الإعلام كسلاح استراتيجي.. كيف تشن الحروب من خلف الشاشات؟

قراءة في كتاب

لا تحملوا هاتفكم الذكي بتلك السهولة.. فهو ليس مجرد قطعة تكنولوجية لطيفة.. إنه بوابة معركة، ومسرح عمليات، وسلاح ذو حدين..

إنها ليست مبالغة، بل هي الحقيقة المرة التي يضعنا أمامها الدكتور أسامة السعيد في كتابه الاستثنائي «حروب الشاشات»، الذي يفتح ملفًا من أخطر الملفات في عصرنا: معركة السيطرة على العقل والقلب.

لقد عفا الزمن الذي كانت فيه الحرب شأناً عسكرياً خالصاً.. واليوم المعركة الحقيقية تدور في فضاء لا تراه العين المجردة، لكن تأثيره ملموس في كل منعطف.. إنها حرب الوعي، والصور، والكلمات، والسرديات.. حرب لا نسمع دوي دباباتها، لكننا نرى آثارها في تصدع المجتمعات، وتغيير التحالفات، وإسقاط ثوابت كنا نعتقدها راسخة.

في تقديري الكتاب ليس مجرد تحليل أكاديمي جاف، بل هو رحلة استقصائية شيقة داخل كواليس الصناعة الأكثر غموضاً وتأثيراً: "صناعة الرأي"، يصحبنا المؤلف في غوص عميق ليكشف كيف تحول الإعلام من "قوة ناعمة" تهدف للإقناع، إلى "قوة ضاربة" تسعى للهدم وإعادة البناء.. كيف تخترق عقولنا من خلال الشاشة التي نمسكها، وكيف تصاغ هزائمنا في ساحات افتراضية قبل أن تتحول إلى وقائع ميدانية.

من خلال تحليل دقيق وموثق، يسلط الكتاب الضوء على كيف أصبحت "الصورة" هي البيان العسكري الجديد، وكيف يحشد الرأي العام ببراعة تفوق أحياناً حشود الجيوش.. إنه يكشف آليات تشويه الحقائق، واختطاف السرديات، وإعادة ترتيب أولوياتنا ومخاوفنا من خلال فيديو محرض، أو خبر مبتور، أو عنوان موجه .

ولأن النظرية وحدها لا تكفي، يذهب بنا "حروب الشاشات" إلى قلب الأحداث العالمية الكبرى، ليرينا آلة الإعلام وهي تعمل: من حرب غزة إلى الصراع الأوكراني، ومن عودة طالبان إلى حكم أفغانستان.. نرى كيف تختلف الرواية باختلاف الجهة الناقلة، وكيف يصبح الإعلام نفسه طرفاً أساسياً في الصراع، لا ناقلاً محايداً له.

وفي خضم هذا الزخم المعلوماتي السائل، يقدم الكتاب خلاصة فكرية حكيمة تصلح كمنهج للتعامل مع عالمنا المعاصر، متمثلة في مقولة يستوقف عندها المؤلف طويلاً: "تمسكوا بالحلم ولكن لا تفقدوا القدرة على إدراك قسوة الواقع".. إنها دعوة لوعي نقدي متوازن، يرفض السذاجة في التعامل مع ما يُعرض علينا، ولا ينساق إلى اليأس أو الاستسلام.

الرسالة المحورية التي يوجهها الكتاب إلى كل منا بكل وضوح هي: أنت لست متفرجاً.. كل ضغطة زر، وكل إعجاب، وكل مشاركة، وكل صمت تلتزمه، هو صوتك في هذه المعركة الضارية.. أنت جندي في ساحة حرب الشاشات، شئت أم أبيت.

من وجهة نظري ،"حروب الشاشات" أكثر من كتاب ..إنه مرآة تعكس وجه عالمنا الخفي.. عالم تحكم فيه الخيوط من خلف الكواليس، وتصنع فيه المصائر قبل أن تعلن.. إنه محاولة جادة لتسليط الضوء على المعارك التي لا تذاع أخبارها في النشرات، لكن نتائجها تغير مصائر الأمم.

في النهاية، يظل السؤال الذي يطرحه الكتاب بين السطور هو التحدي الأكبر: هل نستطيع أن ننتمي لعصر الشاشات دون أن نصبح وقوداً لحروبها؟ الإجابة بين يديك الآن.. وأنت تمسك شاشتك.

أيمن عدلي

أيمن عدلي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ايمن عدلي
أيمن عدلي
أيمن عدلي
أيمن عدلي
أيمن عدلى:  ماسبيرو و الذاكرة والأمل.. والإعلام الــوطنى درع الدولة
مقالات

مصر وصناعة السلام

أيمن عدلي
أيمن عدلي
أيمن عدلي

المزيد من مقالات

الحضارة في بلاد الرافدين.. لم تبدأ الحضارة بقصر.. بل بمدينة

عندما نتحدث عن حضارة العراق القديم، غالبًا ما تقفز إلى أذهاننا أسماء الملوك والأساطير والآلهة والكتابة المسمارية، لكن قبل كل...

النيل واليانجتسي.. المرأة تصنع جسرا جديدا بين مصر والصين

قد تبدأ قصة كبيرة من مكان صغير.. سيدة تتعلم مهارة جديدة في قرية مصرية، فتاة تدخل مجالا تكنولوجيا كان بعيدا...

هندسة الصمت الاستراتيجي ورسائله

في عالمٍ لا تتحرك خرائطه بالحروب وحدها، ولا تُعاد صياغة موازين قوته دائمًا تحت دوى المدافع، فثمّة خرائط أخرى تُرسم...

لماذا يصعب علينا أن نقول "لا"؟

كلمة صغيرة... لكنها ليست سهلة دائما.. تأتيك رسالة تطلب منك شيئا فى يوم مزدحم، وتنظر إلى جدولك وتعرف أنك لا...