نظمت دار الكتب والوثائق القومية ندوة ثقافية وطنية بارزة لاستحضار ملاحم نصر أكتوبر المجيد، وتسليط الضوء على دور الأدب والتاريخ في حماية الوعي القومي ومواجهة ، محاولات طمس الهوية ،من خلال الادارة المركزية للمراكز العلميةبرئاسة الدكتور أشرف قادوس.
بدأت فعاليات الندوة بعزف السلام الجمهوري، تلاه عرض فيلم تسجيلي ملهم يستعرض بطولات وتضحيات رجال قوات الصاعقة المصرية الباسلة.
وعقب ذلك، ألقى الأستاذ الدكتور أسامة طلعت (رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية) الكلمة الافتتاحية، والتي أكد خلالها على ضرورة التذكير المستمر بذكرى نصر أكتوبر المجيد، لاسيما في العصر الحالي الذي تشهد فيه الهويات تشويهاً ومحاولات مستمية للعبث بتاريخنا، بهدف هدم الثوابت والانتصارات وزعزعة الشعوب، واستعاد ذكريات يوم السادس من أكتوبر عام 1973 حينما كان طفلاً، موثقاً حالة الاجماع على استرداد الأرض ورد الاعتبار، التي سبقت الحرب وكيف تحولت إلى فرحة عارمة عمت البيوت المصرية، كما تطرق إلى أهمية الاتزان الاستراتيجي التي تتمتع به الدولة، مشدداً على أن التاريخ المصري حافل بالانتصارات بالمنطقة وعلى رأس هذه الأحداث نصر حطين الذي كان بداية النهاية للحروب الصليبية، وكذلك موقعة عين جالوت التي صدت بها مصر الزحف المغولي وصولاً إلى أكتوبر- يثبت دائماً مناعة هذه الأمة وقدرتها على كسر القوى الكبرى، معرباً في الختام عن فخره واعتزازه بخدمته السابقة في الجيش المصري.
ثم تلى ذلك كلمة اللواء أ.ح. محمد محمود فرغلي الذي أدلى بتصريحات هامة حول الكواليس الاستراتيجية والسياسية والعسكرية لحرب أكتوبر المجيدة، مسلطاً الضوء على أبعاد المعركة الشاملة التي خاضتها الدولة المصرية لاستعادة أراضيها المحتلة.
وفي مستهل حديثه، أكد أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بحتة على الجبهة، بل سبقتها وتلتها جهود سياسية ودبلوماسية مكثفة قادتها مصر بنجاح لعزل إسرائيل دولياً وإبراز عدالة قضيتها؛ حيث نجحت الدبلوماسية المصرية في حشد تأييد دولي وإفريقي واسع النطاق، أسفر عن قطع نحو 80% من الدول الإفريقية علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل تضامناً مع الموقف العربي والمصري، فضلاً عن نيل مصر تأييد ودعم أكثر من مائة دولة على مستوى العالم في المحافل الدولية، وهو ما أضفى شرعية سياسية ودولية راسخة على قرار تحرير الأرض.
وعلى صعيد التخطيط العسكري، أوضح اللواء فرغلي أن خطة الخداع الاستراتيجي التي سبقت المعركة تُعد واحدة من أعظم عبقريات التاريخ العسكري الحديث، حيث نجحت القيادة العامة للقوات المسلحة في إخفاء نواياها القتالية بدقة بالغة عبر توجيه رسائل متضاربة لأجهزة مخابرات العدو الإسرائيلي، شملت تسريح بعض الجنود، وإعلان مواعيد وهمية لحالة الطوارئ، وإشاعة حالة من الاسترخاء التام على الجبهة لعدة مرات حتى اطمأن العدو تماماً، مما جعل ساعة الصفر مفاجأة صاعقة أربكت حسابات القيادة الإسرائيلية وجعلتهم يفقدون السيطرة تماماً في الساعات الأولى للمعركة.
واختتم تصريحاته بالحديث عن تحطيم خط بارليف باعتباره مانعاً هندسياً وعسكرياً هائلاً روجت له إسرائيل حصناً لا يُقهر، إلا أن العبقرية المصرية أبدعت حلولاً غير تقليدية لاختراقه، أبرزها استخدام مضخات المياه ذات الضغط العالي لإحداث ثغرات في الساتر الترابي، والتي تزامنت مع العزيمة الصلبة للجنود المصريين الذين عبروا القناة ورفعوا علم مصر على الضفة الشرقية في أوقات قياسية، مسجلين ملحمة عسكرية فريدة تواصل كبرى المعاهد العسكرية العالمية دراستها حتى يومنا هذا.
وتطرق الشاعر الكبير أحمد سويلم في كلمته إلى الجذور التاريخية لمفهوم الصراع الإنساني، مستشهداً بما حدث في العصر الجاهلي من حروب امتدت لعقود بين قبيلتي عبس وذبيان حتى أخمدها حكماء القبيلتين، مستعيراً في ذلك بأبيات للشاعر زهير بن أبي سلمى التي تعبر عن مرارة الحروب وعبثيتها. وطرح تساؤلاً جوهرياً حول أسباب لجوء الإنسان للحرب، ليجيب بأن الصراع غالباً ما يكون مدفوعاً بالحصول على الأرض، والثروات، والدفاع عن الحقوق، واستعادة ما سُلِب، فضلاً عن صد عدوان الغاصبين، مشيراً إلى أن مصر خاضت عبر تاريخها حروباً متواصلة للدفاع عن كرامتها وأرضها.
وفي سياق حديثه عن الذكرى الـ 53 لحرب أكتوبر المجيدة، أكد الشاعر أن ملحمة العبور خلّصت الأمة من الإحساس المهين الذي طغى بعد نكسة عام 1967، لتشكل بداية حقيقية لإثبات قوة العزم والتماء الإنسان المصري لوطنه، واستعاد ذكريات انضمامه للقوات المسلحة عام 1968 كجزء من طوفان المثقفين وخريجي الجامعات الذين لبوا نداء الوطن، مشيراً إلى أن تلك المرحلة زرعت في نفوسهم قيم الفعل، وحسن التدبير، والثقة بالنفس، وتحمل المسؤولية الوطنية.
كما تناول المشهد الإبداعي والشعري المرتبط بالحرب، مقسماً الشعراء إلى فريقين؛ فريق خاض التجربة وخاض القتال بأنفسهم، وفريق آخر عبر عن مشاعره ودعم الوطن دون أن يخوض التجربة الميدانية مباشرة، مؤكداً أن العبرة تبقى بجودة القصيدة وصدقها الفني، واختتم مداخلته بقراءة قصيدة مؤثرة ومفعمة بالصور الجمالية خاطب فيها الجندي المصري المرابط على جبهة القتال، مستحضراً بطولاته وتضحياته وامتزاج مشاعر الفخر والعشق الوطني على رمال سيناء الطاهرة، إلى جانب الإشارة إلى نماذج إبداعية أخرى لشعراء بارزين مثل الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي.
كما ألقى العميد دكتور أحمد المتولي كلمته متناولاً موضوع "حرب أكتوبر والتاريخ" في إيجاز شديد لم يتجاوز دقائق معدودة، وأشار إلى أن هزيمة عام 1967 شكلت درساً هاماً تعلمت منه مصر جيداً كيف تقاتل، تماماً كما كانت درساً تاريخياً لمصر ولأعدائها في عام 1973، وأوضح أنه بمراجعة خريطة القوات المشاركة في حرب 1973، نجد أن الدول التي حاربت بكامل جيوشها أو بأكثر من ثلثي جيوشها كانت مصر وسوريا والعراق، وهو الدرس الذي تعلمت منه الولايات المتحدة وإسرائيل ووعته جيداً وسعت لئلا يتكرر مرة أخرى، وأضاف أنه بالنظر إلى خريطة الوقت الحاضر، لا نجد من تلك الدول سوى مصر، مستعرضاً التحولات العميقة التي شهدتها سوريا والعراق وسقوط الأنظمة السابقة فيهما خلال الأعوام المتعاقبة، وصولاً إلى تفكك البنية السياسية والاجتماعية لسوريا وتقاسم النفوذ فيها بين السيطرة الإسرائيلية والتركية وغيرها.
وفي سياق استعراضه لجذور الصراعات، أشار إلى أن حرب العراق انتهت منذ الغزو الأمريكي عام 2003 وما سبقه من حروب إقليمية، معتبراً أن كل هذه الأحداث كانت من دروس حرب أكتوبر. واستحضر مقولة للرئيس الراحل أنور السادات مفادها أن الجندي الغربي لا يمكن أن تكون له القدرة على تحمل الفتنة والحروب مقارنة بالجندي المصري، وهو ما أثبته الواقع بانهيار الجيوش العربية الأخرى في موجات الربيع العربي بينما صمد الجيش المصري وحده.
وأكد أن الجيش المصري يظل دائماً -تاريخياً ومنذ القديم- يتعرض للنكبات ولكنه يعود أفضل مما كان، بل ويُصنف اليوم ضمن أقوى جيوش العالم طبقاً لرؤية وتأكيد الرئيس السادات. واختتم مداخلته بالإشارة إلى تنوع خلفياته العلمية التي تجمع بين العلوم العسكرية، والتاريخ، والعلوم السياسية، والقانون، وهو ما يساعده على تحليل الأحداث الجارية في المنطقة العربية، مؤكداً أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل جاءت لإخراج مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى الرغم من توقيع معاهدة السلام التي وافقت عليها إسرائيل لإخراج مصر من تلك المعادلة، إلا أن مصر لم تخرج ولن تخرج منها نهائياً.
وفي ذات السياق، استهل الروائي السيد نجم كلمته بالإعراب عن فخره بكتابته عن "أدب الطفل العبري"، معتبراً أن هذا النوع من الكتابة يُعد أمراً نادراً. وسلط الضوء على كيفية تربية الأطفال في إسرائيل على العدوانية، مشيراً إلى مشاهد التلفزيون التي توضح كيف يربى أولادهم ليكونوا مفترسين تجاه أرضنا وشعبنا وأهلنا في فلسطين.
واستعرض تجربته الشخصية أثناء حرب أكتوبر 1973، حيث كان يعمل في وحدة طبية كمستشفى جراح تحت الأرض رقم 5 في السويس. وأشار إلى تعرض مستشفيات الميدان للحصار أمام خيمتي اتفاقية فض الاشتباك، وتعرّض سيارات الإسعاف والمياه والتموين لضربات متواصلة، مما أسفر عن سقوط 40 مصاباً و8 شهداء، وصدور قرار القيادة بالانسحاب يوم 23 أكتوبر.
وروى موقفاً مؤلماً بخصوص دفن الشهداء ليلاً في ظل انعدام الإنارة بالصحراء، وكيف تطوع زملاؤه مثل الدكتور بتروس والدكتور نبيل المسيحيين، وأحمد ومسلمون آخرون لقراءة آيات من القرآن الكريم والفاتحة لشهداء قد تكون هوياتهم ودياناتهم غير واضحة نظراً لغياب كروت الهوية العسكرية.
وفيما يخص أعماله الأدبية البارزة، اعتمد في رواية "السماء تواجه شرقاً" على تجربة حصار كبريت وقابل خلالها شخصيات عسكرية بارزة مثل الخبير الذي كان يعمل على تقطير مياه قناة السويس، وقائد الوحدة الشهيد إبراهيم عبد التواب الذي توفي ودفن في نفس المكان الذي أشار إليه قبل وقف إطلاق النار. كما سجل في تجربة "حصار الحمام الأبيض" فترة الحصار التي استمرت خمسة أيام.
وأشار إلى أعماله حول الصليبيين والعنجلوت والتتار، مؤكداً أن الصراع جذري وباقٍ ومستمر ولا ينتهي بمجرد معركة عسكرية واحدة. وأشاد برواية "الأسرى يكشفون المتاريس" للكاتب فؤاد حجازي الذي أُسر عام 1967، واعتبر أن هذه الرواية بصدقها وتجربتها الفريدة هي التي رسخت لديه ولدى أجيال قادمة فكرة الاهتمام بأدب الحرب وكتابة الروايات والقصص في هذا المجال.
وتحدث عن رواية أخرى تصف حياة ثلاثة أصدقاء بعد التسريح وعودتهم للقرية، وتفكيرهم في السفر عبر "السيلكاوي" إلى ليبيا والمشاق التي واجهوها، دلالةً على أن الإنسان المصري كُتب عليه الكفاح والنضال والانتصار في النهاية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
نظمت دار الكتب والوثائق القومية ندوة ثقافية وطنية بارزة لاستحضار ملاحم نصر أكتوبر المجيد، وتسليط الضوء على دور الأدب والتاريخ...
استقبل المتحف المصري الكبير جيسيكا ألوبو، نائبة رئيس جمهورية أوغندا، والوفد المرافق لها، خلال زيارتها الرسمية إلى مصر، بحضور السفير...
شهد مجمع 15 مايو للفنون المعاصرة، تحت رعاية الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، اليوم الثلاثاء، فعاليات يوم فني...
تنظم اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين معرضًا للكاريكاتير والبورتريه، احتفاءً بالذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر المجيد، وذلك يوم الإثنين 12...