اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

شعار أخبار مصر

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

"جزيرة غمام" .. حينما يسود الغمام تغشى البصائر

"جزيرة غمام" .. حينما يسود الغمام تغشى البصائر

تاريخ النشر

" طول ما عرفات حي وموجود، خلدون يموت.. ولو مات، خلدون يعيش.. ربنا خالجنا جِده جِبال بعض.. يانا يا هوه ".. يقدم "عبد الرحيم كمال" في مسلسل "جزيرة غمام" فكرة طالما استحوذت على اهتمام الكتاب شرقًا وغربًا، وتباروا في صياغتها أدبيًا، ألا وهي محاولات الشيطان الأبدية من أجل إغواء بني آدم، والسيطرة عليهم.

ويبدو أن هذه الفكرة تستهوي كمال بشكل خاص، حيث يعيد تقديمها مرة أخرى بعد أن قدمها في مسلسله الأشهر "ونوس" عام 2016. وإن كان كمال قد قدم موضوع غواية الإنسان على يد الشيطان في ونوس في دراما مأساوية "عصرية" تشبه إلى حد كبير رائعة الأديب الألماني Goethe "فاوست" Faust، فهو يقدمها الآن في جزيرة غمام، مضفيًا عليها صبغة أسطورية دينية موغلة في القدم.

في فاوست، وكذلك في ونوس يظهر الشيطان بوجه السافر، ساعيًا إلى إبرام عقد مع البطل، يملك بموجبه الطرف الأول روح الطرف الثاني في مقابل تلبية ما يرده الطرف الثاني. لكن قبل توقيع العقد، يقبض الله تعالى روح البطل كاتبًا الخلاص لروحه.

و"فاوست" هي شخصية قصصية في التراث الشعبي الألماني، نهل منها الأدباء حول العالم، وصنفوا أعمالًا متباينة التفاصيل والأهداف، لكنها تدور دائمًا في إطار أساسي، ألا وهو إبرام صفقة بين "الشيطان والإنسان"، فقصة فاوست في صورتها الشعبية الأصيلة تدور حول مساعي الساحر فاوست من أجل اكتشاف الجوهر الحقيقي للحياة، مما يجعله يستدعي الشيطان – "مفستوفيليس" Mephistopheles – ويبرم معه عقداً، يقف الشيطان بموجبه على خدمة فاوست طوال حياته، في مقابل أن يستولي على روحه بعد الموت، لكن الاستيلاء على روح فاوست مشروط ببلوغه قمة السعادة.

أما إذا أتينا إلى جزيرة غمام فنجد أن كمال أخذ القصة إلى أفق أرحب من عقد صفقة مع شيطان، فقد ربط ظهور الشيطان "خلدون – طارق لطفي" بعلامات اقتراب الساعة "الزوبعة" حيث يحل خلدون على الأرض "جزيرة غمام" ساعيًا إلى بث الفتنة بين أهلها، وتأليبهم ضد بعضهم بعضًا، مستخدمًا أساليبه الخداعية كي يغويهم، ويخضعهم له، لكن يقف له بالمرصاد العبد الصالح "عرفات – أحمد أمين"، ويسعى بما حباه الله من رجاحة العقل، وعذب البيان، وانكشاف الحُجُب أن يحمي الناس من إغواء الشيطان، ويرشدهم إلى طريق الصواب.

صور كمال المسلسل على أنه حكاية شعبية يرويها شيخ الجامع للرئيس الراحل أنور السادات حينما زار قرية "أولاد عرفات" عام 1977 المسماة سابقًا "جزيرة غمام"، وهي جزيرة من وحي خيال المؤلف، يعزلها البحر عن العالم الخارجي.

وقد أرجع كمال الحقبة الزمنية للأحداث إلى عام 1914، حيث حكم الخديوي "عباس حلمي الثاني". وتغيير اسم الجزيرة من "غمام" إلى "أولاد عرفات" ينبئنا بانتصار العبد الصالح "عرفات" على الشيطان "خلدون"، وانقشاع الغمام عن سماء الجزيرة.

رسم كمال الشخصيات الرئيسة في الجزيرة بحنكة شديدة، وجعل أغلبهم متعلقين بمتع الحياة الدنيا، مما مهد السبيل أمام خلدون كي يتلاعب بهم، ويمسك ناصيتهم بيديه؛ فالشيخ يسري "محمد جمعة" يشتهي النساء والمال، والشيخ محارب "طارق لطفي" يشتهي السلطة، وكلاهما يستغل الدين لتحقيق مرامهم. وبطحان "محمود البزاوي"، الزراع اليمنى لحاكم الجزيرة، يعبد المال ويحلم بالسلطة. كل هذه الشخصيات استطاع خلدون التلاعب بها عن طريق أثارة شهواتهم ورغباتهم الدنيوية.

صاغ كمال شخصية عرفات "أحمد أمين" في القالب الناسك الزاهد المتعبد، وهو أشبه ما يكون بحال الأولياء والصوفية المتكشفة عنهم الحجب والأستار الربانية. خلت روحه من الكراهية والضغينة، وتحررت من علائق الدنيا، لا يبتغي من الحياة سوى الرضا والتأمل في ملكوت الخالق، يجد سعادته في صحبة أطفال الجزيرة، وتعليمهم فلسفته الخاصة في الحياة. وفي صحبته للأطفال إشارة إلى نقاء روحه الشبيهة بنقاء روح الأطفال وبراءتهم.

أما الشخصية المناهضة للبطل، خلدون "طارق لطفي" فقد وصفه كمال بـ "طرح البحر" أو بالأحرى "حتف البحر"، وهو كبير الغجر، لا أصل له ولا صفة، أتى إلى الجزيرة بصحبة امرأته العايقة "مي عز الدين"، وقبيلته من الغجر؛ الرقاصين ولاعبي الورق والنار، وبائعي الهوى والمخدرات، حيث يمثلون كل ما تشتهي الأنفس من متع حسية يسلسل بها الشيطان ضحاياه، ويخضعهم لأمرته، هذا فضلًا عن وسيلته الأقوى، وهي الوسوسة في أذن الناس وخداعهم حتى ينفذوا ما يريد.

استعان كمال خلال صياغته للحبكة الدرامية بالتراث الديني، فقد استهل أحداث المسلسل باكتشاف صيادي الجزيرة جثة الفتاة "سندس" غارقة في البحر، وفي ذلك إشارة إلى أول خطايا الإنسان على الأرض المتمثلة في قيام قابيل بقتل أخيه هابيل. وكذلك "الدفتر" الذي أعطاه الشيخ مِدين "عبد العزيز مخيون" شيخ الجامع ورئيس المشيخة، قبل وفاته إلى عرفات، وأخبره أنه مدون به أعمال أهل الجزيرة وخطاياهم منذ مولدهم حتى الآن، وفي ذلك إشارة إلى "اللوح المحفوظ" المدون به مقادير البشر. هذا بالإضافة إلى الإشارات المتكررة إلى "الزوبعة" سواء من قبل الشيخ مدين أو عرفات، وفي ذلك إشارة إلى الريح الصرصر التي ضربت قوم عاد بسبب بغيهم، فأهلكتهم، ولم يبق منهم سوى نبيهم هود ومن آمنوا به.

برع كمال في تصوير الشخصيات، ومنحهم صفات وتفاصيل جعلت كل شخصية يجهر مظهرها بمكنونها، لكن ما أريدُ التحدث عنه اختيار كمال لأسماء الشخصيات.

- عرفات: والمقصود جبل عرفة أحد مناسك الحج. وقد ورد ذكر عرفات - وهو كلمة مفردة على صيغة الجمع - في سورة "البقرة" – الآية 198 ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾. والاسم كناية عن الرشد والصلاح، فمن يتبعه صاحبه يسير في طريق الحق.
- الشيخ يُسِري: أي في حالة يُسر وغنى، فقد أورثه الشيخ مدين داره، فضلًا عن عمله في إعداد الطلاسم والتعاويذ، مما أغدق عليه العيش.
- الشيخ محارب: والاسم صفة ظاهرة، فالمحارب من يقاتل بالسلاح من أجل تحقيق أهدافه، مثلما فعل الشيخ محارب، وراح يجمع الشباب ويزودهم بالسلاح في سبيل محاربة من يعارضه حتى يقبع على حكم الجزيرة.
- خلدون: صفة بمعنى الباقي، فالشيطان باقي طالما بقيت البشرية، ونهايته مقرونة بنهاية بني آدم.
- العايقة/ نوّارة: العايقة "العائقة" مؤنث "العائق"، وهو كل ما يتشاغل به الجميع، ويعيق تقدمهم وهذا في الفصحى، أما في العامية؛ فالعايقة من تتباهى بجمالها وحُسنها، والاسم في الحالتين يتماشى مع صحبتها لخلدون، فهي إحدى وسائله في إغواء الناس. أما الاسم الثاني "نوارة" فهو يشير إلى مكنونها النقي الذي يسعى عرفات إلى إبرازه. والاسم يحمل صفتين متضادتين، فالنور قد يهدى الضال، وقد يشوش البصر، وفي ذلك إشارة إلى الصراع النفسي للشخصية، ما بين بقائها في صحبة الشيطان أم رحيلها مع العبد الصالح.
- العجمي "رياض الخولي": وهو حاكم الجزيرة، والعجم هم الأجانب، وغير العرب بصفة عامة، والاسم يُطلق على الفرس بصفة خاصة. واختيار هذا الاسم لحاكم الجزيرة دلالة عن أن الحقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث كان الأجانب "الأتراك العثمانيون" يحكمون مصر.
- هِلالة كبيرة السوق "وفاء عامر": الهلال ينير السماء على الرغم من عدم اكتماله، وهي حب العجمي ونور حياته، إلا أنها لم تنجب له الولد، فظلت في عينيه غير مكتملة، فتزوج من فتاة شابة حتى تتحقق رغبته في إنجاب الوريث الذي سيخلفه على حكم الجزيرة.
- الشيخ مِدين: المدين هو الأسد الذي يقود القطيع أثناء الصيد، والاسم كناية عن القيادة والإرشاد، فمدين كان شيخ الجامع ورئيس المشيخة في جزيرة غمام.
- بطحان: أي من يبطح خصمه بحجر، في إشارة إلى استخدام القوة في سبيل القضاء على من يناصبه العداء، وكذلك تحقيق رغباته.

قدم عبد الرحيم كمال ثلاثة أنماط متباينة لرجل الدين، الأول "عرفات"، وهو رجل الدين في صورته السمحاء الأصيلة، المتصف بالتقوى والورع، يدعو الناس بالموعظة الحسنة إلى الرشد والصلاح، ولا يرهب أحدًا باسم الدين والشريعة، ولا يجبر أحدًا على اتباع خُطاه. النمط الثاني "محارب" المتستر وراء العمامة والعباءة والسبحة لإخفاء طمعه في حكم الجزيرة، يريد الهيمنة على الناس مستغلًا سلطته الدينية بعد أن أورثه الشيخ مدين الجامع والمشيخة، فيسعى تحت مسمى تطبيق الشرع إلى ترهيب أهل الجزيرة بعذابات الآخرة، وبالمليشيات التي راح يكوّنها من شباب الجزيرة الأشداء. النمط الأخير "يسري"، وهو يمثل رجل الدين المنافق، ظاهره خلاف باطنه، يدعي التقوى والورع ظاهريًا، ويشتهي متع الدنيا جميعها.

قدم كمال شخصية حاكم الجزيرة "العجمي" في صورتها التقليدية في السير الشعبية، وهو أشبه ما يكون بـ "الدكتاتور العادل"، يستأثر بالحكم لنفسه، لكنه قد يستمع للآخرين، ويتشاور معهم مثلما فعل مع عرفات.، يخشى أهل الجزيرة قوته وغضبه، وفي الوقت نفسه يحترمونه لأنه يرعى مصالحهم، ويبت في مظالمهم، ويعيد إليهم حقوقهم إن نُهبت.

اختار المخرج "حسين المنباوي" أبطاله بعناية فائقة، ونستطيع القول إنه أعاد اكتشاف نجوم كبار مرة أخرى.

- القديرة "عايدة فهمي" في دور المرأة العجوز كفيفة البصر "مليحة"، جدة الفتاة سندس، والقدير محمود البزاوي في دور "بطحان"، كلاهما طاقة فنية كبيرة حينما منحت الفرصة لهما أبهروا الجميع.
- مي عز الدين نراها في ثوب جديد شكلًا ومضمونًا وأداءً. ويبدو أنها نختار أدوارها في الآونة الأخيرة بعناية شديدة، وتحرص على تنوعها وتباينها.
- طارق لطفي، فتحي عبد الوهاب، رياض الخولي.. براعة في الأداء تزداد ثقلًا بمرور السنوات.
- محمد جمعة يتقدم بخطى واثقة بين أبناء جيله دور بعد دور.
- أحمد أمين يثبت للمرة الثانية بعد مسلسل "ما وراء الطبيعة" أن الممثل الحقيقي لديه القدرة على لعب جميع الأدوار، وأينما حل أحرز النجاح. قلة من الممثلين الذين لعبوا الأدوار الكوميدية والتراجيدية، واستطاعوا إقناع المشاهدين، وأمين أحدهم، فهو جوكر الدراما المصرية القادم.
- وفاء عامر أصبح اسمها يرادف النجاح، فهي ممثلة لديه القدرة على لعب جميع الأدواء والشخصيات.

- كادرات التصوير لـ "إسلام عبد السميع" أشبه ما تكون بلوحات فنية رُسمت ببراعة شديدة.

- تتر المقدمة من تأليف الشاعر "إبراهيم عبد الفتاح"، ولحن الموسيقار "شادي مؤنس"، وغناء المبدع دائمًا "علي الحجار" يحمل معاني صوفية وفلسفية عميقة، ونتنفس فيه رحيق تترات "الليل وآخره"، و"الرحايا".

أما تتر النهاية بموسيقى منفردة لمؤنس مع الاستعانة بالمزمار والآلات الوترية والإيقاعية خلق أجواء شديدة الخصوصية، يُسمع فيها وقع خطى القضاء والقدر..

عبد الرحيم كمال يقدم في جزيرة غمام ملحمة درامية صوفية الهوى، مستقاة من التراث الشعبي والديني، وهي أجواء برع في صياغتها بدءً من الرحايا، ومرورًا بشيخ العرب همام ودهشة والكنز.


  • #كلمات متعلقة

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

فيديوهات

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content