رحيل الفنان المبدع محمود رضا لم يكن مفاجئاً للقريبين منه، بل كان متوقعاً ومنتظراً وطبيعياً، فالرجل أنهكه العمر والمرض، ولم يغادر بيته طيلة العامين الماضيين، بل قُل لم
رحيل الفنان المبدع محمود رضا لم يكن مفاجئاً للقريبين منه، بل كان متوقعاً ومنتظراً وطبيعياً، فالرجل أنهكه العمر والمرض، ولم يغادر بيته طيلة العامين الماضيين، بل قُل لم يغادر سريره، ولم يكن مسموحاً لأحد أن يراه سوى أسرته فقط (وبالأخص زوجته روشكا وابنته شيرين) بالإضافة إلى الطاقم الطبى المتابع لحالته الصحية..
موعده الأخير مع الحياة والناس كان قبل نحو ثلاث سنوات، حيث كان أسعد أيامه هو ذلك اليوم الذى تجتمع فيه «فرقة رضا» فى بيت فريدة فهمى، وكان الكبار الباقون من الجيل الأول للفرقة يتفقون على موعد شهرى يلتقون فيه على شرف زميلتهم الفنانة «نيفين رامز» أحد أعمدة الفرقة وكانت حينها فى صراعها غير المتكافئ مع مرضها وفى مقاومة الوحش الذى ينهش جسدها، وكنوع من دعمها والتخفيف عنها كان يُعقد هذا اللقاء.. كل واحد يأتى بطعامه وشرابه، تخفيفاً عن صاحبة البيت، «فريدة فهمى»، التى لا تسمح ظروفها الصحية هى الأخرى بالقيام بواجبات الضيافة..
(1)
فى تلك اللقاءات كان محمود رضا يتألق رغم الوهن الذى أصاب جسده وذاكرته، فمع الأحباب الذين يذكرونه بأيامه المجيدة ونجاحاته الأسطورية وزمن الشباب، كان يستعيد ألقه ويسترد ذاكرته.. وابتسامته، ويدب فيه الحماس ويتذكر معهم مواقف وحكايات وسفريات.. فتعلو الضحكات، ويعيش معهم أحلى الأوقات.
ثم جاء رحيل نيفين رامز ليطفئ مصدر سعادته الكبير.. ويقطع عليه رقصته الأخيرة مع الحياة..
يعرف القريبون من محمود رضا مدى الألم الذى عاشته أسرته فى العامين الأخيرين، فقد تدهورت صحته بشكل مفاجئ، وفقد وزنه وحركته وحيويته، وهو الذى كان مضرب الأمثال فى اللياقة والرشاقة والحيوية.. ورغم ذلك كان وجوده - مجرد وجوده - يرضيهم ويكفيهم ونعمة يحمدون الله عليها كل صباح..
ولم يكن هذا الإحساس قاصراً على أسرته وحدها، فوجود محمود رضا - مجرد وجوده - كان يعنى الكثير أيضاً لخمسة أجيال على الأقل بات الرجل جزءًا مهماً وأصيلاً من وجدانها وتاريخها الشخصى والعام، وهو ما يفسر حالة الحزن العام التى صاحبت خبر رحيله، وحالة الرثاء العام على مواقع التواصل الاجتماعى، وكأن كل واحد فينا كان يرثى قطعة عزيزة من روحه وتاريخه..
كان السباق مدهشاً وغريباً، ذلك الذى حدث بعد الإعلان عن خبر رحيل محمود رضا، لساعات طويلة بعدها كان كل واحد يحكى عن محمود رضا الذى يخصه، كان هناك من حكى عن ولعه برقص محمود رضا عندما شاهده مع فرقة رضا على المسرح فعاد إلى بيته وجاء بعصا والده الصعيدى وراح يقلد حركات هذا الراقص الساحر كما رآها على المسرح.. وكانت هناك من حكت عن السحر الذى مسها عندما شاهدت- وهى طفلة لم تزل- فيلم «إجازة نص السنة» على شاشة التليفزيون لأول مرة، فتمنت فى لحظتها أن تدخل إلى شاشة تليفزيون الأبيض والأسود وترقص مع محمود رضا وفرقته..
وهناك من اعترفت بأن محمود رضا كان هو فتى أحلام كل شلتها من بنات الجامعة، وتمنت أن يتوقف الزمن عند صورته القديمة بكل ما كان يشع منها ومنه من سحر ووسامة وشباب وجاذبية..
سرادق الحنين تجاوز الحدود وشارك فيه عرب كان محمود رضا بالنسبة لهم رمزاً على زمان عظيم.. كانت لهم فيه أوطان وبيوت، وكتب هذا العراقى بدموعه: كنا نشاهد أفلام فرقة رضا فى بيوتنا فنكاد نرقص معهم بتلك الحركات المصرية، حيث لم تكن تفصلنا لغة ولا مسافات ولا تقسيمات عقيمة.. وحين كان الفن لغة عابرة للحدود..
كان كل واحد يودع فى محمود رضا حلمه القديم الجميل.. وكان الفن الشعبى يودع هو الآخر «أبوه الروحى».. حيث صار بعده يتيماً..
لم يكن محمود رضا مجرد راقص.. بل هو الراقص الذى شارك فى صنع وجدان أُمُة.. وفى تشكيل الهوية المصرية.
ولأهمية هذه التجربة وتفردها أرى من واجبى التنبيه إلى أهمية جمع وحفظ تراث محمود رضا وما تركه من صور وأوراق ووثائق (والفنان الراحل كان مغرماً بالتصوير ويوثق كل حدث بكاميرته).. وأكشف هنا أن الفنان الراحل كان قد باع شقة كان يمتلكها فى شارع قصر العينى رغبة منه - وبدافع إنساني- فى تأمين مستقبل زوجته اليوغسلافية «روشكا» أو كما يسميها المصريون «روزا».. وكانت الشقة متخمة بالملابس والصور والأوراق والتسجيلات التى تخص محمود رضا وتاريخه.. ويتردد أن أحد تلاميذه من راقصى الفرقة والذى كان وسيطاً فى صفقة البيع استولى عليها.. وهذا كنز ينبغى التحرى عنه واستعادته وإيداعه لدى جهة تعرف قيمته كالمركز القومى للمسرح والفنون الشعبية..
(2)
قضيت نحواً من خمس سنوات أبحث عن سر فرقة رضا وأجمع وثائقها وتاريخها وأوثق هذه التجربة المتفردة، وكان من حسن حظى أننى استطعت الوصول إلى الجيل الأول للفرقة.. الجيل المؤسس.. وسمعت الحكايات من نبعها الأصلى: محمود رضا، فريدة فهمى، نبيل مبروك، محاسن حسن، أحمد عثمان.. وغيرهم من الآباء المؤسسين.. الذين ولدت الفرقة على أيديهم، وعاشوا الحلم لحظة بلحظة، بإخفاقاته وتعثراته ونجاحاته.. حتى بانت الحقيقة وأصبحنا نمتلك أشهر فرقة للرقص فى العالم العربى..
نعم، الفرقة هى جهد جماعى، لكن محمود رضا يظل هو صاحب اليد العليا، وصاحب النصيب الأكبر من «أسهم النجاح»..
وعندما نستعيد ما قدمه محمود رضا فلا بد أن تتوقف مدهوشاً أمام هذا الشاب الذى آمن بحلمه، وسعى إليه ولم يفقد الثقة لحظة فى موهبته ولم يتنازل أبداً عن كرامته.. وبعزم لا يقدر عليه إلا أصحاب الرسالات انتصر على كل المعوقات والمطبات والمشكلات والأزمات التى بدت فى لحظة مستعصية وغير قابلة للحل..
والحق أن ملامح محمود رضا، التى هى إلى شكل الخواجات أقرب، تظلمه بشدة، وتعطى انطباعاً خاطئاً عن شخصيته، فقد كان الرجل طوال عمره يفتخر أنه من مواليد السيدة زينب، وتربى فى هذا الحى الشعبى العريق وتشرب طباع وعادات أولاد البلد.. وفيه ومنه عشق الرقص عندما شاهده فى الموالد والأفراح ودور السينما التى كان يزخر بها هذا الحى الشعبى..
هناك انطباع خاطئ آخر يستحق التصحيح الوجوبى كذلك، وهو أن اتجاه محمود رضا للرقص لم يكن عن فشل دراسى أو تفكك أسرى، بل العكس هو الصحيح، فقد نشأ فى أسرة (ناجحة) بكل المقاييس الاجتماعية والعلمية، ولم يكن الرقص سوى هواية تحولت إلى رسالة بل أصبحت هى الحياة بالنسبة له، وهى نقطة حرص محمود رضا أن يوضحها فى مذكراته التى حملت عنوان (الرقص حياتى) فكتب - «لم تكن هوايتى أو هواية أخى على للرقص بسبب خلل فى النظام العائلى أو تفكك أسرى أو غير ذلك بل على العكس، فوالدى المرحوم الأستاذ محمد رضا كان عالماً متبحراً فى الدين وله مؤلفات دينية عظيمة.. وكان يعمل أميناً لمكتبة جامعة القاهرة (فؤاد الأول وقتها)».
وحسب ما حكاه محمود رضا فى مذكراته الممتعة فإنه نشأ فى أسرة مصرية صميمة عاشت فى حى السيدة زينب، وكان ترتيبه الخامس بين ستة من الأشقاء الذكور والثامن فى الترتيب العام إذا ما أضيفت الشقيقات الأربع، ورغم ذلك كانوا على درجة عالية من العلم والثقافة والمكانة الوظيفية، فالشقيق الأكبر (أحمد) درس القانون فى جامعات باريس وشغل منصب مستشار قانونى بمجلس الدولة، و(حسين) وصل لمنصب مدير شئون العاملين فى المصانع الحربية، و(مصطفى) كان ضابط لاسلكى بهيئة قناة السويس، والشقيق الرابع (على) هو المخرج السينمائى المعروف، و(محمود) تخرج فى كلية التجارة بجامعة القاهرة وعمل محاسباً فى شركة (شل) للبترول، وأصغرهم (صلاح) كان ضابطاً فى القوات البحرية قبل أن يستقيل ليدرس الموسيقى ويتخرج فى (الكونسرفتوار) ويعمل أستاذاً للموسيقى فى جامعات الكويت.. أضف إلى ذلك أربع شقيقات كن على درجة من التعليم والثقافة.
ومن بين الأشقاء العشرة تميز محمود بحبه الكبير للرقص، فكان فعلاً الرقص هو حياته..
(3)
ولا جدال فى أن محمود رضا هو صاحب فكرة إنشاء الفرقة ويظل نجمها وراقصها الأول وصانع مجدها.. ومحمود رضا المولود فى حى السيدة زينب فى 18 مارس 1930 فتنه الرقص من صغره، كان معلمه الأول هو شقيقه الأكبر (على) وكان محمود الصغير يجلس بشغف ليتابع حركات شقيقه وهو يرقص ببراعة كل الرقصات المودرن أو ما كان يُعرف وقتها برقص الصالونات مثل التانجو والتويست والرومبا.. وتضاعف الشغف وهو يجلس أمام شاشة السينما يتابع بانبهار الرقصات فى الأفلام الأمريكية الاستعراضية..
حكى محمود رضا عن تلك البدايات: «حكايتى مع الرقص بدأت فى الأربعينات وأنا صبى صغير، فقد عشقت الرقص الاستعراضى وكنت أحرص على مشاهدته فى السينما، وأتابع أخبار نجوم هوليوود من مشاهير الراقصين وخاصة (فريد استير) و(جين كيلى) وتعلمت الرقص الاستعراضى من مشاهدة الأفلام وتقليد حركات الراقصين، فكنت أذهب لمشاهدة الفيلم الواحد كل يوم وفى أكثر من حفلة وأجلس فى نفس الكرسى لأشاهد الفيلم يمكن 30 مرة طوال فترة عرضه وأراقب خطوات الراقصين وكأنى أذاكر درساً وأحفظها عن ظهر قلب، وفور أن أخرج من السينما كنت أختار (ركن) هادئاً فى الشارع وأقوم بالرقص وتأدية نفس الحركات التى شاهدتها وحفظتها من الفيلم».
ومن فرط غرامه بالرقص ذهب ليمارس رياضة الجمباز لتجعل جسده أكثر مرونة وفى منتهى اللياقة البدنية، وبرع فى الجمباز حتى إنه مثّل مصر بمسابقات الجمباز فى الدورة الأولمبية التى أقيمت فى هلسنكى عام 1952.. كما وجد وقتاً ليتعلم رقص الباليه الكلاسيكى فى أهم معاهد الرقص بالقاهرة.. ووقتاً ليحضر عروض كل فرق الرقص العالمية التى تزور القاهرة وبينها (البولشوى) و(موسييف) أشهر فرقتين للرقص فى روسيا..
وجاءته الفرصة ليثبت موهبته فى الرقص ويتحدد مصيره، يحكى محمود رضا: «فى سنة 1954 جاءت إلى مصر فرقة رقص أرجنتينية (اسمها «آلاريا») وذهبت لمشاهدتها وبهرونى بقدراتهم وإمكانياتهم العالية جداً، ونجحت فى التعرف عليهم بعد العرض مباشرة، فأخبرونى بحاجتهم إلى راقص، قلت: فليكن أنا، قالوا: لازم نختبرك الأول، وفعلاً اختبرونى ونجحت ونلت إعجابهم، واشتغلت معهم فى عروضهم التى قدموها فى القاهرة والإسكندرية، وتألقت معهم فتمسكوا بى وأصروا على أن أسافر معهم فى جولتهم القادمة إلى روما وباريس.
قعدت معهم حوالى ثلاثة شهور، كنت مبسوط بالتجربة، وبالفلوس التى أكسبها، لكن ظل سؤال يطاردنى ويقلقنى: طيب فين مصر من الموضوع ده؟.. فأنا أقدم رقصات من الفلكلور الأرجنتينى، طيب فين الرقص المصرى والفلكلور المصرى.. لماذا لا تكون لدينا فرقة رقص شعبى مصرية مثلهم.. وفى رسائلى التى كنت أكتبها إلى أصدقائى فى مصر كان السؤال يشغلنى وأفضفض معهم وأحلم معهم بصوت عال: فين الرقص الشعبى المصرى؟.. وقررت أن أحزم حقائبى وأعود إلى مصر لتحقيق حلمى».
عاد محمود إلى القاهرة ليكون على موعد مع الحب والرقص.. فى نادى هليوليدو وجد نفسه أمام فتاة أحلامه: جميلة، بسيطة، مغرمة بالفن وطالبة بكلية الفنون الجميلة.. كان هو ما زال طالباً بكلية التجارة فى جامعة القاهرة، ووجد قدماه تقودانه إلى بيت والدها الأستاذ الجامعى يطلب يدها، وفوجئ بترحيبه، وبعد تخرجه بشهور وجد وظيفة فى شركة (شل) للبترول، وبعد حفل زواج عائلى بسيط أخذ عروسه من يدها وسافر بها إلى بور فؤاد حيث مقر عمله الجديد..
وجاهد محمود بإصرار لينتقل إلى القاهرة حتى يكون بجوار حلمه الكبير: الرقص، كان حلمه أكبر من مجرد تكوين فرقة من هواة الرقص تقدم عروضها فى الحفلات الشهرية للنادى (كوّن فرقة بالفعل من 5 فتيات و5 شبان وشارك فى الفرقة الراقصة الفنان والممثل الكبير فيما بعد أسامة عباس)، وأكبر من بطولة أوبريت استعراضى يشبع فيه نهمه للرقص، فبحكم صداقة متينة تجمعه بالصحفى الشاب محمد حقى وجد نفسه فى مكتب عمه الأديب الكبير يحى حقى رئيس مصلحة الفنون ليوقع عقد بطولة أوبريت (يا ليل يا عين) من إنتاج المصلحة، ورغم أنه تعامل فيه مع مخرج بقيمة زكى طليمات وموسيقار بقامة عبدالحليم نويرة، ونجمة بسحر نعيمة عاكف، ورغم أنه تولى بنفسه تصميم كل رقصات واستعراضات الأوبريت، ورغم ما حققه من نجاح لفت إليه الأنظار فإنه لم يشبع أحلامه المفرطة فى الطموح..
لكن نجاحه فى تقديم (يا ليل يا عين) فى موسم 1956/1957 أوحى له بفكرة تكوين أول فرقة للفنون الشعبية تابعة لوزارة الإرشاد القومى (الوزارة المختصة حينها بشئون الثقافة والإعلام) فعرض الفكرة على وزيرها حينها فتحى رضوان ولكن الروتين الحكومى وحيل الموظفين حال بينه وبين تحقيق حلمه..
لم يطل إحباط محمود رضا، بعدما تنبه سريعاً إلى أنه ليس فى حاجة إلى الحكومة ولا وزارة الإرشاد.. وأن لديه فرصة عظيمة لإنشاء أول فرقة رقص شعبى خاصة فى مصر..
(4)
ومن رحم تلك الأزمات والإحباطات ولدت (فرقة رضا).
لم يكن وحده النجاح الكبير الذى حققه أوبريت (يا ليل يا عين) والاستقبال الجماهيرى الحافل للرقص الشعبى هو الدافع والحافز وراء إصرار محمود رضا على إنشاء فرقة للفنون الشعبية، فقد كانت هناك تجربة أخرى فى الفترة نفسها (1957) ضاعفت هذا الإصرار وزادته اتقاداً..
ففى ذلك العام تلقى محمود رضا تكليفاً بالمشاركة فى مسابقة الرقص الشعبى التى ستقام فى مهرجان الشباب بموسكو، وكوّن محمود رضا فرقة من الشباب هواة الرقص عن طريق استمارات ومسابقة نظمها مجلس رعاية الشباب، وفى موسكو فوجئ محمود رضا بأن الفرق العالمية المشاركة على درجة عالية من الاحتراف وتتوفر لها من الإمكانيات ما يفوق فرقته، لكنه لم يفقد الثقة وقرر أن يوجه كل طاقته ويوظف إمكانياته المحدودة فى تقديم رقصة واحدة من الفلكلور المصرى، واختار (نبيّن زين)، وفوجئ باستقبال حافل وتصفيق متواصل من الجمهور الروسى، وطالبوه بتقديم المزيد من تلك الرقصات المصرية المبهرة فى حركاتها وموسيقاها وأزيائها، واعتذر محمود رضا بأن الفرقة لم تجهز سوى هذه الرقصة، ورغم ذلك فاز بالمركز الثالث والميدالية البرونزية وشهادات تقدير تحمل توقيع رئيس لجنة التحكيم الراقص الروسى الأسطورة (إيجور موسييف).
لم يغب تصفيق الجمهور الروسى عن خاطر محمود رضا حتى بعد أن عاد إلى مصر، فقد كان دليلاً عملياً وقاطعاً بأن الفن الشعبى المصرى (كنز) لم يُكتشف بعد، وبمزيد من التدريب والبحث والإدارة العلمية يمكن أن يصنع فرقة للرقص تبهر الدنيا، وإذا كانت وزارة الثقافة ووزيرها قد استكثر أن يُنشئ تلك الفرقة الحلم حتى لا يدفع للراقص عشرة جنيهات مرتباً شهرياً، فليتحمل هو التكاليف والتبعات مهما كانت العقبات.
محمود رضا يحكى عن (معركة) تأسيس أول فرقة للرقص الشعبى فى مصر:
«لم يستغرق الأمر وقتاً حتى أحصل على موافقة بالإجماع على الفكرة، كان طبيعياً ومنطقياً أن يوافق شقيقى (على) فوراً، فهو يعشق الرقص وهو الذى علمنى دروسه الأولى، لكن المفاجأة كانت فى حماس (حمايا) د.حسن فهمى أستاذ الجامعة المرموق بكلية الهندسة، فرغم حساسية وضعه الوظيفى والاجتماعى إلا أنه وافق على الفكرة وشجعها بل ووافق على انضمام ابنته الصغرى (فريدة) لتكون راقصة الفرقة الأولى وابنته الكبرى (نديدة) لتكون مصممة أزياء الفرقة، وتولى مع (على) مخرج الفرقة ومديرها الفنى بعض المسئوليات الإدارية..
وأصبح د.حسن فهمى هو الأب الروحى للفرقة، احتضن المشروع وتعامل معه بجدية كأنه رسالة دكتوراه يشرف عليها لتلميذ عزيز لديه، ولم يكتف بالتوجيه والدعم النفسى، كان مستعداً لأن يفعل أى شىء من أجل نجاح المشروع، فتنازل لنا عن فيلته فى مصر الجديدة ووافق أن نجرى فيها تعديلات جذرية لنحولها إلى صالة رقص تتسع لبروفات الفرقة..
لكن الموضوع لم يكن سهلاً وميسراً كما تظن، كان أمامنا عقبات ومشكلات صعبة، أصعبها بالنسبة لى هى نظرة الناس للرقص. لاحظ أننا نتحدث عن المجتمع المصرى فى سنوات الخمسينات، وقتها كانت كلمة رقص سيئة السمعة، ولما تسمعها كانت أذهان الناس تروح فوراً للكباريهات ورقص (هز البطن)، وكنت لما تحب تشتم رجلاً وتحط من قدره تقول عليه (رقاص)!
نظرة الناس للرقص كانت متدنية جداً و(وحشة قوى)، ولذلك أشفقت على (حمايا) د.حسن فهمى لما وافق على أن ترقص ابنته، ففى مجتمع (محافظ) كمجتمعنا وقتها كان من المتوقع أن يتعرض الرجل للانتقاد والهجوم، ووصل الأمر إلى الجامعة، وتعالت الأصوات الغاضبة: إزاى مربى أجيال يسمح لابنته أن تكون (راقصة)؟.. ولما زاد الضغط عليه بعد تكوين الفرقة وتوالى حفلاتها كتب تقريراً مطولاً إلى عميد كلية الهندسة يشرح له فيه أن الفرقة تقدم فنا شعبياً مصرياً رفيعاً وأن ابنته لا تقدم (هز بطن) بل رقصات تعبر عن الثقافة المصرية والهوية المصرية، وأنهى تقريره العظيم بوضع استقالته بين يدى العميد، فقط طالبه وكل أساتذة الجامعة والعاملين فيها أن يحضر حفلاً للفرقة ويشاهدوا ما تقدمه من رقصات ويحكموا بأنفسهم.
ووقتها حصل تعاطف شديد مع د.حسن وكتب كبار الكتاب يدافعون عنه ويدعمون موقفه، وبعضهم مثل مصطفى أمين وأحمد بهاء الدين وأنيس منصور انتقدوا موقف إدارة الجامعة، وجاء أساتذة الجامعة وقياداتها لتلبية الدعوة وشاهدوا رقصاتنا.. وصفقوا لنا بحرارة.
وحتى نغيّر نظرة المجتمع للرقص ونحسن سمعته القديمة كنت حريصاً على أن أختار راقصى الفرقة من طلاب الجامعة وخريجيها، متوازياً مع المعايير المهنية مثل اللياقة البدنية العالية، أحمد عثمان مثلاً كان صحفياً ومتخرجاً من كلية الآداب.. نبيل مبروك كان فى كلية الحقوق، وأما الراقصات فكان الأمر أكثر صعوبة، وكنا نغض الطرف عن تلك المعايير فى البداية، كفاية إننا نلاقى بنت تتحدى التقاليد وتشتغل (راقصة) فى فرقة فنون شعبية، لكن بعد كده بدأنا ندقق فى معايير الاختيار.
لم تكن التقاليد القديمة وحدها هى العقبة أمام تأسيس الفرقة، كانت هناك الصعوبات المالية كذلك، فلم يكن لدينا مصادر للإنفاق، وجرى تمويل الفرقة عند تأسيسها بالجهود الذاتية، وكنت وقتها موظفاً فى شركة (شل) ومرتبى يصل إلى 40 جنيهاًً، وتقريبا كنت أنفقه كمرتبات لأعضاء الفرقة الـ(14) وكانوا 7 راقصين و7 راقصات، وجميعهم كان متحمساً للفكرة والمشروع ولا يبحث عن المكسب، كل عضو كان يتقاضى 5 جنيهات لا غير، يعنى يا دوب بدل مواصلات ومصاريف شخصية..
أحب هنا أقول إنه عند تأسيس الفرقة كنت عايز أسميها فرقة (الفنون الشعبية المصرية) لكن محمد عثمان السينارست والكاتب السينمائى والذى كتب سيناريوهات الأفلام التى شاركت الفرقة فى بطولتها فيما بعد، وكان صديقاً لشقيقى على اقترح أن يكون اسمها (فرقة رضا)، وكان من وجهة نظره أن اسم الفرقة يجب أن يكون مباشراً وجذاباً وأشهر فرقة رقص فى روسيا تحمل اسم مؤسسها (موسييف) والفرق المسرحية عندنا كانت تحمل اسم أصحابها مثل الريحانى والكسار وسلامة حجازى، فلماذا لا تكون فرقتنا كذلك، واعترضت بشدة، وكان من بين أهم أسباب اعتراضى أن هناك عائلة أخرى شريكة فى الفرقة هى عائلة فهمى، فهناك فريدة ونديدة وحسن فهمى، وبعد مجادلات وصلنا لحل وسط وهو أن يكون اسمها (فرقة رضا للفنون الشعبية).
وبعد شهور من التدريب الشاق قررنا أن نستأجر مسرحاً ونقدم عروضنا للناس، ورحنا للمسئولين فى وزارة الإرشاد ليؤجروا لنا مسرحاً من مسارح الدولة، قالوا لنا لازم الوزير يشوف العرض ويوافق عليه، ولأن مقام الوزير لا يسمح أن يشاهد عرضاً فى مسرح أقل من دار الأوبرا (الملكية القديمة) فكان معنى ذلك أن ندفع مبلغاً وقدره كإيجار للمسرح، وبعد وقت من المماطلة تكرموا علينا بمسرح صغير هو (مسرح الأزبكية)، وطلبوا 11 جنيهاًً إيجاراً فى الليلة.
عملنا حملة دعاية، وقررنا أن تكون ليلة الافتتاح فى 6 أغسطس 1959، ولأن الفرقة لم تكن معروفة جماهيرياً، يعنى لا أحد سيذهب ليقطع تذكرة من أجل محمود رضا وفريدة فهمى ولا شوية شباب (بيرقصوا)، ولذلك بناء على خبرة (على رضا) فى التسويق والدعاية ونصيحة من د.حسن فهمى رأينا أن نستعين بأسماء معروفة (نبيع بها)، ولذلك تصدرت أفيشات الدعاية فى حفلاتنا الأولى أسماء نجموم معروفين مثل كارم محمود وشهرزاد و(الثلاثى المرح)، فبقت الناس عاوزة تشوف كارم محمود مطربهم المحبوب وما الذى سيفعله مع فرقة للرقص الشعبى.
أسعار التذاكر كانت تتراوح من 15 إلى 20 قرشاً، وكان الإقبال الجماهيرى أكبر بكثير مما توقعنا، والصالة كانت (كامل العدد)، ولا أنسى بعد حفل الافتتاح وتصفيق الجمهور لنا أن سالت دموع د.حسن فهمى فى الكواليس، وراح يحتضننا بشعور أبوى غامر ويهنئنا من وسط انفعاله ودموع فرحه: مبروك يا أولاد، وكأنه كان فى اختبار شخصى صعب ونجح فيه.
كنا قد اتفقنا مع وزارة الثقافة على أن نستأجر مسرح الأزبكية لمدة عشرة أيام، ومع النجاح الكبير للعروض وافقوا على تمديد الإيجار لشهر كامل، وبدأت الناس تحس بالفرقة بعد أن كتب عنا كبار الصحفيين، وكان أكبر نجاح لنا فى رأيى أن جمهورنا أصبح فيه عائلات كاملة، كان الرجل يأتى بزوجته وبناته وأولاده ليتفرج على رقصاتنا وهو متأكد أننا نقدم فناً محترماً لا ابتذال فيه ولا إسفاف، وكتب إحسان عبدالقدوس بأنه عندما شاهد فريدة فهمى ترقص أحس أنها ابنته أو أخته، وليس فى رقصات الفرقة ما يدعو للخجل.
بدأت أمور الفرقة تتحسن من عائد الحفلات وإيرادات الشباك، وقفز مرتب الراقص إلى 15 جنيهاًً، واتفقنا على تقديم حفلات فى الإسكندرية، وسافرنا لنعرض فى مسرح (محمد عبدالوهاب) فى شهر سبتمبر، وفى عز هذا النجاح تلقينا أول صدمة وأفدحها، ماتت زوجتى (نديدة) ونحن فى الإسكندرية، قهرها المرض (القلب) وهى فى عز شبابها..
اشتغلنا سنتين فى نجاح متواصل، وبدأت الناس تأتى للفرقة نفسها بدون عوامل مساعدة زى كارم محمود وشهرزاد، وكان من حسن حظنا - وحسن حظه أيضاً- أن عثرنا على مطرب شاب كان معروفاً فى أوساط الهواة، وأصبح من نجوم الأغنية الشعبية، وعملنا له أغانى خاصة مع الفرقة.. وأقصد بالقطع محمد العزبى الذى ظل مطرب الفرقة لسنوات طويلة وارتبط اسمه بها.
ولما أقول عملنا له أغانى فإن الحديث يذهب مباشرة إلى مايسترو الفرقة وملحنها الموسيقار على إسماعيل.. لما أسسنا الفرقة صممت الرقصات الأولى على (طبلة)، كنت أقول للطبال عايز إيقاع مصمودى أو مقسوم وأبنى الحركات، لكن لقيت الموضوع صعب ونتيجته غير مرضية وكان لازم نستعين بموسيقار متخصص، وعرّفنى على رضا بصديق له قال لى إنه ملحن وموزع شاطر، ومن يومها بقى على إسماعيل من أعمدة الفرقة.
وتخطى نجاحنا الحدود وتلقينا عرضا للسفر إلى ألمانيا عام 1961، واتفقنا على أن نقدم عروضنا فى 17 مدينة خلال 20 يوماً، وكان العقد يعطينا النسبة الأكبر من إيراد الحفلات، وهو أمر جعلنى مطمئناً إلى النواحى المادية وأننا سنعود من ألمانيا سعداء، لكن سيناريو آخر كان فى انتظارنا، صحيح أننا حصلنا على إيراد الشباك ولكنه لم يكفِ لدفع نفقات الإقامة، فوجئنا أن المسرح تابع لاتحاد الطلاب، وأن سعر التذكرة لا يزيد عن واحد (مارك) «العملة الألمانية قبل اليورو»، يعنى ملاليم، ورجعنا مديونين وحصلت لنا أزمة مادية كادت تهدد استمرار الفرقة.
وفى يوم لقيت تليفون من وزير الإرشاد د.عبدالقادر حاتم، وعرفت منه أن المكالمة بناءً على توجيه من الرئيس عبدالناصر، وأنه سمع بالمشاكل المالية التى تمر بها الفرقة وطلب مساعدتنا فى حلها، وأنه يعرض علينا الانضمام لفرق مسرح التليفزيون التى كان قد أنشأها فى ذلك الوقت، بما معناه أن نصبح فرقة حكومية وتتولى الدولة الإنفاق علينا.
لم يكن سراً بالنسبة لى إعجاب الرئيس عبدالناصر بفرقة رضا، وكان يعتبرها فرقة تعبر عن الهوية الوطنية من خلال الرقصات الشعبية المصرية الخالصة، وكان الرئيس معجباً بشكل خاص برقصة (أولاد على بمبة) وهى رقصة لها جذورها الضاربة فى الفلكلور المصرى.. ولعبدالناصر معنا قصص وحكايات تستحق أن تروى..
المهم أنه بناءً على توجيهاته أصبحنا أول فرقة رقص تابعة للحكومة!
(5)
ما زال محمود رضا يروى قصة «تأميم» فرقة رضا:
كان الكلام الذى ردده د.عبدالقادر حاتم وزير الإرشاد مطمئناً: عاوزكم تفضلوا فنانين زى ما أنتم، عاوزكم فنانين مش موظفين»، وكان (التأميم) له فوائد وإيجابيات لا تُنكر، فقد قفز راتب الراقص فى الفرقة من 15 إلى 35 جنيهاًً، فضلاً عن أنه راتب ثابت ومضمون ولا يتأخر يوماً، كما أن إمكانيات الدولة سمحت بزيادة عدد الراقصين فى الفرقة، فقفز من 7 راقصين و7 راقصات إلى نحو 80 راقصاً وراقصة، وارتفع عدد أفراد الفرقة الموسيقية التى كان يقودها الموسيقار على إسماعيل من 12 إلى 100 عازف ووفرت إمكانيات الدولة مسرحاً مستقراً للفرقة، فأصبح لها عنوان ثابت فى مسرح البالون، كما جعلت طموحات محمود رضا تتضاعف فنياً فى رقصات الفرقة، وبدونها كان من المستحيل أن يقدم أوبريت ضخماً من ثلاثة فصول بروعة (رنة الخلخال).
كما أتيح للفرقة أن تقدم عروضها فى حضرة الرئيس وحفاوة بضيوف مصر من كبار زعماء العالم وقادته، كما أتيح لها أن تطوف دول العالم، شرقه وغربه، تقدم الرقص المصرى وتنتزع التصفيق والإعجاب، وتتحول من مجرد فرقة للرقص إلى (أيقونة) من أيقونات الفن المصرى الأصيل المعبر عن الروح والهوية.
وقبل كل ذلك كانت الميزة الأهم أن الدولة أبقت على اسم الفرقة (رضا)، وعلى محمود رضا مشرفاً عليها ومديراً لها ومصمماً لرقصاتها، دون أى تدخل فى الهيكل الإدارى والتنظيمى الذى تأسست عليه».
وفى مقابل تلك المزايا التى لا تُنكر، كانت هناك عيوب قاتلة عانت منها الفرقة طويلاً، لعل على رأسها الروتين الحكومى الخانق، الذى كان السبب الرئيسى فى كل خناقات ومعارك وأزمات محمود رضا مع كل وزراء الثقافة طيلة 30 عاماً قضاها مشرفاً على الفرقة منذ تأميمها فى 1961 وحتى إحالته للتقاعد عام 1990!
فى الفترة التى كان فيها د.عبدالقادر حاتم وزيراً للإرشاد فإنه كان يتدخل بنفسه لحل مشاكل الفرقة وإنقاذها من (جبابرة) الموظفين وروتينهم الذى يوقف المراكب السايرة، فقد حدث مثلاً فى أول عهد الفرقة مع الحكومة أن طلب محمود رضا شراء ملابس جديدة ليستخدمها راقصو الفرقة فى عروضها الجديدة، وقدّر ميزانية تصل إلى 12 ألف جنيه، وجاءت لجنة من الموظفين فى الوزارة تفاصله فى كل شىء، وهبطت بالميزانية إلى ألفى جنيه فقط، وذهب محمود رضا يشكو للوزير ويستنجد به من موظفيه، ولأن الوزير كان ضليعاً فى شغل الروتين فقد طلب منه أن يتسلم الألفى جنيه التى حددتها اللجنة ثم يصرف له باقى المبلغ المطلوب من بنود أخرى..
لكن المشاكل الحقيقية بدأت بعد (فك) وزارة الإرشاد إلى وزارتين، إحداهما للإعلام والأخرى للثقافة، وأصبحت الفرقة تابعة لوزارة الثقافة وموظفيها وروتينها، وهو أمر لم يتحمله كبرياء ولا تمرد ولا خيال فنان بحجم محمود رضا، كان على قناعة كاملة أن الفنان أهم وأبقى وأعلى من الموظف حتى لو كان بدرجة وزير!
(6)
المتأمل فى تاريخ محمود رضا لا بد أن يستوقفه سؤالان كبيران وراءهما ما لا يحصى من علامات الاستفهام والتعجب والعجب، أولهما: كيف استطاع الرجل أن يحقق كل هذا النجاح الاستثنائى ويترك كل هذا الرصيد المذهل من الإبداع، وسط كل ما واجهه من أزمات وعراقيل وصراعات وروتين ومطبات وإحباطات كانت كفيلة بأن توصله إلى حافة الجنون لا الإبداع؟!
وثانيهما: كيف عاش تلك المفارقة العجيبة بين حروب وصراعات وحملات ومحاولات مستميتة لإفساد نجاحاته فى داخل بلده والنيل من فرقته بل والتخلص منه ومنها.. وبين ذلك التقدير البالغ والإعجاب الهائل والتكريم العظيم الذى كان يحظى به فى الخارج، إلى حد أن اليابانيين أنشأوا نسخة يابانية من فرقة رضا ليقدموا رقصاتها كما ابتكرها محمود رضا، وبنفس روحه وحركاته بل وبأسمائها المصرية: (العصاية) الصعيدية و(سماح) النوبية؟!
فى تصورى أن كل تلك المفارقات سببها (عقلية) محمود رضا، وإصراره على أن يكون (فنان) لا (موظف) فى وزارة الثقافة!
وربما تجسد وتلخص تلك الواقعة التى يحكيها محمود رضا بنفسه المعنى الذى نقصده بالضبط: «لما كنت وكيل وزارة فى وزارة الثقافة أيام فاروق حسنى تلقيت دعوة رسمية لحضور افتتاح متحف محمد محمود خليل بحضور الوزير وقيادات الوزارة، لم أذهب، لأنى أعتبر نفسى فناناً، والفنان لا يسير وراء الوزير.. أى وزير».
وكانت تلك الواقعة من أسباب الصدام الذى تصاعد بين الفنان والوزير وانتهى بقرار من فاروق حسنى بإقالة محمود رضا!
لكن محمود رضا ظل على مبدئه ولم يتراجع عنه أبداً مهما كانت الخسائر، وقد حدث قبلها أن دُعى محمود رضا للمشاركة بفرقته فى حفل يحضره الرئيس مبارك فى أحد أندية القوات المسلحة فى مناسبة وطنية، ولأهمية الحفل ذهب د. زكريا عزمى رئيس ديوان رئيس الجمهورية ليطمئن على استعداد الفرقة، وسأل محمود رضا عن الرقصات التى اختارها ليقدمها فى الحفل، وتوقف زكريا عزمى عند رقصة اسمها (حمامة فى السودان) مستوحاة من الفلكلور السودانى، ولما رأى رئيس الديوان إصرار محمود رضا عليها سمح له بتقديمها، لكن وزير الثقافة فاروق حسنى اعترض، وكانت وجهة نظره أن العلاقات السياسية حينها بين مصر والسودان متوترة وليست على ما يرام ولا داعى لتلك الرقصة فى هذه الظروف، وأصر محمود رضا على تقديم الرقصة ضارباً باعتراض الوزير عرض الحائط، وكان مبرره: أنا أرفض خلط الفن بالسياسة!
من يعرف محمود رضا يدرك حجم الكبرياء الفنى الذى كان لا يفارقه ولا يتخلى عنه أبداً مهما كانت العواقب، وكان مثله الأعلى فى هذا الكبرياء هو موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، ولا يمل من تكرار تلك الواقعة المنسوبة للأستاذ عبدالوهاب، وملخصها أن وزير ثقافة أراد أن يكلف عبدالوهاب بعمل فنى، فطلب من سكرتيره تحديد موعد عاجل معه، ولما حان الموعد ولم يحضر الموسيقار الكبير اتصل به سكرتير الوزير: يا أستاذ.. الوزير مستنى!، فرد عبدالوهاب بذكاء ولباقة ودهاء وكبرياء: وأنا كمان مستنى!.. ووصلت الرسالة: عبدالوهاب لا يذهب لموظف ولو كان وزيراً.. بل الموظف هو الذى ينتقل إليه.
بنفس ذلك الكبرياء الفنى عاش محمود رضا، ولذلك لم يوجد وزير ثقافة منذ انضمامه إلى الوزارة مع فرقته عام 1961 وحتى خروجه للتقاعد منها عام 1990، لم يصطدم به محمود رضا، ففى كل العصور ومع كل الوزراء لم يتعامل معهم على أنه موظف فى خدمتهم، وكان مستعداً دائماً لأن يدفع ثمن مواقفه، وكانت استقالته جاهزة دوماً.
حدث فى عهد منصور حسن وزير ثقافة السادات ورجله القوى أن فوجئ محمود رضا مدير عام فرقة رضا بتحويله للشئون القانونية وعقابه بلفت نظر، رغم أن الخطأ كان يتحمله موظف حسابات أخطأ فى فاتورة خاصة بالفرقة، ولم يتحمل محمود رضا هذا الظلم فتقدم باستقالة مسببة إلى الوزير، وظلت الاستقالة على مكتب الوزير لمدة 29 يوماً إلى أن استدعاه برفقة وكيل الوزارة سعد الدين وهبة، وناقشه الوزير فى أسباب الاستقالة وطلب منه أن يسحبها ويعود إلى عمله، لكن محمود رضا أصر على إلغاء العقوبة رغم تفاهتها، وسأل الوزير وكيله سعد الدين وهبة عن إمكانية إلغاء (لفت النظر) وأفاده بأن اللوائح تمنع إلغاء الجزاء، وأصر الفنان على موقفه: أرجو يا فندم ألا تزعل منى إذا صممت على الاستقالة، ورد الوزير بحدة: أزعل منك لما أكون بحبك، ولم يخش الفنان من غضب الوزير فرد عليه بنفس الحدة: مش لازم تحبنى.. فيه مليون واحد غير سعادتك بيحبونى، وانتصر الفنان، وغادر منصور حسن بعدها كرسى الوزارة، وترقى الفنان إلى منصب رئيس قطاع الفنون الشعبية كله.
هذا الكبرياء الذى ميّز محمود رضا وأدخله فى كل تلك الأزمات وصل إلى ذروته فى معركته العنيفة مع عبدالغفار عودة رئيس قطاع الفنون الشعبية القوى والذى جلس على الكرسى مع خروج محمود رضا للتقاعد، ولكنه - أى عبدالغفار عودة- أصر بحدة على إنهاء أسطورة فرقة رضا ومحو أى نفوذ للأب الروحى محمود رضا، ودخل فى خناقة حادة مع فريدة فهمى التى تولت مسئولية الفرقة بعد توأمها الفنى محمود رضا، ووصلت العلاقة بينها وبين عبدالغفار عودة إلى المحاكم حيث اتهمته بالسب والقذف فى حقها، وبالفعل حكمت لها المحكمة بتعويض قدره عشرين ألف جنيه، لكن بعد أن (طفّشها) من الفرقة وأجبرها على تقديم استقالتها هروباً من المشاكل المفتعلة والجو الخانق والاتهامات الباطلة.
وكان ثمن الكبرياء فادحاً، ظل محمود رضا يدفعه طويلاً وحتى بعد تركه للفرقة التى منحها زهرة عمره ورحيق إبداعه. باختصار عاقبوه على نجاحاته واسمه الذى صار ماركة مسجلة للإبداع.
لم يستسغ الروتين الحكومى تلك النجاحات التى تجاوزت الحدود، فقرر الموظفون فى دولاب الحكومة أن يطفئوا تلك الشعلة المتوهجة. سأتوقف عند مثال واحد وواقعة محددة، وأترك محمود رضا يحكى عنها:
«يمكن فى منتصف الستينات، وبعد نجاح الفرقة وذيوع صيتها فى العالم بسبب رحلاتنا الخارجية، اتفقنا مع الاتحاد السوفيتى على إنتاج فيلم مشترك تقوم ببطولته فريدة فهمى مع الفرقة، وبعد الحماس والاتفاقات ظهرت العراقيل التى تفنن فيها موظفو مؤسسة السينما عندنا وتم إلغاء المشروع.. ومرة أخرى اتفقنا على إنتاج فيلم عن (قطر الندى) ابنة خمارويه حاكم مصر والتى كان زواجها من الخليفة العباسى حدثاً غنت له مصر كلها، وظللنا نعمل لسنوات فى الفيلم ونجهز له، وأحضرنا مئات المراجع فى التاريخ والأزياء عن تلك الفترة، وكان الفيلم الذى ستقوم الفرقة ببطولته مضمون التوزيع والنجاح، خاصة أنه فيلم ملون، والأفلام الملونة وقتها كانت حدثاً سينمائياً، وبعد ما السيناريو بقى جاهزاً والفرقة جاهزة ظهرت العراقيل وتوقف المشروع.. ولا أعرف سبباً محدداً حتى اليوم».
ورغم تلك الإحباطات المتعمدة لم يتسرب الإحباط إلى قلب محمود رضا، بل كان يسخر طوال الوقت من الروتين وموظفيه، والذى وصل إلى درجات غير مسبوقة من العبث واللامعقول، مثلما حدث عندما طلب محمود رضا الاستعانة بموسيقار كبير فى الفرقة بعد رحيل على إسماعيل عام 1974، وكانت أحلامه ونيته وطموحه يتجه للأستاذ عبدالوهاب، وفوجئ بموظفى الوزارة ينشرون مناقصة فى الصحف لطلب موسيقار لفرقة رضا، على أن تكون الأفضلية للأقل أجراً!
(7)
لو كان لى أن أختار لقباً لمحمود رضا لاخترت له بلا تردد لقب (الراقص العاشق)، فقد جاء هذا الوسيم إلى الدنيا كى يرقص ويحب..
وحتى قصتى الحب الوحيدتين فى حياته كان السبب فيهما الرقص، فزوجته الأولى نديدة فهمى كانت شريكة حلمه فى تأسيس فرقة رضا، وتولت تصميم أزيائها، ورحلت وهى فى عز شبابها (كان عمرها 26 سنة) والفرقة فى فجر نجاحها..
وكان الرقص السبب فى لقائه بزوجته الثانية (روشكا) اليوغسلافية الحسناء والراقصة الموهوبة فى (فرقة باليه زغرب)، والتى كانت قد ساقتها مقادير الله إلى القاهرة لتشارك فى عروض فرقتها، وذهبت لمشاهدة عرض لفرقة (رضا) فبهرها الراقص المصرى الوسيم بحركاته وأدائه، فأصرت أن تدخل إلى غرفته لنقل إليه إعجابها بنفسها، ولما سافرت كانت تحمل معها قلب محمود رضا، فتوالت رسائله إليها فى يوغسلافيا، وكاد يطير من الفرح لما كانت يوغسلافيا من بين البلاد التى دعت فرقة رضا لتقديم عروضها، وهناك زارها فى بيت أسرتها وخطبها منهم، وجاءت روشكا لتوقع على عقدين، عقد زواجها من محمود رضا فى سفارة بلدها بالقاهرة فى فبراير 1962، وعقد انضمامها كمدربة رقص كلاسيكى فى فرقة رضا، وأثمر حبهما الكبير عن ابنتهما الوحيدة والفنانة الجميلة شيرين رضا (المولودة فى 12 يوليو 1968).
أما الرقص فكان عشقه الدائم.. باختصار: جاء محمود رضا إلى الدنيا لكى يرقص مع الحياة!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.
توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.
بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...
فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...