من بين طوفان كلمات العزاء والرثاء التى قيلت فى وداع الفنان سمير غانم، توقفت عند تلك الجملة التى كتبها شاعرنا الكبير جمال بخيت، والتى كانت على قصرها وشاعريتها الأكثر
من بين طوفان كلمات العزاء والرثاء التى قيلت فى وداع الفنان سمير غانم، توقفت عند تلك الجملة التى كتبها شاعرنا الكبير جمال بخيت، والتى كانت على قصرها وشاعريتها الأكثر تعبيرا والأصدق وصفا لهذا الفنان الاستثنائى الذى جاء إلى الدنيا لكى يُسعد ناسها ويرحل: "باب للسعادة اتقفل اسمه سمير غانم".
فعلا وحقا وصدقا كان بابا للسعادة، أو بتعبير أستاذنا الفنان التشكيلى الكبير حلمى التونى: "اتخلق علشان يسعد الناس زى الورد والحلويات"!
ولذلك لا تشغل بالك بتصنيف سمير غانم ولا نوع الكوميديا التى يقدمها، هو نفسه لم يشغل نفسه يوما بما يكتبه النقاد فى تحليل أعماله، ولا فيما تحمله من رسائل وأفكار، ولا فى عمقها وقيمتها الفنية، لأن كل ما يشغله فى كل مرة يقف فيها أمام كاميرا أو فوق خشبة المسرح أن يمنح جمهوره جرعة من السعادة، إن الضحكة هى شاغله وهدفه ومبتغاه، وهو مستعد فى سبيلها أن يفعل كل شىء ويوظف كل ما يملكه من أسلحة وموهبة وخيال، فإذا ما انتزع ضحكة من قلبك فلا شىء يهم!
هو نفسه كان يستمتع بتلك الحالة، كعازف موهوب تسكره الموسيقى، فيتسلطن ويبدع وينتشى ويستمتع، تماما كسامعه بل يزيد.
وفى سبيل هدفه: إمتاع جمهوره وإضحاكه، وإمتاع نفسه بما يقدمه، فهو لا يلتزم بنص ولا سيناريو ولا قيد، إنه ـ على حد وصف الشاعر الجميل إبراهيم عبد الفتاح ـ التجلى الحقيقى للخروج عن النص والارتجال الحر داخل إطار الشخصية الدرامية التى يلعبها مع كامل الالتزام بمسارها.. فيكفيه أن يعرف من أين يبدأ وإلى أين ينتهى ثم اترك له حرية اختيار الطريق، وسيصل إلى حيث شئت تماما ولكن بطريقته، فهو فنان لا يؤمن بالحلول المألوفة والمتاحة، ودائم البحث عن حل مغاير ومباغت بل ويدهشك!
على مستوى الأداء والتقييم، نحن أمام حالة مدهشة وعصية على التصنيف، وتحلق وحدها فى منطقة خاصة غير مسبوقة ولا ملحوقة.
وبحسابات الأرقام والإنجازات يمكننا أن نقول بثقة إنه الوحيد الذى ينافس أسطورة الكوميديا إسماعيل ياسين صاحب الأرقام القياسية، والذى تفوق عدد أعماله الأربعمائة بين سينمائية ومسرحية، ولا يدانيه إلا سمير غانم برقم يصل إلى 314 عملا فنيا طيلة مسيرة تزيد على 60 عاما.
لكن فى حالة سمير غانم، فإننا أمام تفرد وتنوع غير مسبوق، ونجاحات كاملة فى كل مجالات الإبداع التى سبقه إليها نجوم الكوميديا فى السينما والمسرح والدراما التليفزيونية والأداء الغنائى والاسكتشات والتقليد، ولكنه يتفوق فى مجالين آخرين، حقق فيهما بصمة خاصة ومكانة متميزة لم يصل إليها غيره.
(1)
أولهما: الفوازير، التى كان أول من قدمها على شاشة التليفزيون المصرى فى بداياته بمشاركة ثلاثى أضواء المسرح مع رفيقيه جورج سيدهم والضيف أحمد، ومن إبداع الشاعر الكبير حسين السيد والمخرج الرائد محمد سالم، ثم قدمها منفردا بعدها بسنوات طويلة فى الفوازير التى حملت اسم الشخصية الكرتونية التى سحرت عقول الصغار والكبار فارتبطوا بها وعشقوها وحقق بها من النجاح ما جعله نجم الفوازير الأول والأشهر والمنافس الرجالى الوحيد لأسطورتى الفوازير نيللى وشريهان.
فى شهر رمضان عام 1982 ولد "فطوطة" تلك الشخصية الخيالية التى أداها سمير غانم بطريقته الفذة، وبأداء حركى وصوتى وجسدى وشكلى ساحر وملفت، ومع لمسات ملك الفوازير فهمى عبد الحميد وابتكاراته الإخراجية حقق "فطوطة" ـ بقامته القصيرة وبدلته الخضراء الواسعة ورابطة عنقه الهائلة وحذائه الأصفر الضخم وباروكة شعره الكثيف وطريقة نطقه العجيبة وخفة دمه التلقائية ـ نجاحا جماهيريا يفوق الوصف، جعل منها شخصية شعبية ذائعة الصيت، ومن بطلها سمير غانم.. شارلى شابلن المصرى!
واستثمارا لهذا النجاح الهائل قدم "فطوطة" لثلاثة مواسم متتالية.. لتصنع من سمير غانم نجم الفوازير الأول، وكان هو الوحيد من نجوم الكوميديا المؤهل لتقديم هذا الفن الصعب، بما يملكه من موهبة شاملة فى التمثيل والغناء والاستعراض والحضور.. وكان يمكنه أن يقدم مواسم متتابعة من تلك الشخصية المحبوبة لولا الوفاة المفاجئة للأب الروحى للفوازير ومخرجها الأسطورى فهمى عبد الحميد (عام 1990)، بدليل أن سمير غانم قدم بعدها طبعات مختلفة من الفوازير مع مخرجين غيره، مثلما فعل مع المخرج الكبير محمد عبد العزيز فى فوازير "المتزوجون فى التاريخ" عام 1993، ومع المخرج هانى لاشين فى "المضحكون" سنة 1997، لكن حالة الانسجام والكيمياء التى ربطت سمير مع فهمى عبد الحميد كانت مؤثرة ولم تتكرر مع مخرج آخر، فبقيت فوازير "فطوطة" فارقة فى تاريخ هذا الفن وشاهدة على موهبة سمير غانم المتفردة، بدليل أن كثيرا من النجوم حاولوا تقديمها (يحيى الفخرانى ومدحت صالح مثلا) ولكن تجربة سمير غانم تظل هى الأكثر شهرة ونجاحا وتأثيرا وبقاء فى الوجدان المصرى.
(2)
البصمة الخاصة الأخرى التى تفرد بها سمير غانم بين نجوم الكوميديا كانت فى تقديم البرامج، وكثيرون قد يدهشهم هذا الجانب من سيرته: سمير غانم مذيعا!
وهنا أتوقف بشكل خاص عند تجربته فى تقديم البرامج على شاشة التليفزيون المصرى بمشاركة المذيعة المعروفة فريال صالح، ففى سنوات الثمانينيات قدم ثلاثة برامج وكلها من إخراج المخرج القدير جمال المغازى، ومن إعداد الكاتب والمحاور مفيد فوزى، وهى "شىء يحير" و"المسرح الأبيض" و"نجوم ع الهوا" وجرى تصويرها فى ستديو 10 بالتليفزيون (ولا أعرف لماذا لم يخرج هذا الكنز المدفون فى مكتبة التليفزيون)، وكل برنامج كان عبارة عن 15 حلقة، وكان أجر سمير فى الحلقة لا يزيد على 200 جنيه فقط، ورغم ذلك كان شديد الحماس للتجربة وأضاف الكثير وصنع شكلا متفردا للبرامج التليفزيونية، وكانت له ابتكارات مدهشة وأفكار غريبة كسر بها الشكل التقليدى للبرامج فى ذلك الوقت.
يحكى لى مخرجها القدير جميل المغازى مثلا: فى يوم جاءنى سمير وقال لى إن لديه فكرة جديدة يبدأ بها الحلقة، ولما سمعتها منه لأول مرة بدت لى فكرة مجنونة وغير مسبوقة على الشاشة، لكنى لما فكرت فيها وجدتها مختلفة وجذابة وتليق بسمير غانم وطريقته، وكانت فكرته أن يدخل الاستديو وهو يركب حمارا، وفعلا استأجرنا حمارا ليدخل به الاستديو، ومن المواقف الطريفة التى أذكرها أننى فوجئت أن أجرى فى الميزانية لا يزيد على 118 جنيها، فغضبت وفى لحظة انفعال كتبت طلبا لوزير الإعلام وقتها السيد صفوت الشريف أطلب منه مساواتى بأجر الحمار الذى يركبه سمير فى بداية الحلقة، وكان إيجار الحمار 15 جنيها بالإضافة إلى 10 جنيهات بدل "برسيم" و10 جنيهات لمدربه، وتضايق وزير الإعلام من الطلب وأمرنى بسحبه فسحبته!
ويضيف المغازى: ورغم أن مفيد فوزى كان يكتب "اسكريبت" للحلقة، لكن سمير دائما كان يخرج عن النص ويفاجئنا بمثل تلك الأفكار المجنونة، يعنى مرة فوجئت به ومعه كلب ضخم و"طاولة"، وقعد الكلب أمامه وكأنه يلعب معه "عشرة طاولة".. وكنا نستضيف فى هذه البرامج نجوم الفن والكرة أيامها، وفى حلقة كان من ضيوفها الملك فريد شوقى نسى سمير الأسئلة والاسكريبت وعاش مع فريد شوقى وكأنه فى جلسة أصحاب، حتى أنه أقنعه بأن يغنى أغنية "والله زمان زمان والله" التى غناها فى فيلم "بداية ونهاية"، واتفق معه أنه عندما "يلكزه" فى جنبه خلسة يبدأ فريد فى الغناء، ولم يشعر فريد باللكزة فإذا بسمير يكشف المستور ويحكى الاتفاق، فوقع فريد على الأرض من الضحك ثم غنى الأغنية بعدها كأجمل ما يكون تحية لسمير.. وطوال الحلقة وخروجا عن النص قعد سمير يفكره بمواقف خاصة حدثت بينهما بحكم العشرة والصداقة، فحكى سمير مثلا أنه كان مع فريد مرة فى لبنان وتواطأ مع أصدقاء لبنانيين على افتعال خناقة ليورطوا فريد شوقى فى "عركة" ليروا وحش الشاشة وهو يضرب الأشرار كما يفعل فى أفلامه، لكنهم فوجئوا أن وحش الشاشة على الشاشة فقط، أما فى الحقيقة فهو من أطيب وأجبن خلق الله.. وأذكر أن فريد شوقى كان من المتعاطفين مع دلال عبد العزيز الممثلة الشابة وقتها التى تحب سمير غانم وتسعى للزواج منه وتحاول من خلال المقربين منه إقناعه بالعدول عن عزوبيته الطويلة.. وفاكر أن دلال صورت معنا فى البرنامج لما عرفت أن سمير سيكون هو المذيع، وبعد أربع سنين من السعى ورائه فى كل حتة تزوجها سمير ونحن نصور برنامج "نجوم على الهوا" (سنة 1984).
ومن المواقف الإنسانية التى لا تنسى يحكى المغازى: مرة كان ضيفنا نجم نادى الزمالك القديم الكابتن عبده نصحى، وقبل التصوير عرفنا منه أن ابنته على وشك الزواج ولا يستطيع تجهيزها وظروفه المالية تعطل زواجها، وتعاطفنا معه واتفقت مع سمير أن نمنحه جائزة المسابقة التى نجريها بين ضيوف البرنامج، وحاول سمير أن "يوالس" معه لكن فوجئ أن الكابتن عبده نصحى يقدم إجابات خاطئة على كل الأسئلة، وقلبها سمير إلى "تهريج" وفعل ما لا يخطر على بال حتى يكسب عبده نصحى الجائزة، وكانت عبارة عن "غرفة نوم" ثمنها 11 ألف جنيه، وظهرت مشكلة طريفة، فالكابتن عبده ليس معه ما يكفى من نقود لتوصيل الغرفة إلى بيته، وروحنا نبحث عن سيارة موبيليا تقوم بالمهمة، وهنا ظهر "روسيتى" صاحب محل موبيليا وكان من أصدقائنا، وعرض أن يستبدل الغرفة بثلاثة (نوم وسفرة وأنتريه) ويوصلها لبيت عبده نصحى.. وكدنا نطير من السعادة أنا وسمير لأننا ساعدنا كابتن الزمالك فى تجهيز ابنته.
ومن المفاجآت السارة لسمير غانم وقت تصويره لتجربته مع تقديم البرامج أغنية "مانا مانا"، وهى أغنية شعبية إيطالية الأصل اشتهرت بعدما جرى تقديمها فى البرنامج العالمى "مابيت شو"، وقرر سمير غانم إعجابا باللحن أن يغنيه بعد تركيب كلمات عربية عليه، واستعان بشاعر من أصدقائه كتب: سلامو عليكوا.. أنا راجل مش بنام.. نفسى مرة أنام.. بقى لى سنة مش بنام.. مانا مانا".
وغناها سمير لأول مرة فى واحد من تلك البرامج التى شارك فى تقديمها وصورها جميل المغازى قبل أن يصدرها سمير ضمن ألبوم غنائى يحمل اسم الأغنية نفسها، صدر فى عام 1983 متضمنا تسع أغنيات أخرى بينها أغنيته فى رثاء رفيق رحلته الضيف أحمد، والتى كتب كلماتها الشاعر عصام عبد الله ولحنها محمد هلال، وشارك فى صناعة ألبوم سمير الأول شاعر بقيمة حسين السيد وملحن بموهبة خالد الأمير.
ويمكننا من جديد أن نقول إن سمير غانم بتجاربه الغنائية فى الفوازير وفى أعماله المسرحية ("أخويا هايص وأنا لايص" و"دو رى مى فاصوليا" مثلا) ومسلسلاته التليفزيونية ("كابتن جودة " مثلا") هو صاحب التجربة الغنائية الأهم بين نجوم الكوميديا بعد إسماعيل ياسين.
(3)
أما "المرتجل الأعظم" فهى الصفة التى ينفرد بها سمير غانم فى تاريخ الكوميديا المصرية ونجومها، فقد كان يمتلك من الخيال الجامح وسرعة البديهة والرشاقة الذهنية المتجددة ما يجعله يضيف لكل دور لعبه أو شخصية أداها، بل لو راجعت أفلامه التى تصنف فى قائمة سينما المقاولات ستكتشف أنك ـ على تواضع مستواها وبلاهتها أحيانا ـ تستمتع بحضور سمير غانم، فيكفى ظهوره على الشاشة لكى تشعر بقدر غامر من السعادة، هو وحده مصدرها.. حيث لا نص ولا إخراج ولا فيلم!
لم يكن سمير غانم يخجل أبدا من وصفه بالمهرج، بل يراها مهمة شديدة النبل والإنسانية أن يرسم ابتسامة على شفاه الناس ويمنحهم لحظة سعادة ولو خاطفة.
لذلك سيظل سمير غانم هو الابتسامة العابرة للأجيال.. وسيظل بابا للسعادة.. والمضحكاتى الذى أسعد الناس زى الورد وزى الحلويات!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.
توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.
بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...
فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...