لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل أو نافذة للمعرفة، بل تحولت في أيدي البعض إلى أخطر سلاح يهدد أمن المجتمع وأخلاقه واستقراره. فبينما جاءت لتقرب المسافات، أصبحت في كثير من الأحيان تزرع الفتنة، وتنشر الشائعات، وتروج للنصب والاحتيال، وتفتح أبواب الابتزاز الإلكتروني، حتى بات كل هاتف محمول قادرًا على أن يصنع أزمة أو يهدم أسرة أو يدمر مستقبل إنسان في لحظات.
أيمن عدليعضو مجلس إدارة نقابة الإعلاميين
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من المسؤول؟ هل هي التكنولوجيا أم الإنسان؟ الحقيقة أن التكنولوجيا بريئة، فالسكين يقطع الخبز كما قد يستخدم في الجريمة، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي، فهي أداة تتوقف نتائجها على أخلاق من يستخدمها. لكن المؤلم أن البعض وجد في هذه المنصات طريقًا سريعًا للشهرة، ولو كان الثمن تشويه سمعة الآخرين أو انتهاك خصوصياتهم أو ترويج الأكاذيب.
اليوم أصبحنا نرى جرائم نصب تُدار من خلف الشاشات، وصفحات وهمية تستولي على أموال الأبرياء، وعصابات إلكترونية تمارس الابتزاز بعد الحصول على صور أو مقاطع خاصة، وأشخاصًا يصورون الآخرين خلسة ثم يستخدمون تلك المقاطع للضغط أو التشهير أو تحقيق مكاسب مادية. لقد تحول التصوير عند البعض من وسيلة لتوثيق اللحظات الجميلة إلى وسيلة للتهديد والإذلال، في مشهد يفتقد إلى الضمير والإنسانية.
وللأسف، لم تسلم الأسرة المصرية من هذه الفوضى. فأصبحت الخلافات الزوجية والأسرية، بل وحتى المواقف اليومية البسيطة، تُنشر بالصوت والصورة أمام ملايين المتابعين، وكأن ستر البيوت لم يعد قيمة، وأصبحت الخصوصية سلعة رخيصة في سوق "الترند".
الخصوصيةوالسوشيال ميديا
سلوكيات السوشيال ميدياوالأخطر أن أبناءنا يشاهدون هذا المشهد كل يوم، فينشأ بعضهم وهو يظن أن الشهرة أهم من الأخلاق، وأن عدد المشاهدات أهم من احترام الإنسان.
لقد غيرت السوشيال ميديا سلوكيات البعض بصورة مقلقة؛ فانتشرت ثقافة التنمر، والسب والقذف، وإطلاق الأحكام دون دليل، وأصبح كثيرون يصدقون الشائعة قبل أن يبحثوا عن الحقيقة، ويحاكمون الناس بمنشور أو مقطع مجتزأ، بينما تضيع الحقيقة وسط ضجيج التعليقات.
فكيف نحمي الأجيال الجديدة من سموم هذا العالم الرقمي؟ البداية تكون من الأسرة التي يجب أن تعود لدورها في التربية والمتابعة والحوار، ومن المدرسة التي تغرس قيم الوعي الرقمي، ومن الإعلام الذي يقدم محتوى يحترم العقل ويواجه الشائعات، ومن المؤسسات الدينية والثقافية التي ترسخ القيم والأخلاق، ومن الدولة التي تواصل تطوير التشريعات وملاحقة مرتكبي الجرائم الإلكترونية بكل حزم، حمايةً للمجتمع وصونًا لحقوق المواطنين.
إن المواجهة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية وطن بأكمله. فلا بد من تحالف حقيقي بين الدولة والأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني، لأن معركة الوعي أصبحت أخطر من أي معركة أخرى، ولأن حماية الإنسان تبدأ بحماية عقله وأخلاقه.
ويبقى السؤال الأخير: أي مجتمع نريد أن نورثه لأبنائنا؟ مجتمعًا تحكمه الشائعات والفضائح والابتزاز، أم مجتمعًا يحكمه الوعي والقانون والقيم؟ إن الإجابة ليست بالكلمات، وإنما بالفعل. فإما أن ننتصر للأخلاق ونستعيد الاستخدام الرشيد لوسائل التواصل، وإما أن نتركها تلتهم ما تبقى من قيمنا، وحينها لن يكون الخاسر فردًا أو أسرة، بل سيكون المجتمع كله.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل أو نافذة للمعرفة، بل تحولت في أيدي البعض إلى أخطر سلاح يهدد أمن...
إدارة غرفة الأخبار لم تعد اليوم تشبه ما كانت عليه قبل نصف قرن ليس فقط بسبب اختلاف الأدوات، بل لأن...
إدارة المخاطر تعني أن نرى مواضع الخلل المحتمل قبل أن تتحول إلى ضرر، وأن نربط القرار بالمعلومة، والإجراء بالمسؤولية، والخدمة...
قبل ظهور الساعات والتقاويم الحديثة، كان الإنسان القديم يرفع رأسه إلى السماء كل ليلة تقريبًا. هناك، وسط الظلام، كان القمر...