press_center
بقلم: د. عادل الصفتي*
في وقت مبكر من الشهر المنصرم نشرت الصحافة الإسرائيلية أخباراً عن إصدار قاض بريطاني مذكرة اعتقال بحق زعيمة المعارضة ووزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني، التي كان يتوقع لها أن تؤدي زيارة لبريطانيا، إلا أنها قررت إلغاءها. يذكر أن تلك المذكرة كانت قد صدرت بناءً على الدعوى التي رفعها ضدها المحامون عن ضحايا الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، مؤكدين فيها أن ليفني مسؤولة عن جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق مدنيي القطاع.
وكما يمكن أن نتوقع جاءت ردة فعل المسؤولين الإسرائيليين غاضبة ومصحوبة بالاحتجاج الرسمي ضد مذكرة الاعتقال تلك. فبينما وصفها بيريز بأنها "خطأ كارثي"، سخر منها نتنياهو واصفاً إياها بـ"العبث".. مؤكداً في ذات الوقت عدم سماحه بمحاكمة أي من مسؤولي بلاده أمام المحاكم الأجنبية. واعتبر نتنياهو محاولة مساءلة ساسة بلاده بشأن الحرب التي شنتها تل أبيب على غزة، جزءاً لا يتجزأ من حملة تقرير جولدستون التي يزعم أنها "معادية" لإسرائيل. وللتذكير فقد توصل تقرير جولدستون -الذي رعته الأمم المتحدة- إلى نتيجة مؤداها ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب أثناء اجتياحها العام الماضي لقطاع غزة، إضافة لاحتمال ارتكابها جرائم ضد الإنسانية.
وليست ردة الفعل الإسرائيلية هذه غريبة، بل كانت متوقعة أصلاً بقوة. غير أن الغريب والذي يؤسف له حقاً هو طريقة تعامل المسؤولين البريطانيين مع مذكرة اعتقال صادرة عن أحد قضاتهم، وكذلك استجابتهم لردة فعل الغضب الإسرائيلي.
يذكر أن وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند هاتف نظيره الإسرائيلي ليبرمان معتذراً له عما حدث! وليس ذلك فحسب بل لقد قيل إن رئيس الوزراء البريطاني هاتف ليفيني ليؤكد لها معارضته التامة لمذكرة الاعتقال الصادرة بحقها، ووعدها بتغيير القانون بما يضمن عدم تكرار هذه الحادثة أبداً. ولعل أشد ما يثير الغرابة هنا هو أن يتدخل وزير خارجية ورئيس مجلس وزراء دولة ديمقراطية عريقة مثل بريطانيا على هذا النحو السافر في استقلالية القضاء، والكيفية التي يؤدي بها عمله. وقد بلغ بهما التدخل حد الاعتذار عن قرار اتخذه قاض بريطاني ضمن له الاستقلال التام في أداء عمله عدم الحاجة أصلاً للتساؤل عما إذا كان رئيس وزراء بلاده موافقاً على القرار الصادر من المحكمة أم لا؟ بل لقد مضى رئيس الوزراء خطوة أبعد من ذلك بوعده لليفني التدخل لتغيير القانون منعاً لتكرار ما تعرضت له من محاولة اعتقال من قبل قضاء بلاده. وفي ذلك تدخل في عمل القضاء واستقلاله، لم يكن أحد ليتصور وقوعه في دولة ديمقراطية!
وقد برر المسؤولون البريطانيون سلوكهم هذا بقولهم إن المصلحة العامة تتطلب استمرار الحوار والتفاوض مع مسؤولي دولة حليفة لبلادهم، ما يعني أهمية حماية هؤلاء المسؤولين ضد الاعتقال في حال زيارة أي منهم لها. غير أن من الممكن الرد على هذه الحجة بالقول إن من أولويات المحافظة على المصلحة العامة حماية استقلال القضاء باعتباره ركناً أساسياً يقوم عليه النظام الديمقراطي. ولنذكر هنا أن بريطانيا دولة كثيراً ما تعتز باستقلالية ونزاهة نظامها القضائي، وإنه لمن المصلحة العامة أن يرى الناخبون التزام وحرص المسؤولين والقادة الذين انتخبوهم على صيانة المؤسسات الديمقراطية وكفاءة أدائها بدلاً من الاعتذار عما تصدره هذه المؤسسات من قرارات.
ومن الواضح أن القاضي الذي أصدر مذكرة الاعتقال لم يكن قد توصل إلى احتمال مسؤولية ليفني عن الجرائم المنسوبة إليها في الدعوى القضائية المرفوعة ضدها فحسب، وإنما توصل كذلك إلى أن هناك دعوى قضائية يجب الرد على ما أثير فيها من اتهامات على ضوء تقرير جولدستون الذي تبناه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وكذلك تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولابد أن يكون القاضي قد أخذ في الاعتبار رفض الحكومة الإسرائيلية إجراء تحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها في قطاع غزة، وهو ما حثها عليه تقرير جولدستون أصلاً.
ولما كان قد تعذر على ضحايا القطاع نيل العدالة التي يطالبون بها إسرائيل، فإن من حقهم السعي لنيلها بواسطة محاكم الدول الأخرى استناداً الى مبدأ التقاضي الدولي الذي نصت عليه معاهدة جنيف لقوانين الحرب التي تم التوقيع عليها في عام 1949. وتلزم هذه المعاهدة الدول بتسليم مجرمي الحرب وتوجيه الاتهامات إليهم. والغريب أن إسرائيل نفسها كانت قد اعتمدت على مبادئ هذه المعاهدة في تبرير اختطافها لأدولف إيخمان وتقديمه أمام محكمة إسرائيلية في عام 1960 قضت عليه بالإعدام بعد إدانته بتهم ارتكاب جرائم الحرب النازية الموجهة إليه.
غير أن للدول القوية دائماً أساليبها الخاصة ومعاييرها المزدوجة فيما يتعلق بتطبيق القانون الدولي. من ذلك مثلاً تهديد وزير الدفاع الأميركي السابق رامسفيلد بتغيير مقر القيادة العامة لحلف "الناتو" من بلجيكا، فيما لو لم تكف هذه الأخيرة عن محاولاتها الرامية لمساءلة ومحاكمة المسؤولين الأميركيين عن جرائم الحرب التي ارتكبت في العراق، اعتماداً على مبادئ التقاضي الدولي.
وفيما قاله وزير الخارجية البريطاني ميليباند في تبرير اعتذاره عما حدث: "تعتبر إسرائيل شريكاً استراتيجياً وصديقاً مقرباً للمملكة المتحدة.. ونحن عازمون على حماية وتطوير هذه العلاقات معها. ومن الواجب أن يتمكن القادة الإسرائيليون -شأنهم شأن قادة أية دولة أخرى- من زيارة المملكة والتفاوض كما ينبغي مع مسؤولي الحكومة البريطانية"! ولكن السؤال الذي نوجهه إلى ميليباند هو: هل كون إسرائيل شريكاً استراتيجياً وصديقاً مقرباً للمملكة المتحدة يعفي قادتها من مسؤولياتهم الجنائية، خاصة إذا ما توصلت محكمة بريطانية إلى وجود دعوى قضائية يجب الرد عليها؟ ثم أليست في ذلك ازدواجية في معايير تطبيق العدالة؟ الحال أن المسؤولين البريطانيين بموقفهما هذا انضما إلى نادي دعاة ازدواجية المعايير، وبذلك تمارس حكومة بلديهما خطأ كبيراً وحيفاً عظيماً بحق ضحايا جرائم الحرب الإسرائيلية.
* نقلا عن صحيفة الاتحاد الاماراتية
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في ظل ما يشهده العالم من توالي صور القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، صار سؤال ثقيل يتردد على ألسنة كثيرين:...
وصلتني هذه الرسالة بصفتى مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب من العالم الكبير الأستاذ الدكتور سليمان بن عبدالرحمن الذييب مستشار...
لم يعد الطفل يلتقي العالم من باب المدرسة والشارع والبيت فقط، بل صار يلتقيه أيضا من شاشة صغيرة تحمل المعرفة...
يعد الماء العنصر الأساسي للحياة ولعمل الجسم البشري بشكل طبيعي؛ فهو المحرك الرئيسي لتنظيم درجة الحرارة، ونقل الغذاء، ودعم وظائف...