جينات رفيق السكن قد تشكل بكتيريا أمعائك

تشير دراسة علمية حديثة إلى أن تركيبة بكتيريا الأمعاء لا تتأثر فقط بجينات الفرد نفسه، بل قد تتأثر أيضا بجينات الأشخاص الذين يشاركونه السكن، فقد أظهر باحثون من خلال دراسة واسعة على الجرذان، أن بعض الجينات تعزز نمو ميكروبات معينة في الأمعاء، وهذه الميكروبات يمكن أن تنتقل اجتماعيا بين الأفراد الذين يعيشون معا، لتؤثر في صحة الآخرين دون انتقال أي مادة وراثية بينهم.

الدراسة التي نشرت في مجلة Nature Communications، أجريت بقيادة باحثين من مركز التنظيم الجينومي، وخلصت إلى أن الميكروبيوم المعوي يتشكل بفعل مزيج من العوامل الوراثية الفردية والعوامل الوراثية غير المباشرة القادمة من الشركاء الاجتماعيين، وبحسب النتائج فإن احتساب هذا التشارك الميكروبي الاجتماعي يكشف أن التأثير الوراثي على الميكروبيوم أقوى بكثير مما كان يعتقد سابقا.

اعتمد الباحثون على تحليل بيانات أكثر من أربعة آلاف جرذ، ووجدوا أن بعض الميكروبات المعوية الودية يمكن أن تنتقل بين الأفراد عبر الاحتكاك القريب، ورغم أن الجينات نفسها لا تنتقل، فإن الميكروبات تفعل ذلك، حاملة معها آثار التأثير الوراثي.

وتوضح الدكتورة أميلي بود الباحثة في مركز التنظيم الجينومي والمؤلفة الرئيسية للدراسة، أن الأمر ليس سحرا، بل نتيجة لانسكاب التأثيرات الجينية عبر التفاعل الاجتماعي، إذ تساهم الجينات في تشكيل الميكروبيوم ليس لدى الفرد فقط، بل لدى من يعيشون معه أيضا.

يتكون الميكروبيوم المعوي من تريليونات الكائنات الدقيقة التي تعيش في الجهاز الهضمي، وتؤدي أدوارا أساسية في الهضم والمناعة والصحة العامة. ورغم أن النظام الغذائي والأدوية معروفان بتأثيرهما القوي في هذه المجتمعات الميكروبية، فإن تحديد الدور الدقيق للجينات ظل أمرا معقدا.

ففي البشر لم يربط بشكل موثوق سوى جينين فقط ببكتيريا الأمعاء، هما جين اللاكتاز المرتبط بهضم الحليب، وجين فصيلة الدم ABO، مع بقاء آليات التأثير غير واضحة تماما.

وللتغلب على تداخل العوامل الوراثية والبيئية في حياة البشر اليومية لجأ الباحثون إلى نموذج الجرذان التي يمكن تربيتها في ظروف شديدة الضبط مع نظم غذائية متطابقة، تعاون في هذا العمل باحثون من مركز التنظيم الجينومي وجامعة كاليفورنيا في سان دييجو، حيث قسمت الجرذان إلى أربع مجموعات ربيت في مرافق مختلفة داخل الولايات المتحدة، ما سمح باختبار ثبات التأثيرات الوراثية عبر بيئات متنوعة.

من خلال دمج البيانات الجينية مع تحاليل الميكروبيوم، حدد الفريق ثلاث مناطق جينية أثرت باستمرار في بكتيريا الأمعاء عبر جميع المجموعات، وكان أقوى ارتباط لجين يدعى St6galnac1، المسؤول عن إضافة جزيئات سكرية إلى المخاط المبطن للأمعاء، والذي ارتبط بزيادة بكتيريا Paraprevotella القادرة على التغذي على هذه السكريات، كما كشف عن منطقتين جينيتين أخريين مرتبطتين ببكتيريا من مجموعتي Firmicutes وMuribaculaceae.

وللمرة الأولى تمكن الباحثون من تقدير مقدار ما تشكله جينات الفرد مقارنة بجينات شركائه الاجتماعيين في تكوين الميكروبيوم، ووجدوا أن بعض أنواع بكتيريا Muribaculaceae تتأثر بتأثيرات وراثية مباشرة وغير مباشرة، ما يدل على أن بعض التأثيرات الجينية يمكن أن تنتقل اجتماعيا عبر تبادل الميكروبات، وعند إدخال هذه التأثيرات غير المباشرة في النماذج الإحصائية، ازداد تقدير التأثير الوراثي بمقدار يتراوح بين أربعة وثمانية أضعاف.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تكون مجرد بداية، إذ من المرجح أن تتأثر أنواع ميكروبية أخرى بآليات مماثلة لم تكتشف بعد، وإذا ثبت وجود هذه الظاهرة لدى البشر، فإن التأثير الوراثي على الصحة قد يكون مقدرا بأقل من حجمه الحقيقي في الدراسات السكانية، لأن الجينات قد تؤثر في خطر المرض ليس فقط لدى حاملها، بل لدى من يحيطون به أيضا عبر الميكروبيوم المشترك.

وتشير الدراسة إلى أن فهم هذه الآليات قد يفتح آفاقا جديدة لفهم العلاقة بين الجينات والميكروبيوم والصحة، خاصة أن بكتيريا الأمعاء ارتبطت بوظائف مناعية واستقلابية وسلوكية متعددة، كما قد تساعد النماذج الحيوانية المضبوطة على الانتقال من مجرد الارتباطات الإحصائية إلى تفسير بيولوجي قابل للاختبار لكيفية تفاعل الجينات والميكروبات في التأثير على الصحة.

Katen Doe

داليا رشوان

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

بكتيريا
بكيتريا
مضاد
فاكهة

المزيد من علوم وتكنولوجيا

مصر تشارك في اجتماع مجلس إدارة اللجنة الدولية لاستكشاف البحر المتوسط بباريس

شاركت الدكتورة عبير أحمد منير، رئيس المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، في اجتماع مجلس إدارة اللجنة الدولية لاستكشاف البحر المتوسط...

فريق من العلماء يحدد حالة الخلايا السرطانية المحورية التي تقود نمو السرطان

كشفت دراسة جديدة نشرت مؤخرا في مجلة "نيتشر" أن فريقا تعاونيا من العلماء الصينيين والأمريكيين حدد مجموعة محددة من الخلايا...

الدول الأوروبية تعزز التزامها بتوفير 100 جيجاواط من طاقة الرياح

ذكرت مجلة "جلوبال بانكيكنج آند فاينانس ريفيو" البريطانية المالية الدولية، اليوم الإثنين، أن بريطانيا وألمانيا والدنمارك، إضافة إلى بعض الدول...

نقل الكهرباء لاسلكيا يفتح آفاقا جديدة للعالم

أجرى باحثون في فنلندا تجربة لأنظمة قادرة على نقل الكهرباء عبر الهواء دون الحاجة إلى كابلات، أو مقابس، أو حتى...