حكايات الشاعر الراحل شوقى حجاب مـع الأبنودى وجاهين وسيد حجاب

الأبنودى قال لى ساخرا «دا جسم شاعر؟!»

رحل عن عالمنا الأسبوع الماضى الشاعر الكبير شوقى حجاب، الذى عاش حياته كنموذج فريد يجمع بين الشعر والكتابة والإخراج، إلى جانب كونه واحد من رواد الكتابة للطفل، فمن ينسى أعماله التى شكلت وجدان العديد من الأطفال ومازال الجميع يتذكرها.

العام قبل الماضي، وعقب حصوله على جائزة الدولة التقديرية، حاورته عن مسيرته مع الشعر والكتابة للأطفال، وتحدثت معه عن ذكرياته مع كبار الأدباء، وأهم المحطات فى حياته، وعن فوزه آنذاك بالجائزة التقديرية التى رأى أنها تأخرت كثيرا، وعن تقييمه لأدب الطفل فى مصر..

فى بداية حديثى معه، حكى "حجاب" عن تأثير والديه عليه؛ قال: كان  والدى على قدر عال من الثقافة، ومتمكن فى اللغة العربية وفن العروض الشعرى، وكان حريصا على تعليم لأبنائه، فكان يجمعنا فى الليل ويلقى أحدنا بيتا شعريا ويكمله الآخر ببيت شعرى من تأليفه على نفس الوزن والقافية، كما تأثرت أيضا بأمى، السيدة البسيطة التى كان لها قدرات هائلة على الحكى والتقليد، على إدارة منزل مكون من 9 أطفال، ودائما أقول إن سر نجاح أفراد عائلتنا يعود إلى أبى وأمى، وحرصهما على تربيتنا وتعليمنا على أكمل وجه، أما الطفولة بالنسبة لى كانت ثرية وملهمة جداً نتيجة البيئة التى تربيت فيها.

وعن علاقته بأسرته وأشقائه، وخاصة شقيقه الشاعر الكبير الراحل سيد حجاب، قال: فى الريف المصرى دائما نقول "الكبير كبير"، فالكبير هو الأهم، وإذا أخطأ أحدنا كانت أمى تقول لنا "لما أخوكم صلاح ييجى هاقول له"، رغم إن صلاح لم يرفع يده على أحد منا، ولم يكن قاسياً، ولكنه كان لنا الرمز والقدوة، وكان يتميز بشخصية قوية، وكان المثل الأعلى لى ولسيد حجاب أيضا، أما فيما يخص الفن والثقافة والشعر، فكان سيد الأقرب، رغم إنه كان أكبر منى بـ6 سنوات، ولكن بعيداً عن الأسرة، كان صلاح جاهين الأقرب لى صداقة وعملا.

وعن  أثر انتقاله من قريته الساحلية إلى القاهرة بشعرائها وأدبائها وعوالمها الصاخبة، قال: عندما جئت إلى القاهرة تعرفت على كبار المبدعين والشعراء مثل صلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودى وفؤاد حداد.. لكل منهم حكايات جميلة معى، فمثلا صلاح جاهين كان الأقرب وجدانياً لعالمى وأفكارى وخيالاتى، تعلمت منه الكثير، وأتذكر له موقفا لا أنساه، ففى عام 1966، وبعد اعتقال شقيقى سيد حجاب، كنت أشعر بالخجل من الحديث مع جاهين حتى لا يتورط معى، لأن فى ذلك الوقت كان أهالى وأقارب المعتقلين يلقون معاملة سيئة جداً، وفى كل مرة كنت أقابل جاهين يتحدث معى ويسأل عن أحوالى، وأنا أحاول أن أبتعد عنه حتى لا أحرجه، وفى يوم كنت متجها إلى منزلى بجوار مسرح الحكيم، ووجدت رجال الأمن حول المنزل، ووجدت بالصدفة صلاح جاهين وتوفيق الحكيم ومعهما اللجنة المركزية العليا للاتحاد الاشتراكى العربى بعد خروجهما من المسرح، فاختبأت وراء عمود حتى يمر، ولا أعرضه للحرج أمام الحكومة، فوجدته ترك كل هؤلاء ودخل وراء العمود، وكان فى يده عصا الحكيم التى كان مشهورا بها، ومسك العصا وكأنها بندقية، وقال لى "قفشتك. بتهرب منى يا مجرم"، فكان رجلا جميل لا يهتم بالسلطة ولا بالمناصب.

ويكمل: أما فؤاد حداد فكان بالنسبة لى المعلم الأكبر، وكنت دائما أنتظر رأيه فى أعمالى، وكنت أسمع كلامه وأتعلم منه. والأبنودى كان دمه خفيف جداً، وأتذكر أنه فى مرة دخل غرفتى وكنت أقف أمام المرآة، وكان نصف جسدى العلوى عارياً، وكنت وقتها نحيفا جداً، فنظر لى وقال "إيه ده؟ ده جسم شاعر؟"، فقلت له "وما المانع؟" وتركنى وخرج، وظللت شهرا أبحث عن مواصفات جسد الشاعر، فمثلا جاهين كان وزنه ممتلئا، وسيد حجاب متوسط الحجم، والأبنودى نحيلاً، إلى أن قابلته بعد ذلك وسألته عن قصده، فضحك وقال لى "كنت بهزر معاك".

**

وحول رفضه التعيين معيدا بمعهد السينما بعد تخرجه منه وعدم إكماله المسيرة العلمية، قال شوقى حجاب: بالفعل عينت معيدا فى معهد سينما، وكان لابد من الحضور يومياً من 9 صباحاً وحتى 2 ظهراً، وكان المرتب 21 جنيهاً، فرفضت هذا النظام وتمردت عليه، وكنت وقتها أعمل بالتلفزيون فى برنامج "عصافير الجنة" وكنت أحصل على 21 جنيهاً فى الأسبوع، إلى أن اتصل بى صديقى صلاح السقا، وكان مديرا لمسرح العرائس، وأقنعنى بالعمل فى المسرح فى وظيفة سكرتير أدبى، وبالفعل انتقلت إلى مسرح العرائس حتى وصلت لدرجة فنان قدير، بعد ذلك بفترة اتصل بى رئيس أكاديمية الفنون آنذاك الدكتور فوزى فهمى، وقال لى "يجب أن تسرع فى الحصول على رسالة الدكتوراه فجميع زملائك حصلوا عليها"، وبالفعل ذهبت وسجلت للحصول على درجة الماجستير ثم الدكتواره، وأثناء عودتى إلى المنزل فكرت وقلت: ماذا سأفعل بهذه الدرجة؟ وما الذى يمكن أن أنتظره منها؟ هل سأصبح رئيس الأكاديمية مثلا؟ وقلت أنا الآن معروف فى مجال الكتابة والإخراج ولا أحتاج أكثر من ذلك، بعدها بشهر تم تعيينى للعمل فى الأمم المتحدة، وحصلت هناك على دكتوراه فخرية عن مجمل أعمالى.

**

وعن خطوة الانتقال للعمل فى التلفزيون، التى مثلت مرحلة مهمة وفاصلة فى حياته، قال لى: عندما جئت القاهرة لم أكن حصلت على الثانوية العامة بعد، ولكن كان معى تراث كبير من الشعر والأغانى والأفكار والموهبة، ففى البداية ساعدنى صديقى الشاعر مجدى نجيب فى الكتابة لمجلات "ميكى" و"سمير"، وكانت تجربة ناجحة لى، بعد ذلك تعرفت على إبراهيم عبد الجليل، مسئول برامج الأطفال فى التلفزيون، وطلب منى أن أتقدم بمشروع جديد، فاقترحت فكرة برنامج "عصافير الجنة"، وقدمته معى أهم مذيعة فى التلفزيون وقتها سلوى حجازى، ونجح البرنامج بشكل كبير جداً، واستمر حتى توفت سلوى حجازى عام 1973، بعد ذلك رشحت نجوى إبراهيم لاستكماله ، وبدأت تقدم الشخصيات الشهيرة مثل "أرنوب" و"دبدوب" و"بقلظ"، وبعد عودتى من أمريكا قدمت مسلسل "كوكى كاك" التى شكلت ذكريات الكثيرين.

**

وحول تقييمه ورؤيته لأدب الطفل فى مصر، وأسباب أزمته، وكيفية النهوض به، بوصفه أحد رموز الكتابة للطفل، قال: أدب الطفل فى مصر يعانى بشكل كبير، فهناك قصور، خاصة بعد أن رفعت الدولة يدها عنه: ففى السابق كان هناك اهتمام كبير بالطفل من كل المسئولين، الآن الوضع اختلف، ورغم محاولة الكثيرين الكتابة للطفل، لكنهم لا يوفقون لأنهم لا يصلون إلى الطفل، وكم أتمنى من المسئولين الاهتمام بالطفل وإعادة التفكير فى إنشاء وزارة للطفل، ونطلق عليها وزارة المستقبل، ويكون دورها تطوير الجيل الجديد من الأطفال.

وعن فوزه بجائزة الدولة التقديرية آنذاك بعد مسيرة طويلة وممتدة مع الشعر والكتابة للطفل، قال: كنت أنتظر هذه الجائزة منذ وقت طويل، فقد تأخرت كثيراً. لم أطلب من أحد أن يرشحنى، ولكنى فوجئت أن ترشيحى جاء من اتحاد الكتاب، ورغم تكريمى على مدى السنوات السابقة من مستويات عدة، ولكن هذه المرة الأولى التى يتم تكريمى بشكل رسمى، لذلك أعتز جداً به.

Katen Doe

أميرة حمدى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

"وجوه على الطريق".. مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل

صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...


مقالات