سمير الفيل: الجوائز «طبطبة» على كتـف المبدع

السرد يسعفنى بتفصيلات أكثر .. ويجعلنى أضع قدمى بثبات على أرض الواقع/ تعرفت على عبدالرحمن الأبنودى خلال حرب الاستنزاف/ جعلنا المقهى يتنفس فنًا ومسرحًا وإبداعًا أدبيًا

تمثل تجربة الكاتب سمير الفيل حالة خاصة، فهو يعمل ويعيش فى دمياط، بعيدا عن صخب العاصمة. كتب الشعر والرواية، والدراسة النقدية، وقدمت له عروض مسرحية منذ المهرجان الأول لنوادى المسرح 1990، منها "غنوة للكاكى"، و"كلوا بامية"، "إطار الليل"، كما قدم عروضا مسرحية للطفل، شارك فى جمع عناصر التراث اللامادى لمنظمة اليونسكو 2011 ـ 2013. واتجه لرصد التحولات الاجتماعية فى مصر المعاصرة عبر 25 مجموعة قصصية منذ عام 2001. حصل مؤخرا على جائزة "الملتقى" للقصة القصيرة العربية التى تنظمها جامعة الشرق الأوسط الأمريكية بالكويت، كأول كاتب مصرى يحصل عليها. عن الجائزة ومسيرته الإبداعية كان  لنا معه هذا الحوار.

فازت مجموعتك القصصية "دمى حزينة" بجائزة "الملتقى" للقصة القصيرة العربية التى تنظمها جامعة الشرق الأوسط الأمريكية بالكويت.. ما ظروف كتابتها؟

"دمى حزينة" هى المجموعة الثالثة والعشرون فى مسيرتى القصصية، صدر بعدها مجموعتان هما: "ذئاب مارقة "، و"شارع التبليطة". أغلب نصوص تلك المجموعة كتبت فى المرحلة الأخيرة التى حاولت فيها رصد التحولات الاجتماعية فى المجتمع المصرى، وفيها قراءة دقيقة للواقع حيث تأملت الحياة فى تقلباتها والمصائر فى تبدلاتها، وأسجل ذلك بروح من يستوعب فكرة الصراع القائم فى مجتمع يهتم بالمادة، وبالرغم من التعثرات التى تجرح الشخصيات فى تخبطها فهى ترنو للصفاء، غير أنها تسقط فى هوة الضعف نتيجة الضغوط الواقعة عليها. هذا ما سجلته من قبل فى مجموعات: "أتوبيس خط 77"، و"حذاء بنفسجى بشرائط ذهبية"، و"فك الضفيرة"، غير أن نصوص "دمى حزينة" تميزت باللماحية والتكثيف واللعب الفنى الحميد، اللقطة السريعة المعبرة دون استغراق فى التفصيلات.

 هل الجوائز تدل على القيمة الأدبية؟

نلت جوائز كثيرة منذ أمسكت بالقلم عام 1968 وحتى الآن. الجوائز ليست معيار قيمة، لكنها تشير بشكل أو بآخر إلى مسار سردى يحظى بالقبول من لجنة تحكيم لها ذائقتها. لو أن الكاتب اقتنع بوصوله إلى الذروة فسيهبط حتما إلى منحدرات لا يقبلها أحد. أعتبر الجائزة تربيتا على الكتف، ثم على الكاتب أن يكمل المشوار، فيجود أدواته ويراجعها ترقبا للأفضل. فى جائزة "الملتقى" كانت المنافسة على أشدها، والأعمال التى وصلت إلى القائمة الطويلة، أغلبها جدير بالفوز، أما فى القائمة القصيرة فهى مسألة اختيار من الجيد دقيقة، ولاشك أن مداولات لجنة التحكيم شهدت جدلا خلاقا. وكان الكاتب الكبير طالب الرفاعى، رئيس الجائزة، محايدا وموضوعيا، يعطى لجنة التحكيم كل الصلاحيات لاختيار مجموعة قصصية تجمع الرسوخ والتجريب فى آن واحد.

 كنت تكتب الشعر وتجاور فى أمسيات معرض الكتاب: صلاح جاهين وسيد حجاب والأبنودى وصلاح الراوى ومحمد كشيك.. ما ذكرياتك عنهم؟

حضرت ندوات عديدة بمعرض القاهرة الدولى للكتاب، حيث كانت تقدم أمسية تخص شعر العامية، وجاورت فيها عبد الرحمن الأبنودى الذى تعرفت عليه خلال حرب الاستنزاف (1969ـ 1970) كنت أزوره بشقته بباب اللوق. تأخرت معرفتى بسيد حجاب حتى 1974، وكنت أزوره فى سكنه، وهناك التقيت ماجد يوسف واستضافنى مرات خلال فترة الأساس بثكنات المعادى، وهو شخصية إنسانية فى المقام الأول.  فى آخر ندوة قبل رحيله، تحدثت مع صلاح جاهين، كان هو نجم اللقاء، وكانت تبدو على وجهه مسحة حزن واضحة. أما محمد كشيك وأمين فؤاد حداد وعمرو حسنى وعمر الصاوى، فهم الأقرب إلى جيلى، قبل اتجاهى كليا للسرد.

 ما دور الدكتور عبد القادر القط معك؟

ـ أرسلت إلى الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد قصة عنوانها "الساتر" للنشر فى مجلة "الثقافة الجديدة" وكانت وقتها غير منتظمة الصدور، قرأها وأعجــــب بهـــا، وحملهـــا للدكتــور عبد القادر القط؛ فنشرها فى عدد فبراير 1983 بمجلة "إبداع". بعدها كنت أرسل قصصى بطابع البريد فينشرها دون أن يقابلنى. تحققت المقابلة عام 1990 حين قابلته مع الدكتور مصطفى الشكعة فى مطار القاهرة الدولى حيث كنت مدعوا معه لمهرجان العقاد الدولى بأسوان. أما عبد الله خيرت ـ مدير تحرير نفس المجلة ـ فقد قابلته فى السعودية، حيث كان يعمل بإحدى مطبوعاتها وكنت معارا كمدرس بالدمام، وهناك تمتنت أواصر الصداقة بيننا، وكان معنا الدكتور محمد نجيب التلاوى وأحمد سماحة. فى نفس التوقيت قابلت الروائى عبدالوهاب الأسوانى، ومحمد مهران السيد، وكانا يعملان بمجلة "الشرق".

 ما الدور الثقافى للمقهى فى حياتك؟

فى منتصف الثمانينيات تقريبا، سافر عدد من الكتاب إلى القاهرة، وكان يجمعنا المقهى فى الأعياد فقط: محمد علوش، ومحمد الشربينى وأحمــــد عبد الــرازق أبو العلا ومجدى الجلاد وأنا. صار تقليدا راسخا جلسة ثانى يوم عيدى الفطر والأضحى فقط.  فى عام 2011 خرجت إلى التقاعد، وصار لدى فترة صباحية عليّ أن أشغلها بأمر نافع، فكانت جلستى فى مقهى "العيسوى" التى تحولت شيئا فشيئا إلى جلسة يومية، نقرأ فيها القصص والقصائد وفصولا من الروايات. واتسعت المنضدة لاستقبال الشباب الجدد، وأحيانا الكاتبات، لإلقاء الضوء النقدى على أعمالهم. وليس من قبيل المصادفة أن تصور القناة السادسة حلقتين من "عطر الأحباب" فى هذا المقهى الذى تحول إلى تجمع يومى للكتاب، حيث يأتينا من كل المدن القريبة من يزورنا فنناقش أعماله، أتصور أننا استخدمنا المكان فى عمل مفيد هو فعل المثاقفة، وصار المقهى الشعبى يتنفس فنا ومسرحا وإبداعا أدبيا.

لا ندعى الكمال، لكننا رأينا وفى اتفاق غير مكتوب، أن نجعل جلستنا اليومية لقراءة الأعمال الأدبية، فلو أن صديقا وقعت فى يده مجموعة قصص لمورافيا فعليه أن يختار لنا ثلاثة نصوص ويلقى الضوء عليها. نفس الشىء نفعله فى الشعر: صلاح عبد الصبور، السياب، البياتى، البردونى. وننتقل فى يوم تال للحديث عــن مســرح عبد الرحمن الشرقاوى، صلاح عبد الصبور، توفيق الحكيم. أذكر أننا قدمنا "مبادرة فى حب نجيب محفوظ"، قدم فيها ناصر البشوتى أعمالا لمسرحيين كبار.

 من كتابك المفضلون؟

فى البدايات افتتنت بتشيخوف، والعبقرى ديستوفيسكى، ومكسيم جوكى وتورغنيف، ثم وقعت على مجموعة كتاب أرشدونى لطرائق مختلفة فى الكتابة: وليم فوكنر، نيقوس كازنتزاكى، محمد ديب، الطيب صالح، إبراهيم الكونى، وسليم بركات، أيضا حنا مينا ونبيل سليمان. من جيل الستينيات: صبرى موسى، والعظيم الأب يحيى حقى، عبد الحكيم قاسم، والفذ نجيب محفوظ الذى يذكرك بالمراحل التى مر بها بيكاسو: الزرقاء، الوردية، التكعيبية، وهكذا.. وهناك المعاصرون الذين حققوا جمالا لافتا، مثل: بهاء طاهر، جمال الغيطانى، محمود عوض عبد العال، سعيد الكفراوى، المنسى قنديل، وجار النبى الحلو، ومحسن يونس، ويحيى الطاهر عبد الله، ومحمد الراوى، محمود الوردانى. أما محمد المخزنجى منذ "رشق السكين" فهو حالة غير مسبوقة.

الجيل التالى يكتب بعمق واختلاف وأسرار جوانية، مثل: محمد إبراهيم طه، عادل عصمت، وأشرف العشـــماوى. والمجـــــددون: طارق إمـــام، محمـــد عبد النبى، حســن عبد الموجود، ياسر عبد الحافظ، نورا ناجى، شريف صالح، محمد بركة، ومن جلساء المقهى: فكرى داود وحلمى ياسين، وعزت الخضرى، كما تتواجد كاتبات تعرفنا عليهن من نادى الأدب: دعاء البطراوى، وهبة عادل، ومها الخواجة، وعابد المصرى، ودعاء زيان، والأخير حصل على جائزة معرض القاهرة للكتاب عن مجموعته "وردة واحدة كانت تكفى"، التى كتبت له مقدمتها.

 خضت تجربة الكتابة عن "الحرب" فما الذى دفعك لهذه التجربة الإبداعية؟

جندت فى الكتيبة 16 مشاة بعد عام واحد من انتهاء الحرب، وتنقلنا بين سرابيوم والدفرسوار، وزاملت من خاضوا الحرب، منهم تعرفت على حكايات لا سقف لها. دونت ذلك فى ثلاث مجموعات هى: "خوذة ونورس وحيد"، و"شمال.. يمين"، و"كيف يحارب الجندى بلا خوذة؟" إضافة إلى روايتين: "رجال وشظايا" و"وميض تلك الجبهة"، والرواية الأخيرة كتب عنها سيد الوكيل دراسة فى غاية العمق، وهو كاتب له تجربة عريضة فى الفعل الثقافى، وهو دور يقوم به فى منتهى الإخلاص، ويوجد أيضا الناقد شوقى عبدالحميد، ومن الإسكندرية شوقى بدر يوسف. ومن الأكاديميين: حسين حمودة، وخيرى دومة، وهيثم الحاج على، واعتدال عثمان. كل من ذكرتهم له عطاء نقدى جدير بالتحية والتقدير.

 ما سر تحولك من الشعر للسرد؟

ـ بدأت شاعرا لأن الفعل كان للمقاومة، بعد اجتياز عنق الزجاجة، والتوجه للانفتاح توجهت للسرد، ربما لأن قماشة السرد تسعفنى بتفصيلات أكثر، كما أننى خلالها أضع قدمى بثبات على أرض الواقع. فى السرد مساحة لتجريب أدواتك الفنية، لأذكر على سبيل المثال أول قصة كتبتها عام 1974 بعنوان "فى البدء كانت طيبة"، اشتغلت على البرديات الفرعونية التى قرأتها فى كتاب "مصر القديمة" لسليم حسن، وفى قصة "سقط فى الثانية صباحا" استعنت بفكرة الأصوات المتجاورة التى تشكل "موزاييك"، وفى مرحلة تالية كتبت "ليمون مر" عن محارب يسترجع أحداث الميدان بعد مرور 40 عاما من توقف القتال، وهكذا.

 قلت إن كتابا كبارا وقفوا إلى جوارك فى بداية ظهورك.. فما الذى تذكره عن تلك الفترة، وكيف تفعلون الأمر نفسه مع الأجيال الشابة حاليا؟

فى بداياتى قدمنى محمد النبوى سلامة فى مقهى شعبى بحضور اللواء صلاح مجاهد، بعدها بأشهر قليلة عرفنى أنيس البياع على صديقه الأبنودى الذى قدمنى فى "كفر البطيخ" وكان يصحبنا الفنان إبراهيم رجب بعوده، يدندن "يا بيوت السويس". السيد الجنيدى ظهر وهو شاب أزهرى كان يضارع الأبنودى قادما من قرية "شط الملح" لتجديد دم قصيدة العامية، استقر بالقاهرة ولم يواصل رحلة الكتابة. نفس ما حدث مع محمد علوش الذى توقف عن كتابة الشعر، لكنه تحول إلى عراب الحداثة، وقام بمهمة تعليم الشباب كيفية القراءة بدلا من تضييع العمر فى قراءة كتب متناقضة. هذا دور مهم جدا قام به علوش فى دمياط وإلى حد ما فى الإسماعيلية خلال فترة امتحانات الثانوية العامة. الآن، فكرى داود وحلمى ياسين وصلاح بدران يقومون بالأمر نفسه مع الكتاب الجدد، وهو دور حيوى وهام للغاية. كما يوجد لدينا مختبر السرديات ويشرف عليه صلاح مصباح، ناقشنا فيه كتابات لمبدعات ومبدعين، مثل: دكتور شريف صالح، رشا عبادة، ضحى عاصى، محمد إبراهيم طه، شاهيناز الفقى، إنجى مطاوع، جيهان عوض البنا، عبير عبدالجليل، وفى تصورى أن دوائر التثقيف يكمل بعضها بعضا؛ حيث لا صراع بل اتجاه للتكامل. وظهرت قامات نقدية مميزة منها على سبيل المثال: محمد طاهر عشعش، دعاء البطراوى، هبة عادل السويسى، محمد بربر، وغيرهم. وهناك صالون التوارجى الثقافى بدمياط الجديدة، ويعقد مرة آخر كل شهر، واستضاف كثيرين، مثل: طلعت الشايب، ود.أحمد مستجير، وسلوى بكر، ومحمد عبــــلة، وعبد الوهــاب عبد المحسن، ود. فتحى الخميسى، وشاهندة مقلد، وأبوالعلا السلامونى، عزت القمحاوى، ومن رواده الكبار: د.عيد صالح، ود. ماهر القشاوى، ود. إبراهيم منصور، عايدة جبر، وغيرهم.

 ما الأعمال التى أنت بصدد نشرها الآن؟

يوجد لدىّ 3 مجموعات قصصية تحت الطبع، أحتاج لدار نشر مرموقة، المجموعات هى: "أرصفة قديمة"، و"ملح على المائدة"، و"مناخوليا" والأخيرة ترصد المجانين فى مدينتى، وهم يتكاثرون وينشطرون غضبا ورعبا وفرارا من سنوات قادمة!

Katen Doe

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مركز مصر للمعارض والمؤتمرات
المترجمة خميلة الجندى
صلاح
صلاح
صلاح

المزيد من ثقافة

"وجوه على الطريق".. مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل

صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...


مقالات