ضحايا "الأزمات النفسية ".. كيف ننقذهم قبل فوات الأوان؟

بشرى للمرضى .. مقاومة الاكتئاب الشديد بالتحفيز المغناطيسي للمخ

ضياع العمر في لحظة .. يأس .. اكتئاب حاد .. انهيار عصبي .. ضغوط .. مشاكل .. هكذا رصدنا عدة وقائع انتحار خلال شهر آشهرها المعروفة إعلاميا "بفتاة الاسكندرية"،وإن لم تكن الأولى وربما ليست الأخيرة .

ولن نخوض في تفاصيل واقعة بعينها ولكننا نفتح ملف الصحة النفسية والأزمات النفسية التي قد تدفع إلى الانتحار حيث يطرح موقع أخبار مصر ببوابة ماسبيرو التساؤل المهم والملح الآن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه : هل يمكن الإنتباه إلى الأمراض والأزمات النفسية قبل تفاقمها وكيف نتجاوزها في ظل ظروف ضاغطة أو مشاكل مستعصية ؟.

دز ايمان عبد الله علم نفس

بداية سألت الدكتورة ايمان عبدالله استشاري الإرشاد النفسي و العلاقات الأسرية.. هل لابد من حل المشكلات الضاغطة لتجاوز الأزمة النفسية ؟

فأجابت د.ايمان عبد الله في حديثها الموقع : ليس شرطا أن يتم حل المشكلة لعبور الأزمة النفسية الناجمة عنها .. فدراسات علم النفس تقول إن العلاج لن ينهي الألم ولن يمسحه.. فالألم يستمر وقد يقل أو يزيد بسبب مشكلة أو علاقة سامة أو قضية معقدة أو أذى أو ظلم .. أما المعاناة نفسية ليست من المشكلة ولا بسبب الألم وانما مصدرها هو التعامل مع الألم والمشكلة وطريقة التفكير فيها وعادة تحدث المعاناة لثلاثة أسباب رئيسية : التفكير المفرط في المشكلة المعقدة والاحساس بالعجز أمامها والاندماج مع فكرة انعدام الأمل في حلها والاعتقاد اني فاشل لا أستحق الحياة.. فهذه المعتقدات تحول الفكرة لواقع مرير.


#ما الفرق بين الألم والمعاناة ؟

- نلخص الفرق بين الألم والمعاناة بأن الألم بسبب الضغط من أي شيء حتى لو ضغط مذاكرة أو عمل مكثف أما المعاناة منبعها من العقل بمعنى أن التفكير العقلاني فيها يعطيهاىمعنى سلبي ويضيفها بصورة أنه "مفيش أمل ولازم المشكلة تتحل" وولكن هل حقا ليس لها حل ..فالمعاناة يصنعها عقل الإنسان من نظرته إلى المشكلة والألم وإضافة معنى سلبي لها .

#كيف يتم تجاوز المعاناة أو الأزمة النفسية ؟

- من وجهة نظري أن العلاج بالقبول والمضي قدما ممكن بمعنى أن أفكر أعمل ايه رغم الألم لأنه جزء طبيعي من الحياة دون محاولة الإنكار أو السيطرة القهرية أو أن نفصل أو نظل نلف داخل دائرة الألم ..

#ما طوق النجاة أو طريق العبور الأزمة ؟

-طريق العبور هو عدم تجنب المشاعر ..افرح واغضب وتجنب الانشغال والهروب أو إدمان الاكل أو أفلام معينة لأن هذا السلوك يخفف الشعور السلبي مؤقتا أي مجرد مسكن وتستمر المعاناة داخلك على مدى طويل ..فعلى سبيل المثال ..دخلت مرة مكان عام جامعة او مدينة ووجدت الحارس أو رجل الأمن يتحدث كثيرا ويعطلني عن المحاضرة وانا محرجة أوقفه خشية أن يفهم غلط أو يأخذ عني انطباع إني متكبرة أو يسيء لي.. فاصكر اجاريه رغم أن هذا عبء علي وخسارة .. فالخوف والتحمل والمجاراة والهروب مسكنات قليلة واكن مواجهة الواقع تشفي .

#لماذا يصمد البعض وينهار آخرون أمام نفس الأزمة النفسية ؟

-الفكرة الشائعة منطقية وهي ضرورة حل المشكلة للتعافي لكن ماذا نغعل لو حلها صعب أو محتاج وقت طويل وخطوات كثيرة أو أن اختفاء المشكلة غير وارد حاليا ولن يتحقق الاستقرار الا بتحسن الظروف الخارجية .. هنا نجد ناس تصمد وناس تنهار رغم أن مشكلتها قابلة للحل والفرق ليس في حجم المشكلة أو طبيعتها لكن في طريقة التعامل معها ..

فمثلا أعرف سيدة زوجها طلقها وسلط أولاده يعيشوا مع اخوهم الكبير في حضانته واختاروا يبتعدوا عن والدتهم ويعيشوا مع طليقها ومرت بأزمة نفسية كبيرة لا اقلل منها لكني ساندتها ودعمتها نفسيا حتى تعافت وكانت كلما نجحت واشتغلت على نفسها أصبحت أقوى ولها مكانة اكبر وبمرور الوقت المشكلة اتحلت وعاد إليها أولادها إلى أن وصلت بر الأمان .. فبعض الناس تحتاج وقتا طويل لحل المشكلة وبعض الناس تربط نفسيتها بحل المشكلة وتظل منتظرة وهذا الانتظار. يرهق والعلاج لن يغيىر الواقع الأليم ولكن يرفع قدرة المريض على التعايش معه ويهديء من علامات الاستجابة العصبية ويفك الاندماج مع الأفكار السلبية ويقنعه بالفرق بين فكرة أنه لايوجد حل وأن هناك أمل ولو بعيد وان اليأس مجرد فكرة سلبية وليس جزم ..فيخرج من حالة اليأس .. فالعلم لا بحارب الفكرة ولا الشعور بها لكن يسعى إلى استعادة الاحساس بالقدرة على التعايش ويفسح مساحة للاختيار .

#همسة أخيرة
-الخطر في الإحساس بالمشكلة و عدم إعطاءها المعنى الصحيح ودور الإعلام التوعية وعدم التهويل والبحث في التفاصيل أو التركيز على الألم والدعوة إلى فن التعايش ومنح الأمل رغم شدة الألم حتى يتلاشى تدريجيا ويصل المريض أو المتازم نفسيا إلى بر الأمان .

خطر الاكتئاب الذهاني

د.عبد الناصر عمر

أما عن الأزمات النفسية المرضية أو محاولات الانتحار بسبب الاكتئاب الحاد فأوضح د.عبد الناصر عمر أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس أن مريض الاكتئاب لا يفكر في الانتحار إلا في أعلى مراحل المرض وهي الاكتئاب الذهاني أي نوع من الاكتئاب الحاد يصاحبه أعراض ذهانية ، أي أن المريض يعاني من أعراض الاكتئاب المعروفة مثل الحزن الدائم والتشاؤم ، فقدان القدرة علي الاسترخاء والسعادة ، اليأس وعدم التفاؤل ، العصبية الزائدة والإنفعال بدون سبب أو الانفعال علي أسباب لا تستدعي هذا الغضب ، الإندفاع أثناء التعامل مع الاخرين ، شعور بالدونية وعدم القيمة ، رفض التواصل مع الحياة والميل للعزلة والوحدة ، العنف في التعامل ،يصاحب الاكتئاب. كما يعاني إضطرابات في النوم ، التفكير الدائم في الموت والنظر للحياة بنظرة سوداوية تشاؤمية ، عدم الإهتمام بالنظافة الشخصية والمظهر العام .
وأضاف د عمر. في تصريحات صحفية أنه في حالة الاكتئاب الذهاني تظهر الاعراض الذهانية لدى المريض وهي خلل إضافي في التفكير مثل الشعور بحدوث مؤامرات ضد المريض أو أنه يتعرض للمراقبة أو الناس يريدون حدوث الأذي له ، أو أن هناك أجهزة تريد مراقبته أو الحاق الأذى به أو قتله ، أو افكار غير منطقية وغير حقيقية .

وحذر د. عمر قائلا :للأسف الاكتئاب الذهاني خطير جداً وخصوصاً اذا كان في الاضطراب الوجداني ثنائي القطب لأن نوبة الاكتئاب الذهاني تسبب خللا كاملا في طريقة تفكير المريض وتجاوبه مع الأمور والحياة ومن حوله ، حتي قد تصل الخطورة بهذا الاضطراب ان يلحق المريض الأذى الشديد بنفسه أو بمن حوله بسبب تفكيره الخاطيء بسبب أعراض المرض وقد يتجه المريض الى خطر محاولة الانتحار والتخلص من حياته بسبب الاكتئاب ، لذلك لا بد في حالة الإكتئاب بالعلاج الفوري والحفاظ علي المريض ، إما بالعلاج الدوائي أو بالعلاج داخل مستشفى للأمراض النفسية في بيئة آمنة للحفاظ علي المريض وحمايته من نفسه أولاً وحماية الأخرين والمحيطين به .

وأشار إلى أن نسبة الإكتئاب الذهاني قد تصل إلي 19% من المصابين بالإكتئاب الرئيسي وهي نسبة ليست قليلة ، لذلك يجب الانتباه والتعامل مع مريض الاكتئاب بحكمة وهدوء ، والانتباه له ، والتحلي بالصبر ومحاولة تشجيعه والرفع من معنوياته ، حتي اذا رفض العلاج أو مقابلة الطبيب ، يجب التحدث مع طبيبه المعالج ووضع خطة علاجية سريعة منعاً لأي خطر مستقبلي قد يلحق بالمريض .


*التعافي ممكن جدا

وأكد أستاذ الطب النفسي أن هناك املا في أن تتحسن هذه الحالات وتتعافى ويتخلص المريض من هذه الأعراض السلبية ويعيش حياته بشكل طبيعي بعد خضوعه للعلاج .

بين اليأس والأمل: هل يمكن للعلاج أن ينقذ من التفكير في الانتحار؟

د.الاء زايد

كما قالت د. آلاء زايد، استشاري الطب النفسي للموقع إنه في لحظة ما قد يشعر الإنسان أن الألم النفسي أصبح أكبر من قدرته على الاحتمال، وأنه لا يوجد مخرج حقيقي مما يمر به.
تتسلل مشاعر اليأس تدريجيا، وتضيق الخيارات في نظره، حتى تبدو النهاية وكأنها الحل الوحيد..لكن ما يبدو حقيقة في تلك اللحظة، قد يكون في الواقع انعكاسا لحالة نفسية قابلة للعلاج.

اليأس… حين يختفي الأمل مؤقتا!!

الأفكار الانتحارية لا تعني دائما رغبة في الموت، بقدر ما تعبر عن رغبة في إنهاء الألم.

وأوضحت استشاري الطب النفسي أنه في لحظات اليأس، يكون إدراك الإنسان محدود بالألم الذي يحس به وهذا يجعله لايرى أي بدائل، رغم إنها موجودة فعلًا.
ورغم قسوة هذه المشاعر، فإنها ليست دائمة، ويمكن التعامل معها من خلال تدخلات علاجية مناسبة.

#لماذا تظهر الأفكار الانتحارية؟

-تتداخل عدة عوامل في ظهور هذه الأفكار، من بينها:

* اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب الجسيم واضطراب ثنائي القطب والفصام والقلق الشديد واضطراب ما بعد الصدمة
* ضغوط حياتية شديدة
* عوامل بيولوجية تؤثر على كيمياء المخ
* تعاطي المواد المخدرة

وتابعت د. آلاء زايد، استشاري الطب النفسي:"الأفكار الانتحارية ليست قرار مفاجئ لكنها نتيجة تراكمات وضغوط مع غياب العلاج أو الدعم".


#ومن أكثر الأسئلة إثارة للجدل:هل الأدوية النفسية قد تسبب الانتحار؟

-في بعض الحالات، خاصة في بداية العلاج، قد يحدث تحسن في النشاط قبل تحسن المزاج، وهو ما قد يزيد الخطورة مؤقتا لدى نسبة محدودة من المرضى.

لكن في المقابل:* الأدوية النفسية تقلل خطر الانتحار على المدى الطويل
* المتابعة الطبية تقلل أي مخاطر محتملة

وأكدت د. آلاء زايد، استشاري الطب النفسي:"المشكلة ليست في الدواء… المشكلة في استخدامه بدون متابعة. العلاج الدوائي عندما يُستخدم بشكل صحيح، يكون جزء أساسي من الحماية، لا الخطر."

#كيف يتم العلاج؟

-العلاج يعتمد على خطة متكاملة تناسب كل حالة.

أولًا: العلاج الدوائي

يشمل مضادات الاكتئاب، مثبتات المزاج، وغيرها حسب التشخيص.

وذكرت د. آلاء زايد، استشاري الطب النفسي:"ليس هدف الدواء إنه يغير شخصية المريض، لكن يساعده يرجع لتوازنه الطبيعي ويقدر يفكر بشكل أوضح."

ثانيًا: العلاج النفسي عنصر أساسي، ويساعد المريض على:

* فهم مشاعره
* تعديل أفكاره
* التعامل مع الضغوط

وتضيف د.آلاء زايد :"العلاج النفسي يعطي مساحة آمنة… المريض فيها يقدر يتكلم بدون خوف أو حكم، وهذا في حد ذاته جزء مهم من العلاج."

ثالثًا: جلسات تنظيم إيقاع المخ
(Electroconvulsive Therapy)

تُستخدم في الحالات الشديدة، وتتميز بسرعة تأثيرها.
* تتم تحت تخدير كلي
* تساعد على إعادة تنظيم النشاط في المخ

وأوضحت استشاري الطب النفسي:"جلسات تنظيم إيقاع المخ من أكثر العلاجات فاعلية في الحالات الشديدة، خصوصًا عندما يكون هناك خطر عالي أو عدم استجابة للعلاج الدوائي."

رابعًا: جلسات التحفيز المغناطيسي على المخ
(Transcranial Magnetic Stimulation)

-تقنية حديثة تُستخدم في حالات الاكتئاب المقاوم للعلاج.

* لا تحتاج إلى تخدير
* آثارها الجانبية محدودة

وأضافت د آلاء زايد:"التحفيز المغناطيسي يوفر خيار آمن وفعال لكثير من المرضى، خصوصا من لم يستجيبوا بشكل كافي للعلاج الدوائي."

#قبل فوات الأوان…
وتختتم د. آلاء زايد، استشاري الطب النفسي حديثها للموقع ، قائلة :
"حتى في أصعب لحظة ..هذه الأفكار قابلة للتغيير. المهم إن المريض ما يواجهش ده لوحده.”

**رسالة أخيرة:إذا كنت أنت أو شخص تعرفه يمر بأفكار انتحارية:

* لا تبقَ وحدك
* تحدث مع شخص تثق به
* اطلب المساعدة من متخصص في الطب النفسي
لأن لحظة واحدة من الدعم… قد تغير كل شيء.


ورغم بريق الأمل في التعافي ..للأسف، كتيرون يتأخرون في طلب المساعدة بسبب الخجل، أو الخوف من الوصمة المجتمعية،وكل يوم تأخير يعني معاناة أكتر… وتشخيص أصعب و علاج لمدة أطول

*خدمات الخط الساخن للصحة النفسية مجانا

وتعقيبا على الموضوع أكد الدكتور أيمن عباس، رئيس الإدارة المركزية للصحة النفسية بوزارة الصحة، أن الخط الساخن للصحة النفسية " 16328" يقدم منذ انطلاقه في 2015، خدماته مجانا .
ولفت إلى تنوع الخدمات الطبية المقدمة عبر هذا المسار، موضحا أن مكالمات الخط الساخن تشمل مترددين يبحثون عن معلومات تتعلق بالعيادات التخصصية داخل مستشفيات الأمانة العامة للصحة النفسية، ولا تقتصر فقط على طلب الاستشارات النفسية.

وأضاف د.عباس خلال تصريحات إعلامية أن بعض الزائرين يسألون عن جلسات علاجية لأمراض نفسية، من خلال الاستفسار عن أماكن تقديمها، مشيرا لإمكانية التعامل مع بعض الحالات بشكل مباشر عبر تقديم جلسة علاجية هاتفية أثناء المكالمة.

وذكر أن فترة جائحة كورونا مثلت "بداية القوة الفعلية والكاملة" لفعالية وطبيعة عمل الخط الساخن،و أن الإقامة في المنازل خلال الجائحة رفعت نسبة الاحتياج لتقديم خدمات الدعم النفسي. موضحا أن الإحصائيات في 2020 و2021، تشير إلى أن متوسط عدد المترددين لخدمات الخط الساخن يتراوح ما بين 6 آلاف إلى 7 آلاف متردد سنويا تقريبا.

وأكد أن خدمات الخط الساخن تتطور باستمرار ومتاحة للجميع . ونتمنى السلامة والصحة النفسية للجميع.

د.هند بدارى

د.هند بدارى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مؤتمر الاعلام

المزيد من تحقيقات وحوارات

ضحايا "الأزمات النفسية ".. كيف ننقذهم قبل فوات الأوان؟

ضياع العمر في لحظة .. يأس .. اكتئاب حاد .. انهيار عصبي .. ضغوط .. مشاكل .. هكذا رصدنا عدة...

بعد التتويج بذهبيتي إفريقيا لسيف المبارزة.. "أخبار مصر" يحاور البطل يوسف عيسى

إنجاز رياضي جديد بعكس نجاح منظومة إعداد اللاعبين وتأهيلهم للمنافسة على أعلى المستويات القارية في رياضة المبارزة. .حققه الطالب يوسف...

المعادلة الصحية بين وجبات "شم النسيم" وأدوية الأمراض المزمنة

المعادلة الصعبة بين وجبات "الرنجة والفسيخ والبيض الملون" وبين مفعول بعض الأدوية تحدي يؤرق كثيرا من أصحاب الأمراض المزمنة في...

موجات التقلبات الجوية .. في قراءة علمية

تقلبات مفاجئة في الطقس تتكرر من حين لآخر خلال فصل الربيع مابين الشتاء والصيف وتثير علامات استفهام حول مدى تغير...