عام 1992 وبينما كانت الفنانة سهير البابلى تلعب دور البطولة فى مسرحية عطية الإرهابية من إخراج الفنان جلال الشرقاوى فاجأت الجميع بارتداء الحجاب واعتزال الفن. واختلفت
عام 1992 وبينما كانت الفنانة سهير البابلى تلعب دور البطولة فى مسرحية عطية الإرهابية من إخراج الفنان جلال الشرقاوى فاجأت الجميع بارتداء الحجاب واعتزال الفن. واختلفت الأسباب التى تداولها المسرحيون فى ذلك الوقت، ولكن النتيجة أنها اعتزلت الفن وهى تلعب دور البطولة على خشبة المسرح فى عرض كان ناجحاً وحقق إقبالاً جماهيرياً كبيراً، كان اعتزالها صدمة كبيرة فى الوسط الفنى رغم أنها لم تكن الحالة الأولى، لكن موهبة سهير البابلى وبراعتها فى الأداء الكوميدى ليس فقط فى المسرح ولكن ما حققته فى السينما والدراما التليفزيونية وأيضاً الدراما الإذاعية جعل الجميع يشعر بأن الفن قد خسر موهبة كبيرة.
عدد كبير من الفنانين برعوا فى الأداء الكوميدى والتراجيدى ولكن تميز سهير البابلى ليس فقط للجمع بين الاتجاهين ولكن لمزج الأداء الكوميدى والدرامى فى نفس المشهد، كانت سهير البابلى تستطيع أن تخدع المشاهد وتجمع بين الضحك والبكاء فى جملة واحد، وربما المشهد الذى شاركت فيه الفنانة شادية فى مسرحية ريا وسكينة وهما تبكيان وتتخيلان المحاكمة وتدافعان عن نفسيهما أمام القاضى، وبشكل عام دور سكينة فى مسرحية «ريا وسكينة» من إخراج حسين كمال يجسد ويبرز قدراتها الأدائية فى المزج بين الأداء الكوميدى والدرامى، ففى كل أدوارها لديها القدرة على التنقل بين المضحك والمأساوى دون افتعال، وكأنها تجمع فى طبيعتها بين الاتجاهين بالإضافة إلى وجهها الذى يحمل ملامح مصرية خالصة، لون البشرة والنظرة الساخرة.
ولدت سهير حلمى إبراهيم فى 14 فبراير 1937 فى مركز فارسكور بمحافظة دمياط، لكنها نشأت فى مدينة المنصورة، حيث كان والدها مدرساً لمادة الرياضيات ومديراً لمدرسة المنصورة الثانوية وبدأت مشوارها الفنى حين التحقت بالمعهد العالى للفنون المسرحية، وفى نفس الوقت التحقت بمعهد الموسيقى وتألقت فى العديد من الأعمال الفنية فى المسرح والسينما والدراما التليفزيونية، وظنى أن ما ساعد على تطوير موهبة هذه الفنانة ليس فقط الدراسة ولكن أيضاً حبها للقراءة والوعى بقيمة المعرفة، ولذلك حين اعتزلت الفن وهى على القمة، اعتزلت فى صمت، ورغم عودتها فى مسلسل تليفزيونى إلا أن صورتها الأولى كانت وما زالت طاغية، حيث أدت مجموعة من الأدوار لن ينساها المشاهد، سواء من خلال الثنائى السينمائى المدهش مع الفنان فؤاد المهندس فى أفلام من كلاسيكيات السينما المصرية مثل «أخطر رجل فى العالم» و«جناب السفير» وأعمال أخرى.
فى كل أدوارها المختلفة كانت سهير البابلى تضع شخصيتها فى الدور وكأنها تعيد كتابته أو قل تعيد صياغة الدور وفقاُ لقدراتها الأدائية ووفقاً لرؤيتها للعالم، وظنى أن دور بكيزة هانم الدرملى فى مسلسل بكيزة وزغلول نموذج حى لطغيان شخصيتها على الدور المكتوب، ولا يمكن تخيل فنانة أخرى تؤدى هذا الدور للهانم التى فقدت عرشها وكل عناصر القوة من سلطة ومال ومركز اجتماعى وتعيش فى فقر مدقع مع ابنة زوجها الساذجة زغلول ورغم هذا لا تصدق أنها فقدت أى شىء، ومن هذه المفارقة كان الدور المدهش الذى أدته سهير البابلى والأمثلة عديدة.
ونأتى للجانب الأهم فى مشوار سهير البابلى وهو المسرح، وبالتحديد المسرح السياسى الذى انحازت له أو قل انحاز لها، ومنها «ع الرصيف - عطية الإرهابية - العالمة باشا - نص أنا ونص انتى»، بالإضافة إلى مسرحية «الدخول بالملابس الرسمية» ومن قبل «مدرسة المشاغبين»، بالإضافة إلى «سليمان الحلبى» والدور الأهم مسرحياً فى حياتها سكينة فى عرض «ريا وسكينة».
وأعمال سهير البابلى فى المسرح صعبة ومتميز وكل دور يجسد حالة من حالات التغيير الاجتماعى والسياسى فى مصر فى حقبة ما، فعلى سبيل المثال دورها فى «مدرسة المشاغبين» مدرّسة الفلسفة التى تواجه التحول الذى حدث فى المجتمع المصرى من خلال مجموعة من الطلاب يجسد كل منهم صورة من صور التغيير الذى شهدته حقبة السبعينات من خلال تبدل قيم المجتمع حين استعار على سالم الفيلم الأمريكى الذى قدمه سيدنى بواتيه «مع تحياتى لأستاذى العزيز» ليستلهم منه هذه المسرحية التى أثارت جدلاً كبيراً بين مؤيد ومعارض لهذا الاتجاه حال تقديمها.
وفى مسرحية «الدخول بالملابس الرسمية» تأليف بهيج إسماعيل وإخراج السيد راضى يطرح النموذج المناسب بل والضرورى لمرحلة السبعينات والذى لا يمكن قراءته بعيداً عن رد الفعل على سياسة الانفتاح الاقتصادى، حيث تجسد القصة تجليات انفتاح السداح مداح، وتحول المجتمع المصرى، وتغيير الشخصية المصرية، والذى أدى خلال سنوات قليلة إلى فقدان الهوية المصرية، وهى كوميديا اجتماعية فى بنيتها السطحية تناقش قضية الأرملة الثرية نشوى «سهير البابلى» التى ترغب فى المتعة ولكن حين تحول المهندس «ممتاز» من عالم إلى طباخ (لا يمكن قراءته إلا على أنه تحول من أستاذ منتج للعلم ونموذج فاعل فى المجتمع إلى كائن استهلاكى فقد هويته ومبادئه وأصبح مستغلاً ووصولياً)، ترك زوجته وتزوج من الهانم «نشوى» السيدة الثرية، الأرملة التى ترغب بدورها فى المتعة حيث تعلن عن طلب مساعد طباخ بمؤهل عال ومثقف وهى تضمر الزواج منه أى تُضمر شراء رجل من السوق! ثم تأتى زوجته لتعمل مع الهانم، ويصبح الزوج موزعاً بين الزوجتين القديمة الأصيلة، والحديثة الثرية وكأنه موزع بين زمنين، بين هويته وبين عالم المال والثراء السريع الذى جاء على حساب المبادئ، والعرض يقرأ الشعب المصرى وحاله فى تلك الفترة 1979 وتحول المجتمع المصرى، وتغير الشخصية المصرية، ويمكن أن نقرأ أكثر من دلالة فى هذا العرض منها سفر عدد كبير من المصريين إلى الخليج، والعمل بالخدمة هناك رغم الشهادات التى أصبحت بلا قيمة، وبالفعل كانت تلك الفترة بداية احتقار الشهادات العلمية والتعليم، الذى أصبح بعد ذلك مثار سخرية البعض. ودون شك لا يمكن أن نقرأ الحمل الكاذب، الحمل الوهمى للسيدة الثرية على أنه مجرد حدث طبى بل يتجاوز عيادة طبيب النساء إلى الشارع المصرى الذى أصبح كل شىء فيه وهمياً، وما الطفل الوهمى إلا رمز للمستقبل الوهمى أيضاً، فلم يعد هناك مستقبل حين فقد ممتاز شخصيته وأصبح مجرد مستهلك لزوجة ثرية! كما فقدت الشخصية المصرية ملامحها فى تلك الفترة فقدوا كل شىء ولم يستطع ممتاز الرجوع بعد أن تخلى عن هويته، فكانت مسرحية الدخول بالملابس الرسمية، الدخول بملابس الرأسمالية المتوحشة! أى الدخول بالملابس الوهمية، التنكرية، سمِّها ما شئت، لكنها الملابس التى تدل على فقدان الهوية، وقد استطاعت سهير البابلى أداء هذه الشخصية المركبة والمحورية فى نص بهيج إسماعيل ببراعة شديدة، وفى هذا العرض بدت انحيازات سهير البابلى واضحة فى رؤيتها لدور المسرح فى المجتمع.
ثم جاءت مسرحية «ع الرصيف»، من تأليف نهاد جاد وإخراج جلال الشرقاوى، حدثاً مسرحياً كبيراً حين عرضت للمرة الأولى فى مايو 1987 وشاركها البطولة الفنان حسن عابدين وأحمد بدير وحسن حسنى وفؤاد خليل ووفاء مكى وعايدة فهمى وسلوى محمد على وأدت سهير البابلى دور «صفية» مدرسة اللغة العربية مع زوجها «عبدالصبور» الفنان حسن حسنى وهو يعمل بالسياسية ولا يخلو هذا من دلالة، حيث تسافر معه للعمل فى الكويت وجمع المال (شعار تلك المرحلة)، وحين تعود تجد زوجها السياسى قد تزوج من امرأة أخرى بعد أن سطا على ثمن غربتها بل وهدم منزل الزوجية لبناء عش الزوجية الجديد فلا تجد حلاً سوى الحياة فى الشارع على الرصيف أمام منزلها القديم على أمل الحصول على حقوقها، وتلتقى «كمال» المستشار الذى أدى دوره الفنان حسن عابدين ويساعدها لاسترداد حقوقها وحقها فى الحياة، والعرض يجسد فساد الحياة السياسية فى ذلك الوقت فى صورة صارخة.
رحلت الفنانة سهير البابلى صباح الأحد 21 نوفمبر 2021 عن عمر ناهز ما يقرب من 84 عاماً وظنى رغم تعدد أدوارها فى السينما والدراما سواء التليفزيونية أو الإذاعية سيبقى ما قدمته من عروض مسرحية علامة فارقة فى تاريخها الفنى وسيقى تميزها وانحيازها للمسرح السياسى نقطة مضيئة فى مشوارها الفنى، وعلامة على تميزها ووعيها السياسى والاجتماعى قبل الوعى الفنى بدور المسرح فى المجتمع.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.
توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.
بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...
فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...