السياسي الناجح يجب أن يكون صاحب لمسة فنية ، صاحب خيال ، يجعله يفكر نحو المستقبل ، سابقا عصره ، ومن ثم تأتي قراراته صادمة ، حتى يمضي بعض الوقت ليستوعبها معاصروه ، وهو ما كانت تتسم به قرارات الرئيس السادات ، فمن كان يخطر بباله أن يقتحم عرين الغاشم الإسرائيلي ويخاطبه فى عقر داره ، فارضا عليه خيار السلام ، بعد أن فرض عليه خيار الحرب ، وانتصر فى كلا الاختيارين ، لأنه كان فنانا صاحب خيال ، لأنه لو كان سياسيا تقليديا ، لما جرؤ على الحرب وجيش إسرائيل يتقدم فى تسليحه على جيش مصر بعشر خطوات ، كما أنه لو لم يكن فنانا صاحب خيال ما جرؤ أن يعرض السلام على زعيم متطرف كمناحم بيجين يداه ملطخة بدم الفلسطينيين ، ولكن السادات كان يسابق الزمن بفكره قبل عمله ، وقد تعجب الكاتب الكبير أحمد بهاء فى حواراته مع السادات حينما قال له أن لا توجد سوى قوة كبري فى العالم هي أمريكا، بينما كان الاتحاد السوفييتي فى السبعينات من القرن الماضي لا يزال فى أوج قوته قبل سقوطه فى التسعينات ، فكأن السادات يقرأ بكف المستقبل ..
لم يكن الرئيس محمد أنور السادات مبدعا فقط فى قراراته فى الحرب والسلام ، ولكنه كان مبدعا أيضا ككاتب مقال ، له أكثر من كتاب ، كما كان يكتب القصة ، والنقد الفني ، فضلا عن هوايته المبكرة للتمثيل والغناء ، وتلاوته للقرآن الكريم بصوت جميل – كما يحكي القارئ أحمد نعينع الذى كان يرافقه فى رمضان بوادي الراحة بسيناء – ولكن الجديد أنه كان أيضا يكتب الشعر ، كما يروي لنا الأديب والناقد فتحي سلامة ، فقد كلفه مجلس إدارة " اتحاد الكتاب " للذهاب إلى مكتب رئيس الجمهورية لعرض البطاقة الخاصة لسيادته لاختياره رئيسا شرفيا لاتحاد الكتاب ، ولأن فتحي سلامة كان يعمل تحت رئاسة السادات بجريدة " الجمهورية " التى كان رئيسا لمجلس إدارتها ، فقد قابله بترحاب شديد، وقال له إنه كان يتمني أن يكون كاتبا وأديبا، وأنه كان ينشر الشعر فى مجلة كان يرأس تحريرها الشاعر مصطفي عبد الرحمن .
وقد بحثنا عن هذه المجلة فوجدنا أن اسمها " المصانع الحربية " ، وليس لها أثر فى " دار الكتب " ، ولكن الشاعر مصطفي عبد الرحمن نفسه أورد نص قصيدة السادات وتاريخ نشرها فى عدد ديسمبر 1956 بمناسبة معركة القناة ، وقد منح هذا العدد من المجلة "ميدالية الإنتاج الفني والأدبي" عن معركة بورسعيد من المجلس الأعلى للفنون والآداب ، وذلك للمشاركة الفعالة فى تعبئة الشعور القومي ضد المعتدين الغاصبين .
عرضنا ما كتبه السادات على مبدعي الشعر ونقاده ، دون أن نسمي صاحبه تلمسا لحيادية الحكم .. سألناهم – فى حينه فقد ذهب بعضهم إلى رحاب الله – فكانت إجاباتهم :
فاروق شوشة : أرى فيها خواطر نثرية ، أو مقالا مكتوبا بلغة أدبية .
محمد إبراهيم أبو سنة : خواطر خطابية تتراوح بين اللغة الصحفية والأدبية من وحي اللحظة ، وهي أقرب إلى الشعارات – ولما عرف صاحبها قال : وتستمد هذه الوثيقة أهميتها من قائلها .
فارس خضر : خطاب فيه بعض لمسات أدبية قديمة ، وبعض الجمل الموزونة ، وسطور فيها بعض البلاغة .
أما النقاد فكان رأيهم :
خيري شلبي : خطاب سياسي يدخل فى باب أدب الرسائل ، وقيمته أن صاحبه يجيد صياغة الخطاب السياسي بلغة وروح الجماعة، لإقناعها والتأثير فيها .
د. محمد عبد المطلب: لا أجد فيها إلا رسالة سياسية بلغة عادية وأسلوب مباشر وأفكار واضحة شفافة .
د. ماهر شفيق فريد : أدب سياسي مثل الذى كان يكتبه عبد الرحمن الشرقاوي ، فهي قطعة نثرية بها بعض عبارات موزونة تطمح لمكانة الشعر .
***
ولنقرأ ما كتبه السادات فى هذه الفترة المبكرة ، التى تكشف عن أن فكرة " السلام " كانت لديه منذ وقت طويل ، وأنه كان يطمح إلى أن يكون هو الرجل الذي يحمل مشعل السلام كما يتضح من عنوان القطعة التى كتبها : " من رجل السلام .. إلى أخي فى الشرق " .
أخي فى الشرق ..
فى الهند وفى الصين ..
وأندونيسيا ..
وفى بورما والملايو ..
وفى سيلان والأفغان ..
وإيران وباكستان ..
أكتب إليك هذه الكلمات يا أخي ..
وأنا جالس على ضفة القناة ..
إنني اليوم فى أجازة ..
وقد قدمت إلى هذا المكان لأنشد الراحة ..
إنه مكان حبيب إلى قلبك بقدر ..
ما هو حبيب إلى قلبي ..
والسلام يرفرف هنا ..
على ضفاف القناة ..
إن مصر كلها تحرس القناة ..
فهي الطريق إليك يا أخي ..
إنني أحمل السلاح وأنا فى الأجازة ..
لكي أؤمن الطريق إليك ..
ولكي يظل السلام ..
يرفرف على ضفة القناة ..
وهم يريدون الحرب ..
لقد عرفتهم يا أخي ..
وعرفتهم أرضك المقدسة فى الصين ..
أشرارا وأنجاسا ..
وعرفتهم جبالك ووديانك السمحة فى أندونيسيا ..
لصوص الأرض والمال ..
وخبرتهم أرضك الوادعة فى الهند ..
وكم سلبوك من مال ..
وقاتلتهم جبالك وفرسانك فى الأفغان ..
وضاقت بهم الأنهار والأدغال فى بورما ..
وقد سرقوك أجيالا ..
فى مصر بلوناهم ..
طردناهم ..
وإن عادوا شفينا الغل ..
للأحرار فى الهند ..
وللأحرار فى الصين ..
سنسقيهم بسقياهم ..
لكي نؤمن الطريق إليك يا أخي ..
ولكي يظل السلام .. يرفرف على ضفاف القناة .
أنور السادات
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...