يحيى حقى.. راعى الفنون والآداب المصرية فـى نصف قرن

لو أن «المصرية» تقاس بالميلاد، فهذا الكاتب «يحيى حقى»، ولد فى مصر، ولو أنها تقاس بالحب، فلا يوجد كاتب فى جيله أحب الثقافة المصرية مثله، وهو الذى تولى رئاسة «مصلحة

لو أن «المصرية» تقاس بالميلاد، فهذا الكاتب «يحيى حقى»، ولد فى مصر، ولو أنها تقاس بالحب، فلا يوجد كاتب فى جيله أحب الثقافة المصرية مثله، وهو الذى تولى رئاسة «مصلحة الفنون» فى خمسينات القرن الماضى، فوضع اللبنات الأولى للأجهزة الثقافية فى مصر، وألغيت «مصلحة الفنون»، ونشأ «المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب»، وظل عطاء «يحيى حقى» كبيراً من خلال مجلة «المجلة» التى ترأس تحريرها لسنوات طويلة، واستطاع من خلالها أن يربى «جيل الستينات الأدبى»، الذى من رموزه «عبدالوهاب الأسوانى» رحمه الله، و«يحيى الطاهر» و«إبراهيم أصلان» و«جمال الغيطانى» و«محمد البساطى» و«خيرى شلبى»، و«محمد روميش» رحمة الله عليهم جميعاً، و«بهاء طاهر» أمد الله فى عمره، وهؤلاء تعلموا من «يحيى حقى»، تعليماً مباشراً، فكان يجلس فى مقر مجلة «المجلة»، ويستقبل الكتاب الشبان آنذاك ويطلب منهم قراءة القصص والقصائد التى كتبوها، ويوضح لهم العيوب الفنية، وينشرها فى أعداد المجلة، وهو الذى اكتشف «دكتور جمال حمدان»، من خلال دعواته التى يوجهها لأساتذة الجامعات، بهدف استكتابهم فى «المجلة»، وكان من الزاهدين فى الكتابة على صفحات المجلة، وكان يمنح الصفحات للشبان من الأدباء والباحثين، وهو أول من كون فرقة فنية لتقديم التراث الشعبى الفنى المصرى، وبالتعاون مع الكاتب «زكريا الحجاوى»، تكونت أول فرقة غنائية موسيقية تضم المطربين والمطربات الذين كانوا يقدمون فنونهم فى الموالد والأفراح الشعبية، ولو توقفنا أمام إبداعه الأدبى، فهو صاحب قصص «دماء وطين» التى كانت الأولى من نوعها، فى تقديم عالم وحياة الصعيد، والكاتب الراحل عرف الصعيد فى أواخر عشرينات القرن الماضى، لما عمل فى وظيفة «معاون إدارة» فى «منفلوط» بمحافظة أسيوط، ومن خلال خبرته كتب القصص التى رصدت حياة الناس فى الصعيد، وكتب قصة «البوسطجى» التى تحولت إلى فيلم من إخراج حسين كمال، وهو صاحب رواية «قنديل أم هاشم» التى كانت مهتمة بتقديم الصراع بين الشرق والغرب، وتحولت إلى فيلم سينمائى، بطولة «سميرة أحمد وشكرى سرحان وعبدالوارث عسر»، ورواية «صح النوم» التى تحولت إلى مسلسل تليفزيونى، و«امرأة ورجل» التى تحولت إلى فيلم سينمائى، وعموماً رغم أنه كان الراعى والداعم للفنون والآداب المصرية طوال نصف القرن الماضى حتى رحيله فى «ديسمبر 1992»، إلا أن أحداً لا يذكره، ولا يذكر دوره الكبير فى التأسيس لفن القصة القصيرة، ودوره فى تربية جيل من الأدباء والباحثين، وسوف يبقى أثر «يحيى حقى» باقياً فى قلوب من أفادوا منه وتعلموا من خبراته رحمه الله، الذى كان «تركى العرق»، مصرى الهوى.

البوسطجى.. قصة الصراع بين «الأفندى» و«الصعيدى» الفقير

فيلم «البوسطجى»، كتب قصته الكاتب الرائد الراحل «يحيى حقى»، وكانت تلك القصة من أوائل الأعمال الأدبية التى رسمت صورة لحيوات الفقراء فى الصعيد فى سنوات ما قبل ثورة 23 يوليو 1952، وهى «الثورة» التى قامت بتعديل خريطة توزيع الثروة فى مصر، فوزعت الأراضى الزراعية على الفلاحين، وقضت على طبقة «الأرستقراطية الزراعية» التى كانت تعيش على عرق الفلاحين، دون أن تعرف شيئاً عن حياة الفلاحين فى القرى والعزب والكفور والنجوع، لكن ثورة يوليو، قامت منذ أيامها الأولى بمصادرة الأراضى التى كان يملكها أفراد أسرة «محمد على»، وقررت إنشاء مدارس ووحدات صحية فى القرى التى كانت محرومة من الصحة والتعليم، وفى العام 1962 قررت ثورة يوليو أن يكون التعليم مجانياً فى جميع مراحله، والواقع الاجتماعى المحزن للقرية الصعيدية فى سنوات العشرينات والثلاثينات من القرن الماضى، رآه «يحيى حقى» بعينه وتألم له، فكتب قصة «البوسطجى»، التى تدور أحداثها فى قرية من قرى «منفلوط» فى محافظة أسيوط، والبطل فيها «أفندى» قاهرى، تم نقله من القاهرة إلى مكتب بريد القرية التى تدور بها الأحداث، وهناك فوجئ بنقص الخدمات، فلم يجد المسكن الأهلى أو الحكومى المناسب، الأمر الذى أخضعه لعمدة القرية الذى يملك بيتاً فى القرية يؤجره للموظفين الوافدين للعمل فى مكتب البريد ومحطة السكة الحديد، و«عباس» وهذا اسم الافندى كان يحب اللهو ويسهر فى «شارع عماد الدين»، ولكن القرية التى انتقل إليها لا توفر له المناخ الذى يهواه، ويقرر أن يخوض حرباً ضد القرية، ويقرر الاطلاع على «الخطابات» المرسلة من الأهالى، والقادمة من القاهرة والإسكندرية إليهم من ذويهم، ويكتشف من خلال قراءاته المختلسة، حكاية حب نشأت بين «جميلة» و«خليل»، ولا يستطيع فعل شىء، لأن الحب أثمر فى بطنها ثمرة محرمة جعلت والدها يقتلها، وهى أول فتاة تخرج من «كوم النحل» لتتعلم فى مدرسة الأمريكان فى أسيوط، والفيلم تم تصويره فى الأماكن الطبيعية، وقدم القهر الذى كان «الصعيدى الفقير» يعانى منه، على كافة المستويات، فهو محروم من المتع التى كانت متاحة لأبناء المدن، ومحروم من «المعرفة»، ومحروم من «حق الحياة»، فالثأر هو القانون السائد الذى يجعل الناس يقتل بعضهم بعضاً، وقدم فيلم «البوسطجى» صورة لحياة الفلاحين القاسية، من خلال مشهد نفوق «الجاموسة» الذى رسم صورة معبرة عن «الفقر»، فالجاموسة فى هذه المناطق الفلاحية الفقيرة، مصدر الحياة، ومصدر الإنفاق على الأسرة التى تبيع لبنها وسمنها ونتاجها «الفحل» لتوسع على نفسها وتشترى طعامها، وكثيرة هى المشاهد التى رسمت حياة الناس فى الصعيد، وهذا ما جعل فيلم «البوسطجى» من أهم الأفلام التى رسمت بصدق حياة الناس فى الصعيد، ورغم بعض الأخطاء التى وردت فى الحوار، مثل «الكفور»، فالصعيد ليس به «كفر»، بل فيه «نجع»، وعدم ضبط اللهجة الصعيدية على ألسنة بعض الممثلين «سيف الدين الذى قام بدور خليل»، والاستعانة بخطاب من ديوان «جوابات حراجى القط» للشاعر الأبنودى، دون الإشارة إليه، لكن هذه الأخطاء الصغيرة، لا تقلل من قيمة الفيلم، فهو من أهم الأفلام التى قدمت صورة صادقة لمجتمع الصعيد فى سنوات ما قبل ثورة 23 يوليو.

الغازية وناظر المحطة والعمدة فى خيال صبرى موسى

الكاتب القصصى والروائى صبرى موسى، ليس من أبناء الصعيد، ولكنه مثقف، أعجبته قصة «البوسطجى» فجعلها على هيئة «سيناريو»، أعجب به «حسين كمال» فجعله فيلماً اسمه «البوسطجى»، ومن الشخصيات الجميلة فى سيناريو صبرى موسى شخصية «الغازية» الراقصة، التى قدمتها الفنانة «سهير المرشدى»، التى هى ليست من الصعيد، لكنها أجادت فى التعبير عن «ناعسة» الغجرية التى تحترف الرقص فى الموالد والأفراح، فى مجتمع «بدوى» يحرم على نساء «العربان» الخروج لغير الضرورة، ويحرم عليها كشف بدنها وتفاصيله لغير زوجها، و«الغجر» يقومون بهذا الدور فى الصعيد منذ مئات، بل آلاف السنين، و«سهير المرشدى» متعها الله بالصحة والعافية، نجحت فى رسم صورة الراقصة الغجرية بما لديها من موهبة وإمكانات ثقافية، فهى فنانة كبيرة من فنانات المسرح المصرى، والفنان «إسكندر منسى»، قدم شخصية ناظر المحطة بنجاح وبراعة أيضاً، و«عبدالغنى قمر» الذى اختاره «حسين كمال» لتقديم شخصية العمدة، هضم الشخصية وقدمها بكل ملامحها، ولو تأملنا الصفة المشتركة بين هؤلاء الفنانين الثلاثة الكبار، سوف نجدها فى كلمة «مسرح»، فالثلاثة تخرجوا فى مدرسة المسرح المصرى التى تعلم الممثل معنى الإحساس بالشخصية وأبعادها النفسية والجسمية والاجتماعية، وفى اعتقادى أن هؤلاء الفنانين كانوا سر نجاح «البوسطجى» الساحق.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مايان السيد مرشحة لفيلم على ربيع الجديد

رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.

تأجيل تحضيرات فيلم أحمد بحر الجديد

توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.

نانسى عجرم تتعاون مع عزيز الشافعى فى «نانسى 12»

بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...

بداية ونهاية.. أمينة رزق رسمت شخصية الأرملة الحائرة باقتدارٍ وصدق

فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...