من رسـائل محمـد علي إلي أبنائــه

press_center

رغم رابطة الحب والكره معا في علاقته بالعثمانيين كان محمد علي باشا يتشبث بهويته العثمانية‏,‏ علي عكس فخر إبنه ابراهيم باشا بمصريته المكتسبة‏.‏

وقد تعلم ابراهيم اللغة العربية‏,‏ وتحدث بها مع رجاله‏,‏ وكان معتدا بأن يصف نفسه بأنه مصري وليس تركيا‏,‏ لكن هذا كان يثير الغم لدي أبيه‏!‏ هذا وغيره نعرفه عن سيرة محمد علي باشا‏,‏ كما نتعرف عليها في الكتاب الفريد لعفاف لطفي السيد مارسو‏:'‏ مصر في عهد محمد علي‏',‏ حيث تلفت الإنتباه رسائل مؤسس مصر الحديثة الي أبنائه‏,‏ بما حفلت به من حب ونصح‏.‏

وكان إسماعيل كامل‏,‏ الابن الثالث لمحمد علي‏(1775-1822),‏ في الخامسة والعشرين حين أرسله والده علي رأس الحملة السودانية‏.‏ وفي فورة من الحماس عقب إحدي المعارك‏,‏ أرسل لأبيه ثلاثمائة زوج من‏'‏ الآذان‏'!‏ وقد عنفه والده علي ذلك وكتب له‏:'‏ ألم تسمع عما يكون عليه سلوك الناس في أوقات الحرب؟ ألم تسمع كيف كان الفرنسيون عادلين في مصر؟‏..‏

ألم تعد تذكر العدل والشفقة التي أبداها الإنجليز منذ وقت ليس ببعيد؟‏.‏ وأرسل له خطابا آخر أبلغه فيه أن‏'‏ مهمة القائد العام هي أن يمارس الإدارة الجيدة والفطنة والمودة في علاقاته مع ضباطه‏',‏ وحذره من عواقب السلطة المطلقة‏,‏ وكتب في سخط‏:'‏ إذا ما اخترت أن تحب نفسك أكثر من حبك لرجالك‏,‏ فإنني لن أحبك‏'!‏

وكان إهمال إسماعيل لنصيحة أبيه بالرحمة والشفقة هو ما جلب عليه هلاكه‏.‏ فقد عامل السودانيين بكثير من القسوة‏,‏ كما أذل حكامهم‏,‏ وقد أثارت إهانات‏'‏ إسماعيل‏'‏ حفيظة أحد هؤلاء الحكام إلي حد جعله يشعل النار في كوخ إسماعيل ويحرقه حيا‏.‏ وقد حزن محمد علي لميتة ابنه الشنيعة‏,‏ وأوقع الانتقام بالسودانيين بفظائع أكثر شناعة ارتكبها ضدهم زوج ابنته‏'‏ الدفتردار‏'!‏

وقد ولد سعيد‏,‏ الابن الرابع لمحمد علي‏,‏ في‏17‏ مارس‏.1822‏ وكان محمد علي‏,‏ الذي ظل أميا حتي سن السابعة والأربعين‏,‏ يريد أن يهيئ لأبنائه أفضل تعليم‏,‏ وحمل كل خطاب منه إلي سعيد وسائر أطفال الأسرة المالكة نفس الرسالة‏,‏ تعلموا‏!‏ تعلموا‏!‏ وعندما بلغ سعيد الحادية عشرة كان قد تعلم التركية والعربية والفارسية‏,‏ وتعلم سعيد الفرنسية والإنجليزية‏.‏

ولكن نظرا لخجله‏,‏ وربما بسبب بدانته المفرطة‏,‏ لم تواته الجرأة علي التحدث بهاتين اللغتين‏.‏ وعندما اكتشف محمد علي ذلك‏,‏ أمر الصبي أن يقوم بجولات يومية علي أهم القناصل الأوروبيين ويتحدث معهم بالفرنسية حتي يتخلص من خجله ويتمكن من استعمال اللغة بطلاقة‏.‏ وكان لمثل هذه الإجراءات المتعسفة أثرها الفعال‏,‏ وأدت بسعيد إلي أن يحب ويصادق القنصل الفرنسي فردينان دي ليسبس‏,‏ مع ما ترتب علي ذلك من نتائج خطيرة بالنسبة لمصر‏.‏

وقد وضع محمد علي الأمراء الصغار تحت رقابة مشددة‏,‏ وعكفوا علي دراستهم الأكاديمية مجدين زمنا طويلا‏,‏ مثلما كان الحال مع سعيد وعباس‏.‏ لكنهم حصلوا علي منحة إضافية تتمثل في إرسال أحمد رفعت وإسماعيل‏,‏ ابني إبراهيم‏,‏ وعبد الحليم وحسين ابني محمد علي‏,‏ للدراسة في فرنسا‏.‏ وكتب الوالي إلي‏'‏ حليم‏':'‏ إعلم أنك تلميذ مثل كل الآخرين‏,‏ وأطع كل من هم أعلي منك‏,‏ وعامل كل فرد معاملة طيبة‏,‏ وروض نفسك صبحا ومساء علي أن تكون متواضعا ومجتهدا‏,‏ وهكذا تكسب السمعة الطيبة وسعادتي وإحساني‏,‏ وتصبح محترما بين الناس‏'.‏

وكتب محمد علي إلي ابنه‏'‏ إبراهيم‏'‏ عندما كان يحارب في السودان مع أخيه‏'‏ إسماعيل‏',‏ وكان ابنه‏'‏ طوسون‏'‏ قد مات‏:‏ ولدي‏,‏ أنا أحبك أنت وأخاك‏'‏ إسماعيل‏',‏ الروح لبدني والنور لعيني‏,‏ ورغم ذلك أرسلتكما إلي هذه الأراضي البائسة وحملتكما عبئا ثقيلا لكي تحقق لأنفسنا ولعائلتنا الشهرة والمقام العالي‏'.‏

وتحمل كل خطاباته إلي أبنائه الآخرين عبارات المحبة مثل روحي‏,‏ وفلذة كبدي‏.‏ وقد أظهر محمد علي لبناته نفس المحبة التي أغدقها علي أبنائه‏.‏ وفي ذلك العصر‏,‏ الذي لم تكن نساء الطبقة الراقية فيه يتلقين إلا تعليما ضئيلا‏,‏ إن تلقين أي تعليم علي الإطلاق‏,‏ كان قد خصص معلمين لبناته‏,‏ وكن يتعلمن‏.‏

وبرغم أن محمد علي لم يعرف القراءة والكتابة حتي أواسط عمره‏,‏ فقد آمن محمد علي بقيمه المتخصصين‏.‏ كان يبحث عنهم ويتعلم منهم ويستخدم ما يتلقاه من معرفة‏.‏ وتجلت هذه السمة بكل وضوح في رسائله إلي أبنائه‏,‏ خاصة تلك التي كان يبعث بها لابنه إسماعيل الذي كان متهورا سريع الاندفاع‏.‏ كتب إليه يقول‏:'‏ عليك إذن أن تسأل وتستفهم حتي تستطيع أن تتعلم كل ما يقودك إلي النصر‏'.‏

وينصحه في رسالة أخري أن‏'‏ يلتمس النصح من تابعيه من أعلي إلي أدني الرتب‏'.‏ ولم يعمل إسماعيل بنصيحة أبيه‏,‏ ومات نتيجة لذلك‏.‏ وأما‏'‏ إبراهيم‏'‏ فقد عمل بها‏,‏ وعاش ليصبح مخططا عسكريا بارزا وقائدا عظيما‏.‏

وقد حكم عباس‏(1812-1854)‏ ابن أحمد طوسون بن محمد علي‏,‏ مصر بين عامي‏1848-1854,‏ لأنه كان أكبر الذكور في الأسرة بعد وفاة عمه إبراهيم‏.‏ وكان عباس متوحشا قاسي القلب‏,‏ قادرا علي الإتيان بأقصي ما تتضمنه قوائم التلذذ بقسوة‏,‏ كثيرا ما عنفه جده بسببها‏.‏ وكان عباس‏,‏ الذي أصبح يتيما في سن الرابعة قد تربي علي يد جده‏.‏

وقد كان محمد علي طيلة حياته يشير إلي‏'‏ عباس‏'‏ بلقب البليد‏.‏ ولم يكن لائقا للحياة العسكرية بمثل ما كان بالنسبة للحياة الدراسية‏.‏ وكتب‏'‏ إبراهيم‏'‏ إلي أبيه لو أنه كان عباس خاليا من الشجاعة لكان من الممكن تقبل نقائصه‏,‏ لكنه لا يعمل ولا يسمح للآخرين بالعمل‏.‏ وكان عباس يمثل خيبة أمل كبيرة لجده‏,‏ الذي خدع نفسه يتصور أن ابن‏'‏ طوسون‏'‏ سوف يحمل صفات أبيه‏.‏ وعندما أصبح هو الخديوي‏,‏ تجلت عداوته لجده في الجنازة الوضيعة التي رتبها له‏.‏

وكان إبراهيم الإبن الأكبر لمحمد علي‏(1789-1848)‏ صورة لأبيه ونقيضا له في آن واحد‏.‏ فقد كان قائدا من الطراز الأول‏,‏ ورغم أنه اتسم بالقسوة‏,‏ فانه لم يكن أكثر قسوة من غيره من قادة ذلك الزمان‏,‏ عثمانيين كانوا أو أوروبيين‏.‏

وقد أباد إبراهيم مدينة الدرعية من فوق سطح الأرض تنفيذا لأمر والده‏,‏ الذي نقض وعده‏,‏ ولقيت أول مملكة وهابية نهايتها‏.‏ وكان‏'‏ إبراهيم‏',‏ علي العكس من والده‏,‏ رجلا متعلما‏,‏ ويملك أكبر مكتبة في البلاد‏,‏ وكان شغوفا بالآلات‏,‏ وكانت مزرعته هي الأولي التي تستخدم طاقة البخار في ري الأرض‏.‏ وأثناء وجوده في أوروبا لم يكن إبراهيم مهتما بغير زيارة المصانع‏.‏

وكان يبدو علي علم بكل شئ عن الصناعة‏,‏ كما كان مطلعا علي أحدث وجوه التقدم في كل الميادين‏,‏ طبقا لما كتبه نوبار‏.‏ وكان كل من إبراهيم وأبيه كان يتم إحاطته بأخر تطورات السياسات والاقتصاديات الأوروبية‏.‏ وكان إبراهيم قاسيا‏,‏ لكنه كان يؤمن بالعدالة‏,‏ ويروي نوبار في مذكراته أن أثناء زيارة إبراهيم للندن‏,‏ مخمورا يقتاده الشرطي إلي السجن‏,‏ فاستدار إلي نوبار‏.

وعلق قائلا‏:‏ هنا عظمة بريطانيا وليس في مصانعها فقط‏,‏ وهو يقصد احترام القانون‏.‏ وعندما كان إبراهيم في أوروبا‏,‏ بكي عندما رأي الريف الفرنسي علي قدر كبير من الجمال والخضرة بينما مصر علي قدر كبير من التعاسة‏,‏ أخبر نوبار‏'‏ سوف أغير كل هذا إن أعطاني الله العمر‏'.‏ ويبقي أنه بينما كان محمد علي ينظر إلي نفسه باعتباره عثمانيا‏,‏ وربما رأي أن إنكاره لهذا يعني إنكاره لجذوره ووجوده‏,‏ فان إبراهيم فلم يكن يعاني مشاكل الهوية الشخصية‏,‏ فقد أحب المصريين واحتقر العثمانيين‏.‏

نقلا عن صحيفة الأهرام المصرية

 	اخبار مصر

اخبار مصر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

هل بات القانون الدولي عديم الفائدة، أم أننا نحاكمه بجرائم من ينتهكونه؟

في ظل ما يشهده العالم من توالي صور القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، صار سؤال ثقيل يتردد على ألسنة كثيرين:...

الدكتور الكحلاوي "عربي الهوى مصري العشق" شهادة من عالم سعودي

وصلتني هذه الرسالة بصفتى مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب من العالم الكبير الأستاذ الدكتور سليمان بن عبدالرحمن الذييب مستشار...

القانون وحماية الطفل في العصر الرقمي: أمان الأسرة يبدأ من الوعي

لم يعد الطفل يلتقي العالم من باب المدرسة والشارع والبيت فقط، بل صار يلتقيه أيضا من شاشة صغيرة تحمل المعرفة...

الحرمان من الماء: عدو خفي يهدد المناعة والدماغ

يعد الماء العنصر الأساسي للحياة ولعمل الجسم البشري بشكل طبيعي؛ فهو المحرك الرئيسي لتنظيم درجة الحرارة، ونقل الغذاء، ودعم وظائف...