فى بلادنا البعيدة.. الفقيرة.. التى كانت تنام من المغرب قبل اختراع الكهرباء ووصولها إلى الديار.. كانت زيارات الجيران والأهل الذين يعيشون فى المدن أو القرى البعيدة هى
فى بلادنا البعيدة.. الفقيرة.. التى كانت تنام من المغرب قبل اختراع الكهرباء ووصولها إلى الديار.. كانت زيارات الجيران والأهل الذين يعيشون فى المدن أو القرى البعيدة هى «السمر واللمة والترفيه».. وهؤلاء الزوار كانوا يتعمدون المجىء بفواكه غريبة لم نكن نعرفها فى قريتنا.. «إحنا آخرنا كان كيس البرتقان.. أو اليوستفندى.. اللى كنا بنسميه (سفندى).. فى الشتاء.. والرمان والمانجو فى الصيف».. هذه الأكياس الورقية هى «الزيارة» التى كنا نفرح بها كثيراً من أقربائنا.. والذين يعيشون فى المدن منهم.. ربما لإشعارنا بتميزهم الطبقى كانوا يتعمدون الإتيان بما لا نعرفه من الفواكه ومنها «عين الجمل».. اللى كنا بنسميه الطق.. واللوز والبندق» وجميعها كانت جدتى تستدعى «الهون» لتتعامل معها.. فأسنانها لم تكن على ما يرام كما تقول.. وكنت أسألها بطفولية «ازاى ناكل عين الجمل؟!».. فقد كان الأمر غريباً بالنسبة لى.. خصوصاً أن تلك الفاكهة التى عرفت فيما بعد أنها نوع من «الجوز» فارسى الأصل لا علاقة لها بالجمل من قريب أو بعيد سوى فى لونها «البيج».. فكانت تضحك ثم تدندن غنوة من التراث الشعبى..
.على ضى العين مسيلى يا قمر/ على ضى العين كراملة وعين جمل/ على ضى العين أنا بحب القمر/ حطو اللمبة فى الدولاب/ فيها السمك يلعب «لعباب»/ واللى مخاصمنى ع القبقاب/ على ضى العين مسيلى يا قمر".
وكل ما فهمته من الأغنية أن أى حد هيخاصم ستى هياخد بالقبقاب.. وظلت تيمة الأغنية هذه تطاردنى كلما استمعت فى الراديو لمجموعة من النساء أطلق عليهن «الثلاثى المرح» يغنينها:
"على نور العين مسيلى يا قمر/ دى حلاوة الزين شكلاته وعين جمل/ حط شمعة على شمعة/ وكمان شمعة على شمعة/ بتقول إيه أنا مش سامعة/ يا قمر".
ولأننى كنت وما زلت أحب سعاد حسنى.. ربطت بين البنات اللاتى يغنين معها «ع الحب لسه صغيرة» وبين صوت الثلاثى المرح.. وبدأت أفتش عن أغنياتهن.. وكانت أجملها بالنسبة لى وأنا «طالب ثانوى» ما يغنين فى فيلم «غرام فى الكرنك» الذى عرفت فيما بعد أن مؤلفه هو الشاعر الكبير مأمون الشناوى..
"حلاوة شمسنا.. وخفة ضلنا/ الجو عندنا ربيع طول السنة".
كان الراديو وقتها يذيع أغنية أم كلثوم «يا صباح الخير يا اللى معانا».. وبعدها مباشرة ذلك اللحن العبقرى لعلى إسماعيل والثلاثى:
"قمر بلدنا اللى مافيش زيه/ ولافيش جماله فى كل الدنيا/ يفرش بساط فضة من ضيه/ ويبدر الألماظ ع المية".
ورغم كرهى الشديد لكل الأغنيات الشيفونية التى ترى أن سمانا هى أحسن سما.. وقمرنا أحسن قمر.. وشمسنا أنضف شمس وكده.. لأننى كنت أرى فيها تزيدا وفجاجة.. وكنت أسميها بالأغانى الجغرافية.. فإننى لم أستطع كره هذه الكلمات:
"الوادى كله شجر ونخيل/ ونسيم بيهمس بنهم همس/ بيشربوا شهد من النيل/ ويستحموا بنور الشمس".
يا الله.. كيف كتب مأمون الشناوى هذه الصورة البديعة.. التى أتوه معها كلما سمعتها نفس توهة أمين الهنيدى وهو يشاهد «القمرات الثلاث وهن يتمايلن مع فرقة رضا فى ذلك الاستعراض الذى يصاحب الأغنية فى الفيلم الأشهر (غرام فى الكرنك)»؟.. ومن هن أولئك الفتيات اللاتى تعبت طويلا لأميز صوت كل واحدة منهن على حدة.. وفشلت.
تحت كوبرى أبوالعلا
فى سبعينات القرن الماضى.. وربما قبلها بأعوام.. أنتشرت مجموعة من الأغنيات وصفها المثقفون بأنها «هابطة» وأنها خرجت تنفيسا للمصريين عقب هزيمة يونيو.. ومنها «الطشت قالى».. و«العتبة جزاز».. والأخيرة غنتها ليلى نظمى.. وشويكار فى فيلم كان اسمه «العتبة جزاز».. بكلمات مختلفة.. ورقصت عليها نجوى فؤاد فى استعراض تليفزيونى.. وظلت الكلمات التى غناها «فريق الثلاثى المرح» من ألحان على إسماعيل وكلمات مأمون الشناوى ذات نفسه هى الأشهر:
"احنا تلاتة ولاد خالة/ لا حدانا جيب ولا سيالة/ مابنعبرش الرجالة/ والسلم نايلو فى نايلو.. والـ .. عتبة جزاز".
ومن أين جاءت هذه العتبة؟.. وهل هى عتبة «بيت هؤلاء الثلاثى» ولا الحكاية فيها إن؟! الإجابة أن الحكاية فيها إن.. وكان.. وحاجات تانية كتير.. وحسب المراجع التاريخية المتفق عليها فالعتبة الخضراء تعود إلى عام 1160م.. عندما بنى الحاج محمد الشرايبى صاحب جامع الشرايبى فى الأزبكية «سرايا» باعها للأمير رضوان الجلفى فجددها وبالغ فى زخرفتها ثم اشتراها الأمير محمد بك أبوالدهب «ثعلب عصر محمد على بك الكبير» الذى تزوج من جارية كانت تعمل لدى الأمير رضوان الذى صنع «عتبة السرايا من رخام أزرق شفاف» فسموها بالعتبة الزرقاء.
ثم اشتراها طاهر باشا حاكم الصعيد وانتقلت إلى ورثته حتى وصلت للخديو عباس حلمى الذى كان يتشاءم من اللون الأزرق فغير لون العتبة إلى الأخضر.. فسماها الناس بالعتبة الخضراء.
ولأن «القباحة» عرف مصرى.. تلقفت نساء الحوارى قصة العتبة لتجعل منها وصفاً للعروسة بعد تجهيزها.. فصار «الجسد شفافا.. والأرداف نايلو».. ومن المعنى الشعبى جاء مصطلح تغيير العتبة بمعنى «الزواج الثانى» ليتسع المجال ويصبح تغيير المنزل أو العمل أو الزوجة «تغييرا للعتبة».
وإذا كنا بعد هزيمة يونيو غنينا «للطشت الذى يدعو سيدته للاستحمام» استعدادا للغرام فمن الطبيعى أن تغنى النساء والرجال معا للسلم «النايلون».. وكان من الطبيعى أن على إسماعيل المغرم بالفلكلور المصرى يستدعيها ويمنحها من عندياته توزيعاً يسمح لها بالبقاء والاستمرار وتجاوز حدود مصر إلى آفاق عالمية أرحب دعت منظمة اليونيسكو إلى اعتمادها من التراث اللامادى:
"يا بت مالك خسيتى/ وانتى لا رحتى ولا جيتى/ باين عليكى حبيتى/ والعتبة جزاز/ وتحت كوبرى أبوالعلا/ شى الله يا سيدى أبوالعلا/ يا ريت حبيبى من هنا".
الثلاثى لم يكن وحدهن اللائى يشاركن فى أداء «لحن على إسماعيل» بل كان هناك «ثلاثى النغم» وهم مجموعة أصوات رجالية شاركت فى العديد من الأعمال من أشهرها «خلاص مسافر» مع شادية.. وفى الأغنية السابقة.. يقول الثلاثى المرح «احنا تلاتة ولاد خالة».. لكنهن فى الحقيقة لا صلة قرابة تجمع بينهن.. أولاهن سناء البارونى هى الشقيقة الصغرى للممثلة الشهيرة سهير البارونى.. وسبق أن غنت بشكل منفرد فى ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة التى قدمها المخرج حسن الإمام.. فى الفترة ما بين 1962 وحتى 1973 فى ثلاثة أفلام من كلاسيكيات السينما العربية هى «بين القصرين - قصر الشوق - السكرية».
سناء البارونى هى المطربة التى تغنى فيما نادية لطفى تحرك شفاهها وهى تغسل فى الطشت وبجوارها عبدالمنعم إبراهيم.. «طب وأنا مالى طب».. وهى نفسها التى تغنى «يا سمبتيك خالص يا مهندم» وأيضاً لحن زكريا أحمد الشهير «إوعى تكلمنى بابا جاى ورايا».
سناء نفسها تزوجت من مخرج هذه الثلاثية فيما بعد.. واعتزلت الغناء.. مثلما فعلت زميلتها فى الفرقة صفاء لطفى التى تزوجت من الموسيقار أحمد فؤاد حسن.. فيما ذهبت الثالثة وفاء يوسف إلى الخليج لتعمل مدرسة.
الثلاثى تخرجن من معهد الموسيقى العربية.. وانضممن إلى فرقة صلاح عرام الذى كان يشارك فى الأفراح والحفلات بالثلاثى ماهر العطار ومحرم فؤاد وبليغ حمدى كمطربين.. ثم تقدمن للإذاعة المصرية مع ديمترى لوقا الذى كان يقدم ركن الهواة.. سمعهن على إسماعيل هناك فقرر تكوين فريق منهن اعتمدته الإذاعة وصار اسمه «الثلاثى المرح».
آه يا ليل والهوى ميال
لم يكن مأمون الشناوى وحده الذى وجد ضالته فى الثلاثى المرح ليقدم من خلالهن أغنيات خفيفة.. كذلك فعل صلاح جاهين.. ومرسى جميل عزيز.. ومحسن الخياط وعبدالرحيم منصور.. وعبدالرحمن الأبنودى الذى جاء بتراث الصعيد الشعبى كله.. ينتقى منه ما يشاء وقت أن يشاء مع من يشاء.. ومن نوادر الأبنودى مع الثلاثى.
الأغنية الأولى من ألحان محمد سلطان.. الذى أخذ من الأبنودى تيمة اللحن التى صنع منها اللزمة والمذهب.. فى جو شعبى مدهش:
آه يا عين يا ليل/ والهوى ميال/ يا قمر يا اللى/فضة على تلى/ليه ما جاش خلى/يسهر معايا.. الليل
أغنية الأبنودى الثانية كانت مع بليغ حمدى أكثر ملحنى جيله وعصره توظيفاً للفولكلور.. ومعا صنعا أغنية ناعمة اسمها «بر السلامة»:
"وصلنى بر السلامة/ عدينى ع الابتسامة/ أفرد قلوع المراكب/ طيرنى زى الحمامة/ ع الشوق باعدى وقلبى مية/ ونسمة ومراكبى/ والحب بيتنا الصغير/عارف طريقه لحبايبى/ ويا شمس مهما تعيشى/شمس أنا فى عيون حبيبى".
ولم يكن عبدالرحيم منصور بعيداً.. فمع على إسماعيل ذهب هو الآخر إلى الصعيد ليأتى بحكاية مسعود.. مسعود الخولى الذى كان ينتظر موسم الحصاد ليتزوج من «بدر الليل».. الغناء الملحمى كان حاضراً وبسيطاً فى لحن على إسماعيل و«غنيلى يا جدع»:
"غنى لى يا جدع/على دقة الخلاخيل/ده الجرن واتجمع
خلى الصبايا تميل/ نملى الأنا فى أغانى/ على ضفتين النيل/ يا صبايا يا غنوة بلدى".
هذه الجرأة فى التعامل مع التراث الشعبى وطرح مفردات مختلفة عما سبق أن قدمه شعراء الأربعينات والخمسينات لم تكن «الصفة» الوحيدة التى ميزت أغنيات الثلاثى.. بل اتسعت دائرة المفردات والتيمات الشعبية فاستحضرت روح ونكهة الحارة المصرية.. والأحياء الشعبية فى المدينة.. مثلما هو الحال فى الريف.. وتبارى كبار شعراء مصر وقتها فى تقديم أغنياتهن للثلاثى مع باقة من ألمع ملحنى تلك الفترة.. ومن هؤلاء الأسطى محمود الشريف الذى لحن للثلاثى «اللى سبق كل النبق» من كلمات محسن عزت الذى حول «المثل الشعبى» إلى أغنية فرح مصرية خالصة:
"اللى سبق كل النبق/ وجالنا ورانا واتفق/ جاب توب حرير م المعتبر/ وجوز أساور مع حلق/ وجاب الكتان مدندش/ تلاقيه يبرق ويفرش/ وحلف يمين ومصدقين".
مع على إسماعيل أيضاً.. مارس فتحى قورة شقاوته فى لحن «بناتى» آخر شقاوة:
"زق المرجيحة ومرجحنا/ خلى المرجيحة تفرحنا/ أنا واللى بحبه سوا/ وفى قلبه وقلبى هوا/ يا مبسوطين بالقوى/ يا احنا../ خلى المرجيحة.. تمرجحنا".
ومن الأسطى محمود الشريف إلى المعلم الرصين أحد أهم رواد الموسيقى الشعبية أحمد صدقى فى كلمات نديم عبدالباقى:
"بنت البلد/ آه يا ولد/ دى جمالها يهوس/ ميت بلد/ بنت البلد.. مين قدها/ عشاق كتير بتودها/ واللى بيطلب يدها/ يقول يا بخت اللى اتوعد".
ملامح الدلع.. والدلال.. والشقاوة.. لحنتها أغنية أخرى مستمدة من التراث الشعبى.. وسبق توظيفها أكثر من مرة.. بشكل شعبى مرات.. وبشكل سياسى مرات أخرى.. وغنى الثلاثى بشكل جديد.. «البحر بيضحك ليه:
"البحر بيضحك ليه/ وأنا نازلة اتدلع أملا القلل/ ماشى كده وعينيه منى/ وعامل إنه مخاصمنى/ وكل يوم يسأل عنى/ وأنا نازلة اتدلع/ أملا القلل".
وكان من الطبيعى أن يجد على إسماعيل لدى زوجته نبيلة قنديل ما يميزها عن غيرها من الشعراء الرجال لتكتبه لثلاث فتيات مصريات خفيفات الدم.. جميلات الصورة والصوت.. فكتبت نبيلة قنديل العاشقة للتراث الشعبى أيضاً تفاصيلها الصغيرة كأنثى جربت الحب وهربت من بيت أهلها لتتزوج على إسماعيل صانع الجملة الشعبية اللاذعة والبسيطة فى وقت واحد.. فكانت «ماانتاش خيالى:
"ما انتاش خيالى يا وله/ ولا جاش على بالى لا والنبى
لو شفت كتافى/ بالتوب الصافى/ لتجينى حافى يا وله
ما انتاش على بالى.. لا والنبى/ لو شفت شعرى.. يا وله
منتور على ضهرى يا وله/ لتزود مهرى يا وله/ ما انتاش على بالى لا والنبى".
الشكل الموسيقى الذى قدم به على إسماعيل «الثلاثى المرح» سمح للشعراء بآفاق رحبة لا تسمح بها الأغنية الفردية فى شكلها التقليدى.. فكتب محمد على أحمد «غزل البنات»..
"غزل البنات شوف يا وله/ سكر نبات.. شوف يا وله
هيشبعك ويجوعك/ ويعلمك المرجلة/ ودوق يا وله".
تلك البداية التى تبدو كأن الشاعر يتغزل فيها بغزل البنات الذى يبيعونه فى الشارع «حلو الطعم.. سريع الذوبان».. وكشف فى نهايتها أنه يتغزل فى «البنات» وليس فى الغزل:
"دور على اللى يريحك/ ويعيش معاك ويفرحك
واللى تلاقيه حيجرحك/ انساه ولا تسأل ولا".
ومن الغزل فى البنات إلى الغناء للأم والأخ «أخونا حب» وللأب أيضاً الذى يدعونه إلى رحلة القناطر يوم العيد:
"وحياتك يا بابا/ ودينا القناطر/ ده العيد النهارده/ إوعى ماتكونش فاكر/ سنة فاتت زى اليوم/ انت اللى جيت فكرتنا/ أول ما صحينا م النوم/ عيدت علينا وبوستنا/ وفى مركب وديتنا هناك/قعدتنا فى جنة معاك/ واتغدينا واتمشينا/ وآخر النهار رجعتنا/ وحياتك يا بابا/ ودينا القناطر/ سبحة رمضان.. لولى ومرجان".
فى غضون أربعة أعوام لا أكثر أصبح الثلاثى المرح طقساً.. كل الحفلات تبدأ به.. أغنيات الصباح فى الراديو.. «حلو البدرية» مثلا.. أغانى الأفراح.. وكان من الطبيعى أن يتعدى هذا النجاح حدود السينما والحفلات إلى خارج الحدود المصرية.. فذهب الثلاثى إلى الكويت وغنين لها باللهجة الكويتية.. وإلى العراق وغنين لها باللهجة العراقية ومن ألحان العراقيين أيضاً مثلما فعلوا مع ليبيا التى تعود أصول سناء البارونى إليها.. وتوجد حتى هذه اللحظة أغنيات فردية لصفاء لطفى باللهجة الليبية ويعتبرها الليبيون تراثاً لهم.. وكان من الطبيعى أن نجدهن فى أغنيات رمضان التى تستمد جذورها من التراث الشعبى.. وفى مقدمتها الأغنية الأشهر «سبحة رمضان.. لولى ومرجان.. بتلاثة وتلاتين حباية» ومعها «اهو جيه يا ولاد..».. وهناك أغنيتان نادرتان من أغانى رمضان لا أعرف سر تجاهلهما طيلة السنوات الماضية رغم أنهما «الأكمل والأجمل» فنيا.. الأولى كتبها محمود عفيفى ولحنها مدحت عاصم واسمها «الشمس عروسة»:
"الشمس عروسة/ نازلة متحنية/ ماتيالا بينا نزوق الطبلية/ دى المغربية قربت يا حبايب/ لقمة هنية تكفى ألف ومية".
أما الأغنية الثانية واعتبرها درة أغنيات رمضان والعيد.. فقد وضع فيها عبدالفتاح مصطفى جل خبرته وقدراته فى الكتابة والتصوير والنغم ليحولها إلى نص سياسى رمضانى بديع.. واستخدم فيها على إسماعيل تراثنا الروحى والشعبى معاً:
"يا صايم قوم افطر/ ع الكعكة أم سكر/ والكحكة دى هيه/ لو كانت هدية/ مصرية سورية/ تغلى أكتر وأكتر
يا صايم قوم افطر/ ع الكحكة أم سكر/ الحلوة دى هيه
تغلى أكتر وأكتر/ لو كانت هدية/ بندقها المقشر / جاى م اللاذقية/ والتحويجة عنبر / من سوق الغورية/ واهو زيتنا فى دقيقنا/ ولا حد يضايقنا/ والنصر فى طريقنا
وطريقنا منور/ يا صايم.. قوم افطر".
تلك الملامح السياسية فى أغنية رمضانية لم تكن وليدة الصدفة فقد «وظف» على إسماعيل «فرقته» ذات الإيقاع المرح لخدمة النظام السياسى الذى كان يعتبر نفسه ابناً له.. وساهم ظهور الفرقة فى عام 1958 وانتشارها عربياً فى اقترابها بشكل أكبر من الأغنية السياسية الصرف.. فغنت الفرقة للعمال والمكن والمصانع لكن بطريقتها وبالطريقة التى تناسب ثلاثة أصوات نسائية مرحة:
"حبيبى عامل بيومية/ وانا زميلته الصبحية/ الحب جمع أفكارنا/ إنتاجنا زاد فى الوردية/ حبيبى عامل بيومية".
ومن كلمات محمد حلاوة وألحان على إسماعيل.. حظيت أغنيات الصعيد أيضاً بمفردات سياسية غير مباشرة.. ومباشرة أحياناً:
"يا برتقان أحمر وجديد/ املا الدنيا فى يوم العيد/ يا برتقان يا ابو دمه/ آدى العروبة وحبايبها/ يوم الفرح جم واتلموا".
ومثلما غنت الفرقة للعمال.. وللمكن.. غنت للفلاحين فى واحدة من أشهر أغنيات فترة الستينات لحنها سيد مكاوى وكتبها فؤاد قاعود:
ا"ختال فوق عيدانك/ واكبر يا زرع الشراقى/ ده صباح منور يا أخضر/ والخير فى اللى ساقى".
وغنت الفرقة لأحد أهم مشروعات الفترة الناصرية.. السد العالى:
"يا بابا تعالى وجيوبك ملانة/ فسدق عربى وبندق..
عيد الثورة جانا/ ياللا نزور السد العالى/ ونقضى يوم عيدنا الغالى/ نرقص ونهيص ونزقطط/ هنشوف النيل جوه الصحرا / ماشى بيغنى للثورة".. إلخ.
ولم تترك الفرقة شاردة ولا واردة من يوميات ثورة الثالث والعشرين من يوليو إلا وغنت لها.. للوحدة مع سوريا مثلا غنين من كلمات صلاح جاهين وألحان على إسماعيل:
"يا هلا يا هلا.. مرحب مرحب/ شربات الوحدة وبنشرب".
ومن ألحان على إسماعيل أيضاً وكلمات بيرم التونسى غنين على لسان الأراجوز:
"يا ولاد بلدنا.. توت توت/ أنتم مين/ احنا الكل عرب أبطال/ فى ميادين الحرب رجال/ أما فى المصنع عمال".
ومن كلمات فتحى قورة وألحان إبراهيم رأفت غنت الفرقة ضد العدو الإسرائيلى ومن يقفون خلفه واحدة من الأغنيات الرمزية.. «الحداية»:
"الصقر وراكى يا حداية/ حتكونله على ايده نهاية/ الصقر وراكى فى كل مكان/ هيرجع حجمك زى زمان
ياما غيرك عملوا عليه جدعان/ لفتهم برقع وملاية".
وكان من الطبيعى أن تغنى الفرقة للرئيس جمال عبدالناصر.. مثلما غنى نجوم تلك المرحلة من أم كلثوم وعبدالحليم إلى محمود شكوكو وحفنى أحمد حسن وخضرة محمد خضر.. من كلمات شاعر الثورة صلاح جاهين وألحان على إسماعيل:
"عبدالناصر محبوبنا/ مكتوب على قلوبنا/ عبدالناصر نريده/ والخير كله من إيده/ مهما يقولوا ويعيدوا/ عبدالناصر مطلوبنا/ يا جمال يا عالى الهمة/ أنت حبيب كل الأمة".
لم تتحول الفرقة إلى «نشيد سياسى» بالمعنى المفهوم.. لكن الآن الغناء المصرى وقتها كان يؤدى دوراً فى الحرب.. كان الموسيقيون وفى مقدمتهم على إسماعيل وزوجته نبيلة قنديل يعتبرون أنفسهم جنوداً فى حرب يؤمنون بأهدافها.. ولهذا لم يتوقف اندماجهم فى الغناء السياسى فى مرحلة ما بعد عبدالناصر.. وكان حضورهم لافتا فى أغنيات النصر.. أغنيات حرب أكتوبر.. من كلمات محسن الخياط:
" الحلوة قالت للقمر/ قوم شوف ولادى/ قاموا وعدوا يا قمر/ حاربوا الأعادى/ ضلل عليهم يا قمر / وبوسلى عينيهم يا قمر/ حتلاقى فيهم يا قمر/ صورة بلادى".
صورة بلادى.. كانت جلية واضحة فى «الثلاثى المرح» طيلة عشرين سنة وأكثر.. إلا أن الزواج وحده استطاع أن يشتت شمل الثلاثى.. فتزوجت إحداهن من حسن الإمام.. وحلت محلها سهام توفيق.. ثم تزوجت الأخرى من أحمد فؤاد حسن وجلست فى بيتها.. وتزوجت الثالثة وذهبت إلى الخليج.. لينفرط عقد أشهر وأهم فرقة مصرية طورت الغناء الشعبى فى فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى ذكرى رحيل العندليب الأسمر 3-3
رحل عن الدنيا فى يوم 21 أبريل 2015، وحزن عليه الناس الذين أحبوه، لكن هناك فئة أخرى حقدت عليه وحسدته...
حول عالم تمتلك فيه معظم العائلات روبوتات خادمات لطيفة، يتمنى بوندو، وهو طفل عادى فى المرحلة الابتدائية، أن يحصل على...
11 سنة مرت على وفاة الفنان إبراهيم يسرى، الذى كتب له القدر أن يرحل فى يوم ميلاده ذاته (20 أبريل)،...