اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

ترحال - «شيزوفرينيا » تشارلى إيبدو..!

تاريخ النشر

عرفت صحيفة "تشارلى إيبدو" الفرنسية الساخرة بجرأتها فى تناول المواضيع الحساسة على اختلاف أنواعها، كذلك خرقها لمبدأ احترام الأديان بما يسمى "حرية التجديف" تلك التى دافع عنها الرئيس الفرنسى إمانويل ماكرون فى تعليقه على قرارها  بإعادة نشر رسوم كاريكاتورية للنبى محمد (ص)، قائلا: إن رئيس فرنسا لا يمكنه أبدا أن يقيم "الخيارات التحريرية للصحفي".. ففى فرنسا هنالك أيضا حرية لتجديف (السخرية من الأديان) ...وأنا هنا لحماية هذه الحريات.

والعجيب فى الأمر، أنه فى الوقت الذى أدان فيه ماكرون خطاب الكراهية، عاد ليرتدى وجهه العنصرى الحقيقى قائلا: إن هذا بالطبع لا ينطبق على رسوم إيبدو "الرسوم الكاريكاتورية للنبى محمد (ص) فهى ليست خطابات كراهية"..وتدعيما لموقفه المخزى ذاك، عاد ماكرون عشية انطلاق محاكمة 14 شخصا على صلة بالهجوم على مكاتب شارلى إيبدو عام 2015 ليقول :"أعتقد أننا سنفكر غدا فى النساء والرجال الذين قتلوا بطريقة جبانة؛ فقط لأنهم كانوا يرسمون ويكتبون ويصححون.

ولكن ماكرون الذى أعلن دعمه للصحيفة لم يَسلم وجيشه أيضا من سخرية الصحيفة، فبعد مصرع 13 جنديا فى اصطدام مروحيتين خلال عملية عسكرية ضد الجهاديين ـ والذى أثار صدمة كبرى فى فرنسا، نشرت صحيفة إيبدو خمسة رسومات يُظهر فى أحدها على موقع تشارلى إيبدو، الرئيس الفرنسى ماكرون واقفا أمام نعش أحد الجنود، وقد لُفّ بالعلم الفرنسي، مع عبارة "انضممت إلى الجيش لأكون متميزا عن الآخرين".. وهو شعار يستخدمه الجيش فى حملته الحالية، وإعلاناته لتجنيد عناصر جدد فى الجيش الفرنسي؛ مما أثار غضب رئيس أركان سلاح البر فى الجنرال "تييرى بوركارد" الذى أعلن فى تغريدة له عن استياء عميق وعدم فهم إزاء هذه الرسوم من تشارلى إيبدو"، قائلا: "مشاعرى ومواساتى أخصّ بها أوّلا عائلات هؤلاء الجنود الذين قتلوا خلال أداء واجبهم للدفاع عن حرياتنا، كما أتهم المسئول العسكرى للمجلة، بتدنيس فترة حداد العائلات المكلومة".. هناك ثلاث عشرة عائلة تبكى ابنا، أخا، زوجا أو أبا، بينهم أطفال لم يولدوا بعد، ويؤسفنى أن وقت الحداد لهذه العائلات أصبح ملطخا بهذه الرسوم الكاريكاتيرية الفظيعة.

أما "ريس" مدير تحرير الصحيفة، فكتب فى رده على رئيس الأركان قائلا: "على صحيفتنا أن تبقى وفية لروحها الساخرة، والاستفزازية أحيانا، ومع ذلك أود أن أقول: إننا ندرك أهمية عمل الجنود الفرنسيين فى حربهم ضد الإرهاب، وما أنا نادم عليه بالفعل؛ هو رؤية الناس يحاربون قليلا للدفاع عن الحرية، وإذا لم ندافع عن حريتنا سنعيش كالعبيد، وسنروّج لعقيدة مميتة".

ورغم أن إعادة نشر الرسوم المسيئة لنبى الله محمد (صلى الله عليه وسلم) من قبل تشارلى إيبدو، قد استدعت إدانات جديدة من دول بينها إيران وباكستان وتركيا، إلا أن ريس الذى يعيش اليوم فى ظل حراسة دائمة على مدار الساعة، بعد إصابته فى الاعتداء على صحيفة إيبدو 2015، ضرب بذلك عرض الحائط قائلا: إذا تخلينا عن الحق بنشر هذه الرسوم، فإن هذا يعنى أننا كنا مخطئين بفعل ذلك فى المقام الأول.. الأمر الذى دعى تنظيم القاعدة لتهديد صحيفة شارلى إيبدو الفرنسية بهجوم مماثل، لذلك الذى حدث عام 2015 وطال موظفيها كما ذكر موقع سايت الذى يتابع نشاطات المتطرفين.

كما حذرت القاعدة فى نشرتها "أمة واحدة"، الصحيفة الساخرة، بأنها ستكون مخطئة إذا ما اعتقدت أن اعتداءات 2015 كانت لـ"مرة واحدة" فقط، موجهة رسالتها إلى الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، تلك الرسالة نفسها التى سبق ووجهتها إلى فرنسوا هولاند الذى كان رئيسا خلال اعتداءات عام 2015

وقالت: إن فرنسا بقيادة ماكرون "أعطت الضوء الأخضر" لإعادة نشر الرسوم، ولكن"ريس" عاد ليكتب لن نستسلم أبدا، وهو الأمر الذى أيده فيه الصحفى والفيلسوف الفرنسى برنار هنرى ليفى على تويتر قائلا: "ريس مدير شارلى إيبدو معه حق: لو قامت بقية الصحف بنشر الرسوم الكاريكاتورية، لا أحد كان سيموت فى مقر الصحيفة. يجب مشاركة هذه الرسومات. ليس لأنها مضحكة، لأنها حصانتنا الجماعية التى نعتمد عليها من التعصب".

ولكن هل يتفق كل الفرنسيين مع هنرى وريس؟

الحقيقة لا.. فالمواقف السياسية تجاه حرية التعبير فى فرنسا تكيل بمكيالين طبقا لمصالحها، كما وصفها المواطن بان ريبرل قائلا: يبدو أننا ندافع عن حرية التعبير"فقط" عندما يكون ذلك مناسبا لنا.

 فمثلا حينما قامت صحيفة إيبدو برسم يشوه ملامح الطالبة الفرنسية مريم بوجيتو، رئيس نقابة الاتحاد الوطنى للطلبة الفرنسيين، لا لشيء إلا لأنها ظهرت على وسيلة إعلامية وهى ترتدى الحجاب، قامت الدنيا ولم تقعد، حيث ندد وزير الداخلية جيرار كولومب والوزيرة المكلفة بالمساواة بين النساء والرجال مارلين شيابا، بما أطلقا عليه الترويج للإسلام السياسي، مما دعا النائب الفرنسى ألكسيس كوريير، ينتقد فى مقابلة مع قناة "سى نيوز" الترويج المبالغ فيه لرفض شخصيات سياسية ظهور رئيس النقابة الطلابية وهى ترتدى الحجاب قائلا: إن الرسم مثير للاشمئزاز، ولا يعرف إن كان يشبه القرد أو الجمل، وقال كوريير إنه لا يقبل ذلك بحق فتاة فى العشرين من عمرها، فهذا غير مسموح، ودعا الصحيفة إلى التوقف عن إزعاج المسلمين، لأن خلق هكذا مناخ هو شيء كريه، وبالنسبه للدين فهو حاضر بما يكفى وسط حلقات النقاش، كما أنه سئم ممن يعيد الفرنسيين كل مرة إلى الخوض فى المسائل الدينية.

وقد  لخصت الصحافة الفرنسية الجدل الدائر بشأن حجاب مريم، إنه رغم غياب أى انتهاك للقانون، فإنه هناك تعارضا ضمنيا مع قيم النقابة الطلابية، فرئيس النقابة تدافع عن موقفها من مبدأ أن ذلك يتعلق بحريتها الدينية، غير أن النقابة الوطنية للطلبة الفرنسيين تدافع عن مسائل بعيدة كليا عن الدين، فالحجاب يعتبر"أداة" انتماء لدين معين، تخضع فيه المرأة للرجل، ولا تتساوى مثله على مستوى الحريات وفق ما ذهبت إليه الصحف. فيما سَيسَ موقع "ريفولوسيون بارمانانت" الإلكتروني، القضية باعتبار أن العنصرية ومعاداة المسلمين وذم طلبة حركيين، هى الورقة الرابحة التى أهدتها صحيفة إيبدو إلى اليمين المتطرف فى فرنسا.

ولكن ماذا عن المواطن الفرنسي؟

الحقيقة المؤسفة، أنه خلال الخمسة عشر عاما الماضية تطور رأى الفرنسيين حول الحق فى رسم الشخصيات الدينية أو السخرية منها، فقد أوضحت إحدى الدراسات أن ما يزيد عن 60% من الفرنسيين، يعتقدون أن الصحيفة كانت على حق فى نشرها هذا النوع من الرسوم، والغريب أن هذا الجدل والانفصام يحدث فى الوقت الذى تبيع فيه الصحيفة ـ التى تدعمها الدولة بـ 1,5 مليار يوروـ ضعف عدد نسخها التى كانت قبل عام 2015 ، ضاربة بقرار لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التى طالبت فرنسا بضرورة مراجعة التشريع، واتهمتها بانتهاك حقوق الإنسان.

نبضة مسافرة

الكثيرون منا مع حرية التعبير.. لكن "فقط" عندما لا يكون لدينا اقتناع حقيقى بالموضوع

«ادمون تشافى »

 


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content