في السنوات الأخيرة، تحولت العقوبات الاقتصادية إلى أحد أهم أدوات النفوذ العالمي، بعدما باتت الدول الكبرى تميل إلى استخدام الاقتصاد كساحة صراع بديلة عن المواجهة العسكرية المباشرة.
نهال الشافعي رئيس تحرير النشرة الفرنسية والموقع الإلكتروني بقناة النيل الدولية
ورغم ما تسببه هذه العقوبات من ضغوط هائلة على الاقتصادات المستهدفة، فإن التجارب الدولية الحديثة كشفت عن أن العقوبات— مهما بلغت شدتها— لا تسقط الدول بقدر ما تختبر قدرتها على التكيف، وتعري مكامن ضعفها، أو تكشف عن إمكاناتها الكامنة في إعادة البناء.
وهذا ما يجعل الدول النامية، سواء كانت معرضة للعقوبات أو متأثرة بشكل غير مباشر بتداعياتها العالمية، مطالبة برؤية جديدة تفهم من خلالها كيف تتحول الضغوط الاقتصادية إلى فرصة لتعزيز قدرة الدولة على الصمود والاستقلال الاقتصادي.
فالواقع يشير إلى أن العقوبات ليست نهاية الطريق كما يعتقد الكثيرون، بل هي بداية اختبار حقيقي لمدى مرونة النظم الاقتصادية وقدرة الحكومات على إدارة مواردها في لحظات الاضطراب.
الدول التي تملك قدرًا من الإنتاج المحلي، وبنية اقتصادية قادرة على إعادة التشكيل، تستطيع اجتياز موجات الحصار بإعادة ترتيب أولوياتها، وتطوير قنوات توريد موازية، وتوسيع شبكاتها التجارية بعيدًا عن المسارات التقليدية.
وهنا يصبح الصمود ليس نتيجة وفرة الموارد، بل حسن إدارتها، ووجود قيادة قادرة على اتخاذ قرارات اقتصادية جريئة لا تنتظر اللحظة الأخيرة.
وتأتي أهمية هذا التحليل بالنسبة للدول النامية، لأن العقوبات المفروضة على قوى كبرى أو اقتصادات ضخمة لا تبقى محصورة داخل حدود تلك الدول، بل تمتد آثارها إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، حيث ترتفع أسعار السلع الأساسية، وتتأثر أسواق الطاقة، وتتغير مسارات التمويل الدولي، وتتعرض العملات المحلية لضغوط متزايدة، وتتقلص قدرة الدول على الوصول للتكنولوجيا المتقدمة.
ومع توسع هذه الدائرة، تصبح دراسة العقوبات ليست خيارًا بحثيًا بل ضرورة استراتيجية تمس الأمن الاقتصادي للدول التي تعتمد على الاستيراد أو التمويل الخارجي أو التكنولوجيا المستوردة.
وتكشف التجارب العالمية أن الدرس الأول الذي ينبغي على الدول النامية استيعابه هو أن تنويع مصادر الدخل ليس رفاهية اقتصادية، بل ضمانة وطنية تحمي الدولة من تقلبات الخارج ومن أي أداة ضغط يمكن أن تستغل نقاط ضعفها الهيكلية. فالدولة التي تعتمد على قطاع واحد —مهما كان قويًا—تعرض نفسها لخطر التوقف عند أول هزة عالمية.
أما حين يصبح الاقتصاد متعددًا، يمتلك صناعة وزراعة وخدمات متوازنة وقاعدة إنتاجية حقيقية، فإن هامش المناورة يتسع، والقدرة على امتصاص الأزمات تصبح أكبر بكثير.
وفي السياق نفسه، بات من الضروري أن تبحث الدول النامية عن شراكات اقتصادية جديدة تتجاوز مراكز التمويل التقليدية وأسواق التصدير المعروفة.
ففي عالم تتحرك فيه موازين القوى بسرعة، لم تعد التجارة مقتصرة على محور واحد، ولم تعد أدوات الدفع تعتمد على عملة واحدة، ولم يعد التمويل الدولي محتكرًا من جهة واحدة.
كل ذلك يفتح الباب أمام الدول النامية لتشكيل شبكة اقتصادية أكثر تنوعًا، تعتمد على عملات محلية، وأسواق جديدة، وتكتلات صاعدة توفر لها مساحة أكبر للتحرك بعيدًا عن الضغوط السياسية والمالية.
ويبقى العنصر الأكثر حساسية هو التكنولوجيا.
فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن الدول التي تبني نماذجها الاقتصادية على التكنولوجيا المستوردة تظل معرضة للأزمات بمجرد فرض أي قيود تقنية أو إلكترونية عليها. أما الدول التي تستثمر في تكنولوجيتها الوطنية، وتمنح الجامعات ومراكز البحث القدرة على التطوير، وتبني صناعة المعرفة محليًا، فإنها تكتسب حماية استراتيجية حقيقية ضد أي حصار مالي أو تقني.
وفي خضم هذا كله، تظهر السياسة النقدية باعتبارها خط الدفاع الداخلي الأول. فالاقتصادات التي تتعامل بمرونة مع أسعار الصرف، وتبني احتياطيات نقدية متنوعة، وتضبط حركة رؤوس الأموال، وتواجه التضخم بإجراءات استباقية، تكون أكثر قدرة على التعامل مع العواصف المالية التي تصنعها العقوبات أو الاضطرابات العالمية. هذه السياسة ليست شأنًا تقنياً كما يظن البعض، بل مسألة أمن اقتصادي متصلة مباشرة بقدرة الدولة على حماية مواطنيها من الصدمات المفاجئة.
لكن كل ما سبق يفقد قيمته إذا لم تُدار الدولة بكفاءة وشفافية. فالفساد، وضعف الرقابة، وسوء إدارة الموارد، تمثل عوامل خطيرة قد تجعل أي عقوبات —even غير مباشرة— تتحول إلى أزمة وجودية.
الدولة التي تمتلك مؤسسات راسخة، ونظام إفصاح مالي واضح، ورقابة فعالة، وقدرة على التواصل مع المجتمع خلال الأزمات، هي الدولة التي يمكن أن تتحول فيها لحظات الضغط إلى دفعة لإعادة البناء بدلًا من الانهيار.
وأخيرًا، فإن الدول النامية لن تملك القدرة الفردية على مقاومة تقلبات النظام المالي العالمي ما لم تعمل ضمن منظومة إقليمية تتقاسم فيها الموارد، وتفتح التجارة البينية، وتبني أدوات تسوية مالية مشتركة، وصناديق دعم قادرة على حماية اقتصاداتها من الاضطرابات الخارجية.
فالعصر الحالي لا يحمي البلدان المتفرقة، بل يدعم التكتلات القوية التي تستطيع أن تتشارك في مواجهة التحديات.
إن خلاصة التجارب العالمية تقول بوضوح إن العقوبات، رغم قسوتها، ليست قدرًا محتومًا، ولا نهاية المطاف للدول النامية، بل يمكن أن تكون فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني وبناء منظومة أكثر قوة واستقلالًا.
فالدولة التي تستبق الأزمات قبل أن تقع، وتنوع اقتصادها قبل أن تُحاصَر، وتبني قدراتها التقنية قبل أن تُحجَب عنها التكنولوجيا، وتؤسس لبيئة حكيمة وشفافة، هي الدولة التي تمتلك قرارها، وتحمي مستقبلها، وتحوّل الأزمة إلى قوة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...
يتميز الإعلام الجديد أو الرقمي بالتحول الجذري في طبيعة الاتصال، إذ انتقل الجمهور من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الشريك...
"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...
لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...