى عابدين والسيدة، وصداقته لصلاح جاهين، وتلمذته على أعمال سيد درويش، أن يتفهم - ببصيرة متقدة بعض أسرار عمنا فؤاد.. فكان أن أنجز بمفرده تلحين ديوانين كاملين قدمتهما الإذاعة المصرية فى أهم فترات نضوجها.. أولهما "نور الخيال" الذى عرفنا من خلاله "الأرض بتتكلم عربى" التى صارت عنوانا يشير إلى بيت عمنا فؤاد الواسع والوسيع..

"طليتى بشعور البنات الحور

يا فجر متكحل بليل مسحور

انتى اللى حنت لك جبال وبحور

الوعد وبياتك فى مشربياتك

ريحة ماورد وجنة يا قاهرة".

كانت تلك التجربة عام 1969 فى ظل احتفال القاهرة بمرور ألف عام على ميلادها.. احتفال حوله فؤاد حداد عبر حنجرة سيد مكاوى إلى استدعاء عاجل لصلاح الدين.. الفارس الذى كانت تحتاجه الأمة فى لحظتها.. لحظة اليأس والإحباط ومحاولة الخروج من الهزيمة..

"الأرض بتتكلم عربى

تقول الله

إن الفجر لمن صلاه

ما تطولش معاك الآه

والأرض بتتكلم عربى"..

حرما يا سيدى.. حرما يا سيدى

وإلى جوار سيد مكاوى.. يقف بليغ حمدى برائعته "يا بلادى" التى قدمها فؤاد حداد لتصبح مقدمة وجزءاً مهماً من فيلم "العمر لحظة" الذى قامت ببطولته ماجدة تخليدا لذكرى معركة بحر البقر.. ورغم محبة بليغ لفؤاد حداد وأشعاره فإنه لم يقترب منه كثيرا.. رغم محاولات مجدى نجيب وعبدالرحيم منصور.. وكذلك فعل عبدالعظيم عويضة الذى قدم له أغانى فيلم "المغنواتى" وبعض الأغنيات الفردية مع كورال الإذاعة، ومنها "فى كل حى ولد عترة" التى أعاد منير غناءها بتوزيع جديد فيما بعد.. وكذلك فعل ياسر عبدالرحمن الذى أعاد تلحين "ما فيش فى الأغانى" لتقدمها حنان ماضى.. بعدما قدمها أحمد اسماعيل وهو أحد أكثر الملحنين والمطربين تقربا واشتباكا مع تجليات فؤاد حداد.. ومعه رفيقى تجربته محمد عزت ووجيه عزيز، ومؤخرا فرقة "اسكندريلا" وعدد من أبناء الفرق المستقلة.. وفى وسط هؤلاء حسين فوزى برائعته "حرما يا سيدى" التى غناها على الحجار..

فى كل عصر وأدان.. الشمس فوق البستان

لم تقتصر سيرة رمضان عند فؤاد حداد على المسحراتى فهو صاحب الخلطة الإنسانية العجيبة.. فإلى جانب المسحراتى والحضرة الذكية هناك ديوان كامل "طيوف الجنة والكوثر" كتبه بالفصحى.. وضمنه 29 قصيدة وكأنها 29 ليلة من ليالى رمضان.. تجلت فيها علاقته الفريدة بالسمو الروحانى الذى يتجسده وعلاقته البديعة بالتاريخ الإسلامى معا..

"يا صراطا أحمدا

فى عناقيد الندى

اتبعت عيناى غصنا

فى نور الأسماء الحسنى

فبدا لى ما بدا"..

وما تبدى لفؤاد حداد لم يتبد لغيره من الشعراء والعارفين..

"رمضان يا شهر الصيام

شهر الكرم دايما

من قبل ما أطالعك

كان طالعك أيمن

أنا الذى هام فى حب

الذى هيمن

سجدت لله

ولفيت البلد".

سجد سيد فؤاد لله.. ولف بنا البلاد.. ولم يتوقف عن "اللف" وسحبنا خلفه على إيقاعه اللاهث فقطع أنفاسنا.. نلاحق أيام الشهر الكريم "ونتوحشه" قبل أن يغادرنا فيما نساؤنا يصنعن "هرم الكعك" كعك العيد.. ولا عيد أجمل من عيد فؤاد حداد..

"قال واحد اتنين تلاتة

واللى كان فى الجرن

كله انفتل وانقتل

وانشال وراح الفرن

عينى على رصة راحت واللا رصة جات

عمال باسحر وانا ماشى ورا الصاجات

اصحى يا نايم.. وحد الدايم

دى ليالى سمحة.. نجومها سبحة.. اصحى يا نايم"..


 	محمد العسيرى

محمد العسيرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...