اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

شاهد عيان عاش وعانى وسمع ورأى واشتبك

رزق: مرسي حاول رشوة السيسي حتي يتخلي الجيش عن تأييد ثورة 30 يونيو

تاريخ النشر

بعد صمت طال مداه قرر زميلنا وكاتبنا الكبير ياسر رزق أن يفتح خزانة أسراره ليبوح كشاهد عيان بأسرار أصعب سنوات مرت بها مصر فى محطات حاسمة ووقائع مفصلية ، بدأها بكتابه الوثيقة " سنوات الخماسين بين يناير الغضب ويونيو الخلاص "  ليكون افتتاحية ثلاثيته عن " الجمهورية الثانية " بعد جمهورية ثورة 23 يوليو التى بدأها اللواء محمد نجيب ، وانتهت بالرئيس حسني مبارك الذى كان يمكنه تفادى سقوط نظامه لو أنه ألغى مشروع التوريث الذى كان ينفيه بلسانه ، بينما يمضى فيه عمليا ، وهو ما ظهر فى إصراره على عدم تعيين نائب له ، وكلما سؤل كان يقول " لا أحد يصلح للمنصب " الذى كان يحجزه لابنه ، بينما كان الجيش معارضا ، حتى أن المشير طنطاوي القائد العام واللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة اتفقا – رغم أن المسالك بينهما لم تكن معبدة – على تحذير الرئيس مبارك من خطورة نقل السلطة من الأب إلى ابنه ، على النظام وعلى البلاد ، بالفعل – كما يقول ياسر رزق – استمع مبارك إلى الرجلين واكتفى بأن هز رأسه وقد بدا عليه الضيق ، وكانت تلك النصيحة التى أصم مبارك بصيرته عن سماعها هي نتيجة تقرير كتبه اللواء عبد الفتاح السيسي رئيس المخابرات الحربية فى أبريل 2010 تنبأ فيه بكل ما حدث بعد ذلك ، وكان يمكن تجنبه لولا عناد مبارك ، الذى لم يتعلم منه مرسي العياط حينما نصحه السيسي بالاستفتاء على رئاسته تجنبا لحالة الاحتقان فى البلاد ، ولكنه لم يستمع أيضا للنصيحة ، فكان ما كان ، وهو ما يؤكد مقولة كاتبنا الكبير أحمد بهاء الدين بأن الذاكرة العربية هي " ذاكرة الفئران " التى تدخل المصيدة بأقدامها رغم أن آباءها وأجدادها قد وقع لهم نفس المصير البائس ، ولكن لا أحد يتعلم .

فى كتابه الذى طبعه على حسابه ! يكتب ياسر رزق بصدق وموضوعية يحسد عليهما ، فيعطي كل شخصية حقها رغم سوءاتها ، فهو يرى جمال مبارك – من خلال حوار تليفزيوني له  - ملما بالشئون الاقتصادية بشكل واف ، ويذكر لمحمد البرادعي تصميمه على إسقاط حكم الإخوان وإقصائهم نهائيا عن المشهد السياسي ، وفض اعتصام رابعة ، ورغم تقدير ياسر رزق للمشير طنطاوي ، فقد طالبه بالاعتزال الكريم قبل العزل غير اللائق له من الرئيس مرسي ، لكنه أعطى الفرصة ليفعل به ما أصابنا بالغضب جميعا ، حتى أن السيسي عندما اكتشف أن مجيئه كوزير للدفاع تم بدون علم طنطاوي أعلنه باستعداده للاستقالة ، ولكنه رفض تقديرا لشخصه واستحقاقه للمنصب الرفيع .

يجيب ياسر رزق عن أسئلة كثيرة فى سنوات الخماسين .

  • هل خطط الرئيس مبارك لتوريث ابنه منصب الرئيس من بعده ؟

بدا أنه خطط لذلك فعلا فى عام 2005 حينما أعلن اعتزامه تعديل المادة 76 من الدستور فى خطاب بشبين الكوم يوم 26 فبراير ، بحيث تسمح بانتخابات تنافسية شكلية لاختيار رئيس الجمهورية ، وكانت تلك المادة هي الغطاء سكرى المذاق لفرص التوريث مر الطعم ، لكن مبارك عدل عن الدفع بابنه إلى الانتخابات ، وقرر أن يخوض انتخابات 2005 ، بعدما تلقى ردا مهذبا ومنضبطا وحاسما فى نفس الوقت يقول :" إن الجيش لا يتقبل اعتذاره عن خوض الرئاسة ، لأى أحد آخر " ، وكانت الإشارة واضحة لا لبس فيها .

غير أن مجريات الأحداث كشفت عن أن تراجع مبارك عن مشروع  التوريث كان مؤقتا ، وأنه قرر أن يراهن على عنصر الزمن ، فقد يلين موقف الجيش ، وقد يتقبل الشعب ولو على مضض ، وقد جرت محاولة التسلل لكسب عناصر عسكرية على مستوى قيادي وسيط  عن طريق السعي إلى ضمها لجمعية " جيل المستقبل " التى أسسها جمال مبارك ، لكن تلك المحاولة جوبهت بكل حسم ، لقد أصم النظام أذنيه عن رفض الشعب للتوريث ، وعدم قبول الجيش إلى درجة أنه فى اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة أثار بعض القادة ما يشاع عن التوريث وحقيقته ، ولأول مرة يعلو صوت أحدهم فى رفضه للتوريث قائلا : " شعب مصر العظيم ليس قطعان ماشية يمتلكها أب ويكتبها باسم ابنه ! " .

كان البلد يغلى .. وكان النظام بلا عينين . كانت الجماهير فى حالة اشتعال .. وكان النظام بلا أنف .

  • هل كنت تتوقع أنت شخصيا أن يتحول الاشتعال إلى ثورة ؟

لم أكن أتوقع أن تتحول المظاهرات إلى ثورة ، ولا أن تتصاعد مطالب المتظاهرين من عزل وزير الداخلية إلى رحيل الرئيس ، ولا أن تعجز الشرطة عن احتواء المظاهرات وتنهار ذلك الانهيار الذى حدث بعد خمسة أيام ، لكنى لم أسترح إلى تحليلات المسئولين الذين قالوا إن مصر ليست تونس ، واكتشفت فيما بعد أن تقديرات أجهزة الأمن والمعلومات – باستثناء المخابرات الحربية – كانت ترى أن المظاهرات فى مجملها لن تحشد أكثر من مائة ألف .

  • كان موقف المشير طنطاوي واضحا .. فهل كان يشاركه رئيس الأركان نفس الموقف ؟

قطع الفريق سامى عنان زيارته لأمريكا وعاد إلى القاهرة إثر تصاعد الأحداث يوم 28 يناير ، وكان السؤال الذى سمعه – كما روى لي فيما بعد – تكاد لا تختلف صيغته من كل المسئولين الأمريكيين وهو : ماذا ستفعلون فى مواجهة المتظاهرين ؟ ، كانت إجابة عنان : لن نطلق رصاصة واحدة على أحد من المتظاهرين . وفور عودته التقى المشير طنطاوي وقال له ( حسبما روى لي شخصيا ) :الحل فى رأيي هو انقلاب ناعم ، يتشكل فيه مجلس رئاسي تترأسه سيادتك ، يتولى ترتيب العملية السياسية . نظر المشير طنطاوي إلى عنان وقال له باقتضاب : انس هذا الكلام .

  • حديث المؤامرة .. إلى أي مدى تنطبق هذه المقولة على أحداث يناير وتوابعها ؟

ليل أول فبراير ألقى مبارك خطابه الثاني الذى أعلن فيه عدم نيته للترشح فى انتخابات الرئاسة المقبلة ، وقال : إن هذا الوطن فيه عشت ، وحاربت من أجله ، ودافعت عن أرضه وسيادته ومصالحه ، وعلى أرضه أموت " .قوبل الخطاب بتعاطف شعبي ، وأثار جدلا وخلافات بين المعتصمين فى ميدان التحرير ، وكاد يؤدى إلى انفضاض بعض التجمعات ، لولا موقعة الجمل التى أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا ، فى تلك الأثناء بدأت تتكشف مؤامرات قوى إقليمية ودولية تعتلي مظاهرات الشباب والقوى الشعبية ، لتحقيق أهدافها فى الإتيان بجماعة الإخوان إلى سدة الحكم ، وبدأت نبرة الإدارة الأمريكية وعلى رأسها باراك أوباما فى التغير تجاه النظام المصري ، وأوفد أوباما مبعوثا له إلى مبارك هو فرانك ويزنر السفير الأمريكي الأسبق بالقاهرة لإقناعه بالتخلي عن السلطة ، لكنه لم يحصل من مبارك إلا على تعهد بعدم الترشح للرئاسة فى الانتخابات الجديدة . وعندما أعلن مبارك موقفه هذا فى خطابه يوم الأول من فبراير ، حادثه أوباما الذى كان يدرك أن بديل نظام مبارك هو جماعة الإخوان ، وطالبه بترك منصبه ، ثم خرج بعدها ليعلن أن على مبارك الرحيل الآن ، ويقول " الآن تعنى الآن " !

وفى لقائه برؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير الصحف قال عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية :" إننا نواجه مؤامرات دولية كبرى ، تستهدف إفقار البلاد وتحويلها إلى دولة بلا دور ، وتستهدف إسقاط مصر " .

  • ما هو دور الإخوان فى هذه المؤامرة ؟

كان من اللافت للأنظار إعلان هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية يوم 30 يونيو 2011 ، استئناف الاتصالات مع جماعة الإخوان ، وكشفت عن أن تلك الاتصالات سبق أن جرت فى سنوات قريبة سابقة ، فقد اجتمعت أغراض الإخوان مع مخططات القوى الدولية ، ولعلها كانت تلاقت قبل قيام ثورة 25 يناير ، على ضرب وحدة الجيش والشعب وزعزعة ثقة الجماهير بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة ، عن طريق بث الشائعات والنفخ فى حوادث فردية أو محدودة . وهكذا بدأ يتردد فى ميدان التحرير هتاف لم يسمع فى الشارع المصري قبلها بسبعة وخمسين عاما وهو " يسقط حكم العسكر" ، الذى ردده أعضاء جماعة الإخوان لأول مرة فى أعقاب صدامهم مع جمال عبد الناصر عام 1954 إثر محاولة اغتياله فى ميدان المنشية ، وأثناء محاكمة المتورطين فى تلك المؤامرة من قيادات الجهاز السري للجماعة .

فى تلك الفترة جرى أول اختبار قوة على الأرض من جانب جماعة الإخوان وحلفائها ، وانساق إليها بعض شراذم من الفوضويين ، وتحركت مسيرة لحصار مقر وزارة الدفاع فى كوبرى القبة ، لكن قوات الجيش وبعض أهالي المنطقة المحيطة تصدوا لها بحسم فيما عرف بأحداث العباسية .

  • أليس غريبا استبعاد ترشح عمر سليمان لانتخابات الرئاسة لخطأ فى حصر توكيلات أسيوط ؟

طبعا .. لم يكن خطأ حصر توكيلات أسيوط الذى أبعده من السباق مقنعا لأحد ، فكيف يقع هذا الثعلب فى مثل هذا الخطأ الساذج ، خاصة أن الأمر يتعلق بمسألة مصيرية هي الانتخابات الرئاسية ، وظن البعض أن سليمان ربما تعرض لمكيدة عن طريق الزج بواحد من غير المخلصين له فى صفوف حملته الانتخابية لارتكاب هذا الخطأ ، ولم يكن بمقدور لجنة الانتخابات الرئاسية المشكلة من كبار سدنة العدالة أن تتغاضى عنه .

  • سرت مقولة أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة سلم البلد للإخوان .. هل كان ذلك صحيحا ؟

لم يكن ذلك صحيحا ، بل كان المشير طنطاوي يجاهر فى أحيان كثيرة بما يكشف عن نظرته الحقيقية غير الودية تجاه الإخوان والمناوئة لأفكارهم .

وفيما بعد علمت من أحد أبرز قيادات المجلس الأعلى ، أن أحد القادة العسكريين طلب من المشير طنطاوي أن يلمح إلى المحكمة الدستورية بإشارة تطلب توجيه حكمها بشأن العزل السياسي بما يؤدى لإعادة انتخابات الرئاسة ، غير أن المشير رد غاضبا : إياك أن تتحدث عن ذلك ، إنه يتنافى مع شرفي الوطني والعسكري " . ولقد أقسم لي قائد كبير من أبرز أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة بأن أحدا من قيادات المجلس لم يكن يعلم باسم الفائز ، قبل أن يعلنه المستشار فاروق سلطان ، وقال لي إنه وعددا من كبار القادة كانوا مع المشير طنطاوي يتابعون بث البيان على شاشة التليفزيون بمقر وزارة الدفاع ، وفى لحظة إعلان اسم الفائز ، كان المشير عند باب الغرفة ، ثم عاد إلى مكانه ليفاجأ بالنتيجة .

فى أعقاب الإعلان عن فوز د. مرسي .. اتصلت باللواء أركان حرب عبد الفتاح السيسي ، وقلت له بالحرف الواحد : هل تعتقد أن مرسي يمكن أن يتحول من لاعب فى فريق الجماعة ، إلى قائد لمنتخب الوطن ، أقصد هل تعتقد أنه قادر على التحرر من سيطرة الجماعة ومكتب إرشادها ومرشدها العام ؟ ، وكانت إجابته ذات المغزى العميق :" المسألة ليست هل هو قادر ، وإنما هل هو يريد ؟ !

ثم أضاف قائلا : إنه يقينا يعلم أن غيره – خيرت الشاطر – كان هو مرشح الإخوان ، وأنه لولا عضويته فى الجماعة ما ترشح ، ولولا أموالها وأتباعها ودعمها السياسي والمعنوي وقدرتها على الحشد ، ما صار رئيسا – واستطرد السيسي : على كل حال .. نحن نتمنى له كل التوفيق ، وعسى أن تخيب تلك التوقعات ".

فيما بعد علمت أن السيسي حاول مع بعض القيادات البارزة فى تيار الإسلام السياسي أن يثنيهم عن الدفع بمرشحين لخوض الانتخابات ، وصارحهم فى اجتماع خاص بمخاوفه من فشلهم فى إدارة الدولة لعدم وجود خبرة سابقة لهم بالحكم وشئونه ، وقال لهم إنه يخشى أن ينعكس هذا الفشل المتوقع على فكرة الدين نفسها ، وأن يسئ إلى الإسلام . وكانت قراءة السيسي للبناء الفكري والعقائدي لجماعة الإخوان المسلمين ، تجعله متيقنا من أنها تغلب مصلحتها كجماعة على مصلحة الدولة ، لذا كان توقعه بأن مرسي لا يريد فضلا عن أنه لا يقدر .

ثمة من كان يتصور أنه ربما فى الرئيس بصيص أمل ، لكن الرجل كان لا يقدر أن يخالف الجماعة ، وشاع عن السفيرة الأمريكية آن باترسون تصريح جرى تداوله على نطاق واسع ، هو أن مصر يحكمها 4 أو 5 أفراد ، ليس من بينهم الرئيس محمد مرسي !

  • كتب مرسي بداية النهاية لحكم الإخوان بإعلانه الدستوري لتحصين قراراته .. كيف حاولت أمريكا إنقاذه قبل ثورة 30 يونيو ؟

جاءت السفيرة الأمريكية آن باترسون فى اليوم السابق للثورة 29 يونيو 2013 وبصحبتها رئيس مكتب التعاون العسكري فى القاهرة للقاء اللواء محمد العصار مساعد وزير الدفاع ، كان الغرض من اللقاء نقل رسالة رسمية إلى قيادة القوات المسلحة المصرية بأن القانون الأمريكي يحظر على الإدارة الأمريكية إعطاء مساعدات لأى دولة يحدث فيها تغيير لسلطة شرعية منتخبة ، ورد العصار على الرسالة قائلا :" لا توجد انقلابات ولا نخطط لها ، إنكما تتابعان ما يجري فى الشارع ودعوات الجماهير إلى الخروج ، وكل ما نريده نحن فى القوات المسلحة ألا تقوم حرب أهلية ويحدث ما لا يحمد عقباه ، وأؤكد لكما أن القوات المسلحة لن تترك الشعب فى مهب الريح " ، ثم نقل العصار إلى الجنرال الأمريكي المسئول عن مكتب التعاون العسكري رد الفريق أول السيسي على رسالته قائلا :" تخطئ لو تخيلت أن القوات المسلحة سوف تترك الشعب لمصيره وأنها لن تقف معه وتسانده فى مقابل مليار و300 مليون دولار هي قيمة المساعدات الأمريكية ، إننا لن نفعل ذلك أبدا حتى لوكان المقابل تريليون و300 مليار دولار " .

فى 3 يوليو تلقى اللواء العصار مكالمة تليفونية من السفيرة الأمريكية ومن بعدها مكالمة أخرى من خالد العطية وزير الخارجية القطري ، كان الهدف من المكالمتين إثناء الجيش المصري عن أي إجراء محتمل ضد محمد مرسي ، قالت السفيرة للعصار :" إن جون كيري وزير الخارجية يرجوكم لو أن هناك أي قرار من جانبكم أن تؤجلوه يوما واحدا ، وسوف نفعل ما تريدون .. فقط يريد كيري منكم أن تعطونا فرصة للتدخل .

كانت باترسون تريد من قادة الجيش تجميد أو إرجاء أي قرار يستجيب لإرادة الشعب ، حتى تعطي الفرصة للنظام وللرئيس الذى أسقطه الشعب فعلا قبيل صدور البيان المرتقب ، للقيام بخطوة استباقية ضد قيادات الجيش .. كان هذا هو التخطيط .

  • متى شعر السيسي بأن صلاحية نظام الإخوان على المحك ومن ثم فعليه أن يتدخل مهما كلفه ذلك من مخاطر ؟

فاض الكيل بالفريق أول السيسي ، واعتزم أمرا مهما كلفه ذلك من ثمن ، حتى لو كان منصبه ، قرر – وكان ذلك قبل حلول منتصف فبراير 2013 – أن يذهب إلى الرئيس مرسى وأن يصارحه بما يعتمل فى صدره إزاء نظام حكم الإخوان ومستقبله ومخاطره على البلاد ، قال لمرسي فى مكتبه بكل وضوح :" لقد فشلتم وانتهى مشروعكم ، إن حجم الصد تجاهكم فى نفوس المصريين لم يستطع أي نظام سابق أن يصل إليه بعد سنين طويلة من الحكم ، أنتم وصلتم إليه فى ثمانية شهور " ، فوجئ مرسى بما يقوله له القائد العام للجيش ، ولم يجد سوى عبارات تبرير ووعود بأن الحال سينصلح ، وعهود بأن يأخذ بالنصائح التى طالما أسداها له القائد العام على مدى أكثر من ستة شهور مضت ، غير أن شيئا لم يتحقق ، ولم يبد فى الأفق أنه سيتحقق ، وفى منتصف فبراير صرح الفريق صدقي صبحي رئيس الأركان :" أن القوات المسلحة عينها على ما يدور ، وهي رهن إرادة الشعب إذا ما احتاجها ، ففي أقل من ثانية ستكون موجودة فى الشارع " ، أدركت قيادات الإخوان أن المسألة ليست هي السيسي ، إنما قيادات الجيش كلها على ما يبدو ، فها هو رئيس الأركان يقدم على ما يشبه الوعيد للجماعة وما يشبه الوعد للشعب ، وبعد يومين ضربت الفضاء الالكتروني إشاعات – تبين أنها إخوانية – تفيد بوجود نية لإقالة كبار القادة وعلى رأسهم السيسي ، وهو ما دعا المؤسسة العسكرية إلى التحذير الواضح والتهديد الصريح بأنها لن تسمح بتكرار سيناريو عزل المشير ورئيس الأركان ، وأن المساس بقادة القوات المسلحة سيكون أشبه بحالة انتحار للنظام السياسي بأكمله ، وحينما جاء جون كيرى وزير الخارجية الأمريكي إلى مصر يوم 2 مارس 2013 ، كانت حالة الاحتقان التى تعترى البلاد مسيطرة على أجواء الاجتماعات ، قال كيري للسيسي :" ما هو تقديرك لهؤلاء الناس ؟ - وكان يقصد الرئيس وأركان نظامه الإخواني – وكان رد السيسي :" اللعبة انتهت " ، وكان السيسي يقصد أن الأوان قد فات ، ومع ذلك فإن السيسي أعطي الفرصة أربع مرات لمرسي كي يصلح أمر نظامه مع الشعب الغاضب الذى كان ينتظر بيانا من قيادة الجيش يعلن فيه الإطاحة بنظام الإخوان بعد انتهاء مهلة الأسبوع مساء يوم 30 يونيو ، لكن السيسي رأى أن يعطي فرصة جديدة لمرسي عله يستجيب ويجنب البلاد الدخول فى معمعة الخطر ، من جانب آخر كان السيسي يستقرئ الأحداث المقبلة ، ويريد أن يدرأ عن القرارات المتوقع صدورها بعد انتهاء المهلة وصف الانقلاب العسكري ، فالذي يريد الانقلاب لا يعطي مهلة مدة أسبوع ، ثم يعقبها بمهلة أخرى 48 ساعة ! ، قرأ السيسي على مرسي البيان قبل إذاعته ، ثم شاهداه معا بعد قليل يذاع على شاشات التليفزيون ، انفعل مرسي بشدة من المهلة الأخيرة  التى أعطاها له البيان ، واعتبرها إنذارا واضحا من الجيش ، فى نفس اليوم التقى مرسي مجددا مع السيسي ، وكان معه اللواء محمود حجازي مدير المخابرات الحربية ، وجد مرسى أن الوعيد لا ينفع ، فأخذ يراود القائدين اللذين هما فى مكتبه عن شرفهما العسكري وقال لهما : اطلبا أي حاجة – ثم ألمح إلى رشوتهما وهو يقول : كل اللي انتم عايزينه هتخدوه ، وكل اللي الجيش عايزه هيلاقيه .

لكن السيسي وحجازي ردا عليه وهما ينظران إليه باحتقار قائلين : نحن لا نريد إلا مصلحة بلدنا وصالح شعب مصر .

ومع ذلك واصل السيسي جهوده حتى اللحظة الأخيرة ، أوفد ثلاث شخصيات مقربة من قيادات الإخوان والرئيس مرسي لإقناعه بقبول استفتاء على رئاسته ، كانت النتائج سلبية تماما ، برغم أن مسألة الاستفتاء غدت غير مقبولة شعبيا وتجاوزتها الأحداث ، وقد سألت السيسي عما يمكن أن يحدث لو وافق مرسي على اقتراحه فى اللحظة الأخيرة ، فقال لي إنه كان سيقنع الشعب ، ولكن السيسي أيقن أن مرسى وقادة الإخوان سقطوا أسرى تصور خاطئ بأن الجيش يخشى مواجهة الإخوان ، أو أنهم كانوا يراهنون على الورقة الأمريكية .

  • بعد أن ألقى السيسي بيانه مساء 3 يوليو الذى أنهى به حكم الإخوان .. كيف كانت الصورة فى بيت الرجل ؟

بعد أن اتفق السيسي مع ممثلي الشعب على خارطة المستقبل ، وأعلنها لجموع الشعب ، انطلقت سيارة القائد العام إلى المنزل الذى تربى فيه يتلمس البركة من أمه التى أنجبته وربته ، بعدما باركته أمه الكبرى التى أقسم أن يفديها بدماه ، فى منزل السيدة والدته أمسك السيسي براحة يدها وقبلها ، وكان يرتبط بها ارتباطا شديدا ، كانت السيدة الفاضلة فى حالة صحية لا تسمح لها بأن تتابع مجريات الأحداث ، لكنها استشعرت بقلبها ومن ملامح ابنها ، أن هناك أمرا جللا قد حدث ، فأخذت تدعو له وتقول : ربنا يحميك يا بنى من كل شر .

من هناك ذهب القائد العام إلى منزله ، استقبلته الأسرة بتهان ومشاعر فخر يعتريها قلق مقيم ، كانت زوجته السيدة انتصار وأبناؤه يشعرون أن هذا اليوم ليس هو نهاية معاناة رب الأسرة ولا آخر المطاف ، إنما هو بداية مشوار المتاعب والهموم ، تلك الليلة كانت بداية مرحلة فاصلة فى حياة رجل الأقدار ، وفى تاريخ هذا البلد.

تبدو محاولة تلخيص كتاب ياسر رزق " سنوات الخماسين " محاولة صعبة ، ومن ثم لابد من قراءته كاملا ، لأنه كتاب مختلف تماما عما سبقه من اجتهادات ، لأنه زاخر بالمعلومات الجديدة الموثقة التى كان المؤلف شاهدا عليها بل مشاركا فيها أحيانا ، بل فاعلا وموجها ، ولذلك تحتار ماذا تأخذ من كتابه الممتع وماذا تدع ، فضلا عن أسلوبه الذى يقترب من أسلوب الأدباء ، أكثر منه أسلوبا صحفيا أو سياسيا ، ولذلك كان من السهل أن أبدأ قراءة الكتاب من أول صفحة إلى آخر صفحة فى يوم واحد ، فلدى الكاتب قدرة السرد الدرامي وتصوير الأحداث بحيث تعيشها  وكأنك جزء منها ، وذلك لأنه عاشها هو بنفسه ، واشتبك معها سواء بعلاقاته القريبة من مركز صنع القرار ، أو من خلال رئاسته لتحرير جريدة " الأخبار" التى أقصاه الإخوان عنها ، ليستكمل مكافحتهم بجريدة " المصري اليوم "، وكأنه كان يتنبأ عندما اعتبر أن وجود نظام الإخوان كان جملة اعتراضية فى تاريخ الوطن .


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content