العقوبات الاقتصادية… سلاح يضغط ولا يُسقط

كيف صمدت إيران وروسيا أمام الحصار ؟

تُعَدُّ العقوبات الاقتصادية إحدى أكثر أدوات السياسة الدولية استخدامًا في القرن الحادي والعشرين، حيث تُوظَّف كوسيلة ضغط لا تقل تأثيرًا عن القوة العسكرية المباشرة.

نهال الشافعى (رئيس تحرير النشرة الفرنسية والموقع الإلكتروني بقناة النيل الدولية)

غير أنّ فعاليتها ظلت دائمًا محل نقاش، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بدول تمتلك مقدرات استراتيجية أو بنى اقتصادية قادرة على امتصاص الصدمات.

وتقدّم التجربتان الإيرانية والروسية مثالين واضحين على حدود هذا السلاح، وعلى قدرة بعض الدول على تحييده أو إعادة توظيفه لصالحها في بعض الأحيان.

فعلى الرغم من العقوبات الأمريكية والدولية الممتدة منذ عقود، استطاعت إيران تطوير نموذج اقتصادي يعتمد على مزيج من الاكتفاء النسبي والتحايل التجاري وبناء شبكات بديلة للتبادل السلعي والمالي.

ورغم الخسائر الكبيرة التي مُني بها الاقتصاد الإيراني، من انخفاض عائدات النفط وتراجع الاحتياطيات وارتفاع نسب التضخم، ظلّت الدولة قادرة على الحفاظ على استقرار مؤسساتها الأساسية، بما في ذلك الوفاء بالالتزامات الحيوية مثل دفع الرواتب وتمويل منظومة الأمن والدفاع.

هذا الصمود لم يكن وليد الصدفة، بل نتاجًا لمسار طويل من تكييف السياسات الاقتصادية، وإعادة هيكلة قطاعات رئيسية، والدخول في شراكات مع أطراف خارج المنظومة الغربية، وفي مقدمتها الصين وروسيا، فضلًا عن توسع الاقتصاد غير الرسمي وشبكات التجارة الموازية.

أما روسيا، فقد واجهت منذ 2022 أحد أكبر حزم العقوبات في التاريخ الحديث، استهدفت قطاع الطاقة، والتعاملات المصرفية، والوصول إلى التكنولوجيا الغربية.

ورغم ذلك، لم ينهَر الاقتصاد الروسي كما توقعت كثير من العواصم الغربية، بل أعاد تنظيم نفسه عبر سياسات مالية صارمة، وتوجيه الاقتصاد نحو شرق آسيا، ورفع معدلات التصنيع المحلي، واستخدام الروبل في تسويات تجارية بديلة.

كما تمكنت موسكو من الحفاظ على عائدات طاقتها عبر بناء قنوات تصدير جديدة، واستثمار مواقعها الجيوسياسية وتوازناتها الدولية مع دول غير غربية، ما ساهم في تخفيف أثر القيود المفروضة على عائداتها الحيوية.

تكشف التجربتان، الإيرانية والروسية، أن العقوبات الاقتصادية قد تُضعِف الدول لكنها لا تُسقِطها بالضرورة، خصوصًا عندما تمتلك هذه الدول مقومات القوة الداخلية، وعمقًا جغرافيًا وبشريًا، وقدرةً على إعادة توجيه سياساتها الاقتصادية، وأدوات تتيح لها بناء شراكات خارج الإطار الغربي التقليدي.

بل إن بعض هذه الدول استطاعت تحويل العقوبات إلى محفز لإعادة هيكلة اقتصاداتها، وتوسيع قدراتها الإنتاجية المحلية، وتعزيز استقلال قرارها السياسي بعيدًا عن الضغوط الخارجية.

لا يعني ذلك أن العقوبات بلا تأثير؛ فهي تُكلّف هذه الدول الكثير اقتصاديًا واجتماعيًا، وتضعف الرفاه العام، وتخلق أعباء على الحكومات في إدارة التوازنات الداخلية. لكنها في الوقت ذاته تبرز حقيقة أن سلاح العقوبات، رغم قسوته، ليس حاسمًا دائمًا.

إنه سلاح يضغط لكنه لا يُسقط، ويظل نجاحه مرهونًا بمدى قدرة الدول على الصمود، وبمدى تنسيق القوى الدولية في فرضه وتنفيذه، فضلًا عن السياق الجيوسياسي الذي تتحرك فيه كل دولة.

وتبيّن التجربة أن الدول التي تمتلك إرادة سياسية مستقرة، وقاعدة صناعية معقولة، وبدائل تجارية ومالية خارج المنظومة الغربية، تكون أكثر قدرة على امتصاص هذا الضغط مهما اشتد.

وهكذا، فإن قراءة نموذجَي إيران وروسيا تُظهر أن العقوبات الاقتصادية، رغم كونها أداة مركزية في النظام الدولي المعاصر، لها حدودها الواضحة.

فهي قد تُرهق الاقتصادات وتحدّ من قدراتها، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث التحولات السياسية الكبرى التي يتوقعها البعض.

وبينما يستمر هذا الجدل، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تحتاج القوى الكبرى إلى إعادة تقييم جدوى هذا السلاح؟ أم أن المستقبل سيشهد صيغًا أكثر تعقيدًا من العقوبات، تُصمَّم بحيث تتجاوز قدرة الدول المستهدفة على التكيّف والصمود؟

Katen Doe

أخبار مصر

موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
مقالات

زلزال بلا رصاص

نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

التفاعلية… القوة الخفية للإعلام الجديد!

يتميز الإعلام الجديد أو الرقمي بالتحول الجذري في طبيعة الاتصال، إذ انتقل الجمهور من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الشريك...

"سنوحي.. حكاية 'ابن الجميزة' اللي هرب من الموت عشان يخلده التاريخ"

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع

لا شك أن الإسلام يحرص دوما على أمن المجتمع وسلامة أفراده، ويتحقق ذلك بأن تعم العدالة، وتنتشر النزاهة في شتى...


مقالات