اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

العراق يثور ويخلع عمامة الملالي

تاريخ النشر

يشهد العراق منذ مطلع أكتوبر الجارى هبة شعبية هى الأكبر منذ سقوط نظام الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين فى عام 2003، حيث شهدت العاصمة بغداد وعدد من المدن العراقية مظاهرات عنيفة خرج فيها آلاف من الشباب احتجاجاً على استشراء الفساد والبطالة وسوء الخدمات العامة.

وردت قوات الأمن على مظاهرات الشباب باستخدام خراطيم المياه، والغاز المسيل للدموع وبإطلاق الرصاص الحى والمطاطى. وهو ما تسبب فى سقوط أكثر من مائة قتيل وستة آلاف جريح خلال الأسبوع الأول من هذه الهبة التى تشير كل المؤشرات على استمرارها وتصاعدها.

ويزيد من اشتعال المظاهرات أن المشاركين فيها هم من فئة الشباب، ومعظمهم ينحدر من أوساط فقيرة، ولا ينتمى لأحزاب سياسية توجهه، بل تحركه حالة العوز التى تعانيها نسبة كبيرة من العراقيين.

وجاءت هذه الهبة الشعبية بعد عام كامل من تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة عادل عبدالمهدى وإخفاقها فى التعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وبعد أن استشرت فى أوساطها ظاهرة الفساد بصورة أكبر من تجهلها عين المواطن البسيط.

وزاد من غضب الشباب تردى الوضع الاقتصادى، وانحدار مستوى الخدمات فضلاً عن تفاقم البطالة، وارتفاع وتيرة التدخلات الإيرانية فى الشأن الداخلى العراقى، حتى أصبح المواطن العراقى يرى أن أمر العراق لم يصبح بيده.

ثم جاء رد فعل الحكومة على هذه الاحتجاجات ليصب الزيت على النار المشتعلة، فكان رد فعل الشرطة العراقية العنيف على المظاهرات سبباً فى انتشارها فى مدن جديدة واتساع رقعتها لتشمل جنوب العراق كله ووسطه خاصة بعد التعامل العنيف مع المشاركين فى اعتصامات ساحة التحرير فى بغداد، وبعد سقوط عشرات القتلى وآلاف الجرحى.

من جانبه حاول الرئيس العراقى برهم صالح تهدئة الوضع المتأزم مبرئاً المتظاهرين من اتهامات لاحقتهم عبر وسائل الإعلام الرسمية بأنهم عملاء ينفذون أجندة خارجية، مؤكداً أن المظاهرات التى تشهدها بلاده جاءت نتيجة المظالم.

كما أدان صالح العنف المفرط الذى استخدمته الشرطة ضد المتظاهرين واصفاً ما حدث من استهداف للمتظاهرين بأنه غير مقبول.

من جانبها اقترحت المرجعية الشيعية العليا فى العراق تشكيل لجنة من أسماء معروفة من خارج السلطة لتحديد خطوات مكافحة الفساد، باعتبار أن انتشاره هو المحرك الرئيسى لغضب المتظاهرين، كما طالبت المرجعية بتحسين الخدمات وتوفير فرص عمل والابتعاد عن المحسوبية ومحاسبة المقصرين.


مظاهرات ضد اثنين..الفساد وإيران

ويقول الدكتور طارق فهمى، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، انه من المبكر الحديث عن تغيير كبير فى النظام السياسى فى العراق، ولكن ما حدث هو إرهاصات لثورة محتملة، وما يحدث الآن فى العراق هو حراك شعبى لشرائح اجتماعية تعانى أوضاعاً اقتصادية صعبة، وأسهم التعامل الحكومى العنيف مع هذه المظاهرات فى اتساعها، مضيفاً أن الحكومة فى العراق لم تلتقط الرسالة التى أطلقها المتظاهرون مبكراً، وهى أن جيلاً جديداً فى العراق لن يسمح بتردى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، كما أنه لن يقبل بأى تدخلات خارجية.

وأضاف فهمى أن هذا الحراك له وجهان: أحدهما اقتصادى اجتماعى فالمواطن العراقى الذى تعوم بلاده على بحيرة من النفط، يعانى شظف العيش، كما أنه يشاهد مظاهر الفساد وهى تتسع دائرتها، أما الوجه الثانى فهو السياسى فهذا الجيل من الشباب يلاحظ حجم التدخلات الإيرانية فى الشأن الداخلى العراقى.

وأشار فهمى إلى أن هذه التظاهرات أثبتت للجميع أن عروبة العراق ليست محل جدال أو مناقشة بالنسبة لهذا الجيل من الشباب، فهؤلاء المتظاهرون يدفعون من دمائهم ثمناً لإخراج العراق من دائرة النفوذ الإيرانى، وهم يدركون أن ذلك لن يكون سهلاً لأن إيران لن تتراجع عن نفوذها الكبير فى العراق بسهولة.

وأوضح فهمى أن الضغوط الدولية والعقوبات الأمريكية ستسهم إلى حد كبير فى تقليص النفوذ الإيرانى فى العراق، وربما يمتد ذلك إلى تقليص نفوذها فى دول أخرى مثل سوريا ولبنان واليمن، مضيفاً أن شعب العراق انحاز إلى عروبته وهو ما يضع الدول العربية الكبيرة أمام مسئولياتها لدعم موقف الشعب العراقى.

وطالب فهمى دولاً مثل مصر والأردن بالقيام بواجبهما نحو انتفاضة الشعب العراقى ودعمه بكل السبل كى يخرج من العباءة الإيرانية التى دخلها فى لحظة سقوط نظام صدام حسين فى عام 2003، ويجب على جميع الدول العربية القيام بدورها وملء الفراغ الذى سيحدثه الانسحاب الإيرانى من الساحة العراقية تدريجياً.

ولفت فهمى إلى أن شيعة العراق كانوا دوماً مع وحدة العراق وعروبته، ولم يقدموا يوماً انتماءهم المذهبى على انتمائهم لأمتهم العربية، وهذا هو الثابت الذى لم يتغير حتى فى فترة التراجع التى يشهدها العراق حالياً، مشيراً أن هناك تركيز إعلامى على بعض المرجعيات الدينية الشيعية المرتبطة بإيران بينما يتم تجاهل أغلبية المراجع التى لها ميول عروبية وترفض الهيمنة والتبعية لإيران.


العراقيون كشفوا زيف إيران

ويقول الباحث فى الشئون الإيرانية أسامة الهتيمى إن لا يمكن على الإطلاق الفصل بين الاحتجاجات التى اندلعت فى المحافظات العراقية منذ أكثر من أسبوع وبين تلك التى شهدتها العراق وخاصة المحافظات الجنوبية منذ أكثر من عام، والتى راح ضحيتها عشرات القتلى فضلاً عن سقوط آلاف الجرحى والتى انطلقت فى البداية بدوافع اقتصادية واجتماعية وسرعان ما تطورت لتشتمل على مطالب سياسية تعلقت بضرورة تشكيل حكومة عراقية وطنية وتحقيق الاستقلال الوطنى عبر الحد من النفوذ الإيرانى المتزايد فى العراق.

وأضاف الهتيمى أن هذه الاحتجاجات توقفت بعد أن شرعت الحكومة العراقية فى اتخاذ حزمة من الإجراءات لاحتوائها، غير أنه وبعد مرور أكثر من عام على هذه الاحتجاجات اكتشف العراقيون الذين منحوا السلطة فرصة لتحسين الوضع أن جديداً لم يحدث، ومن ثم كانت هذه الموجة الثانية التى على ما يبدو ستكون أقوى وأوسع من الموجة الأولى خاصة وأنها تخلصت إلى حد كبير من أجندات التيارات والقوى السياسية، ومن محاولات بعض هذه القوى ركوب موجة الاحتجاجات وتسخييرها لمصالحها الحزبية الضيقة.

المتظاهرون يحرقون صورة خامنئى

وأوضح الهتيمى أن التظاهرات هذه المرة قد ركزت وبشكل أساسى على مطلب الاستقلال الوطنى، والذى اتضح جليا من خلال الشعارات والهتافات التى يرددها المتظاهرون مثل شعار "إيران برا برا" وحرق صور المرشد الأعلى للثورة الإيراينة على خامنئى وصور بعض المسئولين الإيرانيين المتنفذين فى الشأن العراق فضلا عن حرق مقرات الأحزاب العراقية الموالية لإيران وهو ما عكس إلى أى حد وصلت حالة احتقان الشعب العراقى "شيعة وسنة" من إيران وتدخلاتها وسياساتها التى لا تراعى المصالح العراقية على الإطلاق.

وأشار الهتيمى إلى أن إيران نجحت طوال أكثر من 16 عاماً فى ترسيخ أقدامها ونفوذها فى العراق على المستويات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية ومن ثم فإنه يصعب القول بأن هذه التظاهرات يمكن أن تكسر هذا النفوذ فى المدى القريب فالمهمة صعبة للغاية، لكنها تستطيع أن تنتصر على النفوذ الإيرانى على المدى الطويل لأن هذه المعركة هى معركة النفس الطويل، ومن ثم فإن نجاح هذه الهبة الشعبية فى تحقيق هدف الاستقلال الوطنى يرتهن بالعديد من الاعتبارات أبرزها مدى إصرار الشعب العراقى على تحقيق هذا الاستقرار وعدم استجابته لكل محاولات تفريغ هذا الحراك وتسطيحه كما تفعل إيران والحكومة العراقية فى الوقت الحالى.

ولفت الهتيمى أن هذا الحراك الشعبى هو فرصة عظيمة للبلدان العربية لتتدارك ما فاتها طيلة السنوات الماضية فى العراق فالشعب العراقى يكتب بدمه وثيقة استقلاله من النفوذ الإيرانى، ويبرهن للعالم انحيازه لأمته العربية، وسعيه لإعادة العراق إلى وضعه الطبيعى فى الصف العربى خاصة بعد أن انكشف للعراقيين زيف الشعارات الإيرانية وأن سلوكها ليس طائفياً فحسب ولكنه عنصرى أيضاً وبالتالى فما على الدول العربية إلا أن تنحاز لثورة العراقيين وأن تمد يد العون لهم معنوياً وسياسياً وهذا فى حد ذاته كفيل بأن يسهم بشكل كبير فى القضاء على المشروع الإيرانى فى العراق، ومن ثم فى المنطقة بأثرها.

وشدد الهتيمى على أن هذا الحراك العراقى يدلل على يقظة الشعب العراقى ونجاحه فى كشف خداع وزيف الخطاب الطائفى والعنصرى الإيرانى، لافتاً أن ما بعد هذا الحراك سيختلف كلية عما سبقه، خاصة وأن هذه التظاهرات يقودها جيل الشباب وهو جيل من الصعب خداعه، وسيواصل مسيرة التوعية والدفاع عن حقوق العراق والعراقيين.


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content