اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

قراءات - مائة عام على ميلاد «دوريس ليسينج»

تاريخ النشر

فى شهر أكتوبر هذا العام (2019) احتفلت الأوساط الأدبية العالمية بمرور مائة عام على ميلاد الكاتبة الإنجليزية "دوريس ليسينج" (1919 -2013). وكانت ليسينج حصلت على جائزة  نوبل فى الآداب عام 2007، فى الثامنة والثمانين من عمرها، قبل وفاتها بستة أعوام. وصفتها الأكاديمية السويدية آنذاك بأنها "راوية ملحمية للتجربة النسائية، تسبر أغوار حضارة منقسمة على نفسها، منهجها فى ذلك الشك وقوة البصيرة والحماسة".

انطلقت ليسينج نحو الشهرة بروايتها الأولى "العشب يغنى" (1950)، تبعتها رواية "المذكرة الذهبية" (1962)، والتى رأت فيها الأكاديمية السويدية "عملاً رائداً ينتمى إلى مجموعة الأعمال التى شكلت رؤية القرن العشرين للعلاقة بين الرجل والمرأة". وفى عام 2008 وضعتها جريدة التايمز الإنجليزية فى المركز الخامس ضمن أعظم خمسين كاتبًا إنجليزيًا منذ عام 1945. ولدت "ليسينج" عام 1919 فى إيران لأبوين إنجليزيين، ولكنها انتقلت للعيش فى إنجلترا منذ عام 1949. وقبيل وفاتها عام 2013، عن أربعة وتسعين عامًا، كانت "ليسينج" قد نشرت أكثر من خمسين عملًا إبداعيًا، بين رواية ومجموعات قصصية. تناولت فى أعمالها قضايا الصراع السياسى والاجتماعى، كما تعرضت لتجارب شبه ذاتية فى جنوب أفريقيا، وكانت لها روايات ذات أبعاد نفسية مثيرة وأخرى تندرج تحت الخيال العلمى. اعتبر كثير من النقاد روايتها "المذكرة الذهبية" رواية نسوية كلاسيكية، إلا أن "ليسينج" رفضت هذا التصنيف، ورأت أن هؤلاء النقاد أغفلوا التيمة الأساسية فى الرواية، وتتمحور حول دور الاضطراب العقلى فى علاج المرء وتحرره من الأوهام. لم ترض "ليسينج" عن تصنيفها ككاتبة نسوية، ورأت فى الخطاب النسوى إعلانًا للصراع مع الرجل، دون إدراك لحقيقة العلاقة المتشابكة بين المرأة والرجل.

استخدمت "ليسينج" أدب الخيال العلمى، لتناول قضايا اجتماعية وإنسانية. وقد تجسد شغفها بالعلم والاضطرابات الاجتماعية فى عملها الضخم "كانوبس فى أرجوس"، وهى سلسلة من خمسة كتب نشرتها بين عامى  1979 و1983، وفيها تتخذ من أدب الخيال العلمى الذى يدور فى الفضاء وسيلة لدراسة الأنظمة الاجتماعية المختلفة. وفى عام 1988 تأتى روايتها "الطفل الخامس"، والتى اتبعتها بجزء ثان بعنوان "بن والعالم" (2000 ). يتناول الجزء الأول حياة الزوجين "ديفيد" و"هاريت"، فى إطار زمنى يمتد من نهاية الستينيات وحتى منتصف السبعينيات. وفى الجزء الثانى، يتواصل السرد ويمتد الفضاء الزمنى حتى منتصف التسعينيات. ففى تحد لمنظومة اجتماعية متعارفة فى تلك الفترة، يقرر "ديفيد" و"هاريت"، بعد لقائهما فى حفل اجتماعى، أن يعيشا حلمهما الخاص ويحققا سعادة زوجية فى منزل فسيح، وينجبا عدداً  كبيراً من الأطفال، فى عودة لما كان سائدًا فى العصر الفيكتورى، قبل انتشار المفاهيم الحديثة التى تدعو إلى التحكم فى النسل ومشاركة المرأة فى بناء المجتمع الخارجى. وبالفعل تتحقق لهما السعادة التى ينشدانها، مع إنجاب أربعة من الأبناء، ومشاركة الأهل والأصدقاء، الذين يجتمعون فى بيتهما الفسيح فى أعياد الكريسماس والمناسبات الاجتماعية الأخرى. ولكن ما يلبث القدر أن يضن عليهما بتلك السعادة، فتبدأ المعاناة مع بداية حمل "هاريت" فى طفلهما الخامس، والذى شعرت به عملاقاً يهاجمها من الداخل، ليولد طفلاً غريب الأطوار قوى البنية يميل ميلاً كبيراً نحو العنف، وكأنه "فرانكينشتين"، الإنسان الوحش، فى رواية الكاتبة الإنجليزية "مارى شيلى"، التى تحمل نفس الاسم (1818). ينبذه إخوته ويتجنبه أبوه وتحاول "هاريت" وحدها أن تهذب من سلوك الطفل وشراسته، فيجانبها النجاح فى كثير من الأحيان. ومن ثم ينتابها شعور جارف بالذنب، وكأنها مجرم اقترف جريمة فى حق سعادة تلك الأسرة. وعلى مضض، تتقبل الأم فكرة وضعه فى مصحة لرعاية ذوى الإعاقة الذهنية، إلا أنها حينما ترى ما يعانيه طفلها هناك من عذاب وانتهاك لآدميته تفر عائدة به إلى المنزل، لتواجه مرة أخرى ما يعانيه سائر أفراد الأسرة بسبب ذلك الطفل. وتعود الأم لتواجه حيرتها بين طفل لا يعى ما يفعل ولا يقصده إنما يحمل فى داخله حباً بلا حدود ورغبة ملحة فى التواصل مع الآخرين، وبين زوجها وأطفالها الآخرين الذين يعانون من شراسة الطفل غير المقصودة ولا يبذلون جهدًا فى محاولة فهمه واحتوائه.

فى الجزء الثانى"بن والعالم" يطالعنا السرد وقد بلغ "بن" الثامنة عشرة، فتشجعه الأم على الاستقلال بعيداً عن الأسرة، فى محاولة للتخلص منه؛ وفى قسوة بالغة تنتقل الأسرة من منزلها الذى تعيش فيه، حتى لا يجد الفتى عنوانًا يعود إليه. يلتقى "بن" بأنماط شتى من الناس، فيستغله الكثيرون، ولا يجد الحب والمأوى إلا مع الفقراء والمهمشين، ومنهم سيدة عجوز تحتويه وتأويه فى منزلها ليشاركها معاشها الضئيل. وفى إنسانية بالغة يفتقدها كثير من الأسوياء، يشعر "بن" بحب وامتنان للعجوز، فيخرج معتمدًا على قوته الجسدية فى العمل كعامل للبناء، ليأتى إليها بما تشتهى من طعام. ويبقى الحال هكذا حتى يعود إليها يوماً ليجدها وقد فارقت الحياة، فيخرج مرة أخرى لمواجهة العالم بكل شروره. يستغله البعض فى تهريب المخدرات، فيغير ملامحه ويخرجه بجواز سفر مزور إلى فرنسا؛ ويبدأ الفتى شوطاً من الترحال ينتهى به إلى يد مجموعة من العلماء تحاول أن تخضعه لتجاربها. وتنتهى الرواية بموت "بن"، وعودته إلى كائنات تنتمى إلى حقبة تاريخية سابقة، هى جنسه الأصلى.

فى تكثيف درامى بالغ وأسلوب لغوى موجز مشبع بأرق الأحاسيس وصور شعرية آخاذة، تمزج "ليسينج" بين متعة الخيال العلمى، وما يبعثه من إثارة وتشويق، وبين نقد اجتماعى لاذع ينهال بسياطه على مجتمع الحضارة الحديثة، الذى تحكمه الرأسمالية والبرجماتية، فلا يعرف أفراده شيئاً من رحمة أو تعاطف، مجتمع  لايعرف سبيلاً للتعامل مع من يختلفون عنه ويخرجون على نواميسه، سواء كانوا من الأطفال المعوقين ذهنياً أو الكبار من الفقراء والمهمشين، مهما كانت درجة قرابتهم. وفى ثنايا العمل تسلط الكاتبة ضوءاً ساطعاً على حقيقة أن من بين هؤلاء المختلفين والمهمشين مَن يحمل قدرة على التعاطف والرحمة لا يعرفها غيرهم، ممن وقعوا فريسة لمادية الحضارة الحديثة وأطماعها. وبينما تنتهى رواية "مارى شيلى" بثورة " فرانكينشتين" على صانعه، ومن ثم خلاصه من القهر والذل، لا ترى "ليسينج" خلاصاً لـ"بن" سوى بالموت، فى إشارة واضحة إلى مدى قسوة الحضارة الحديثة على مثل هؤلاء البشر.

بإبداعاتها المتميزة استطاعت الكاتبة الإنجليزية "دوريس ليسينج" أن تضع بصمتها الواضحة على أدب القرن العشرين، وتٌشكل ملامحه، وأن تكون واحدة من أساطين الأدب العالمى فى ذلك الزمان.

 


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content