اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

السعادة ممكنة - الغباءالعاطفى.. قانون مجتمع الحداثة!

تاريخ النشر

الصلب لا يذوب ولا يفقد خواصه بسهولة، بعكس السائل الذى تضيع هويته بمجرد اختلاطه أو حتى ملامسته لغيره.

ولقد ظلت الأخلاق، الحب، المبادئ، كمعانى تعد صلبة تقاوم حتى لا تتأثر بمجريات الحداثة، إلى أن سقطت فى اليم الذى أوجدته الحياة الافتراضية فذابت فيه وباتت نمطية يعيشها الجميع بنفس الروح النفعية ولنفس الأهداف الفردية الاحتكارية.

 وما لبث أن أصبح الاستهلاك هو المبدأ القائم والمتغلغل فى ثنايا عقل وقلب وروح وفكر الإنسان. الاستهلاك الذى لم يبق على أية قيمة وإنما يستنفد كل طاقاتنا فى مجتمع سائل لم ينج من الاختلاط فيه حتى الزيت بالماء.

وبالتالى الحب بالكراهية، الإخلاص بالخيانة، العطاء بالأخذ، الاحتكار باللانفعية، حيث لم يفرق بين ما هو مادى نافذ وما هو معنوى خالد. 

هذا ما جعل القلق على ما وصلت إليه الإنسانية فى المجتمعات المعاصرة يتسرب إلى نفس وعقل عالم الاجتماع البولندى "زيجمونت باومان" (1925-2017) والذى حاول فى كتابه (الحب السائل ... هشاشة الروابط الإنسانية) والذى ترجمه إلى العربية حجاج أبو جبر، أن يبحث فى كل ما من شأنه جعل الحياة مريحة هادئة فوجد أن أيسر السبل التى يسلكها الفرد الآن  فى سبيل ذلك هو التخلص من كل تلك الأشياء المزعجة فى تفسيراته الفردية النفعية- دون الالتفات إلى ما قد يضر الآخرين، بأن ينهى الحبيب قصة الحب التى تلقى على عاتقه ببعض مسئوليات الوفاء والعطاء خوفا من أن تفشل بعد ذلك فيعتبر نفسه بمبدأ السوق خاسرا. أو أن يلفظ الابن والديه لما يمثلانه من عبء نفسى أخلاقى بسبب تلقينهما له طوال الوقت أو بسبب فكرة الواجب ورد الجميل التى تحاصره فى علاقته بهما، أو بالإنجاب بدون زواج تقليلا فى الالتزامات وبالتالى الخسائر.

ويقول زيجمونت: "شيئا فشيئا وجدت هذه العقول من يدافع عن وجودها كما فقدت العلاقات الإنسانية ديمومتها وصار كل شىء مرنا قابلا للتخلى عنه بل وحتى التخلص من الذات نفسها حيث بات لكل فرد قدرة على تصنيع ذاته الخاصة لتحقيق أعلى درجات السعادة متجاهلا الشروط المجتمعية والقيمية للمجتمع الذى يعيش فيه".

أى أن التغير أصبح هو الشىء الوحيد الثابت، كما صار انعدام اليقين بأى شىء هو اليقين الوحيد لدى هؤلاء، ومن هنا جاء وصف "زيجمونت" للمجتمع بتعبير (مجتمع صيد) راميا إلى أن الكل يصطاد الكل وقد يصبح نفس الإنسان فريسة بعد ما كان الصياد، ذلك لأن الثقافة السائلة ليست لها شعب تسعى إلى تنويره والارتقاء به بل لها زبائن تغريهم ليزداد استهلاكهم لكل شىء. وأعتقد أن هذا يفسر ذلك الوجود الضخم والزائف فى ذات الوقت على مواقع التواصل التى أصبحت مجرد وسيلة للتباهى والظهور المكثف والأجوف فى آن، وما تجلبه من سعادة لا تتعدى لحظة التقاط الصورة أو كتابة الكلمة ونقلها حيث الفضاء.

وأن يحدث ذلك تحت شعار الحرية.. حرية الانغماس فى العالم، ولما كان من المستحيل أن يعيش الإنسان نفسه والآخرون فى ذات الوقت، وكان عليه أن يختار إما نفسه أو الآخرين خسر نفسه.

وأصبح سعيه كما يؤكد "زيجمونت" دائما ما يؤدى به إلى الامتهان الذى لن يزول بالحصول على الشىء الذى سعى من أجله، بل وبات الإنسان ضعيفا إلى درجة إنه لم يعد يعرف الزهد كدرجة فى وعيه بقيمة النفس.

خاصة بعد أن أصبحت غاية العلاقات العاطفية فى المجتمع السائل هو الحصول على الرغبة المؤقتة واللذة المقننة، وجاءت التضحية بالحب مقابل اللذة أملا فى تجنب تلك الآثار الجانبية والخسارات غير المتوقعة والالتزامات الثقيلة كما أطلق عليهم "زيجمونت باومان".

بالفعل كما نشاهد ونتابع وربما نعيش أن الإنسان لم يعد يعنيه الحب قدر ما يعنيه الإنهاء السريع والآمن للعلاقات من أجل البدء من جديد، بمعنى أن الإنسان فى العشرينيات له حبيب بطريقة وأسس تلك السن وبعدها وحتى الأربعين حبيب آخر وقد يصبح زوجا وهذا لا يمنع أن يتم الانفصال ليكون هناك حبيب ثالث.. وهكذا، وبات التعدد داخل معنى الحب مشروعا ومتقبلا لا يجد فى نفس أحد أية غضاضة أو فى العقل أى رفض، بل وأصبحت كلمات كالحب الوحيد أو الأوحد لا تعنى غير ضيق الأفق والغباء العاطفى.

وقد يفسر ذلك قول "زيجمونت" بأن تتحول تجربة الحب إلى سلعة جاهزة للاستخدام ليتجاوز المحب آلام الفراق وقلق البعاد خلف الرغبة والإثارة التى تمثلها لديه العلاقة الجديدة.

وهكذا ظن المبحرون فى يم الحداثة أن الاستثمار فى علاقة الحب استثمار خاسر وغير آمن ذلك حين فقدوا الثقة فيه وظنوا أنهم قد نجوا منه بينما هم الذين أفقدوه الثقة فيهم، فعاش هو ليموتوا هم خوفا.

ويمثل على ذلك "زيجمونت" بقوله: "حين تتسلل إلى سمعك فى القطار المكالمات الهاتفية تجد أن المحادثات التى سمعتها ليست مقدمة لمحادثات أطول فى مكان اللقاء بل بديلا عنها فلا لقاء غير هذا ولا أحد يريد" وأقول: إن الكارثة فى أن أحدا لا يستطيع بعدما فقدنا القدرة على التواصل الصحى السليم، واكتفينا بالرسائل مع من يهموننا ونهمهم بدعوى أنها الأسرع فى ظل ضيق الوقت بينما يتسع الوقت للتواصل مع آخرين لا يعنوننا من قريب أو بعيد، يحدث ذلك دائما فى الغرف المغلقة التى يهرع إليها الجميع ليمارسوا وجودهم الزائف وهم يسبحون فى عوالمهم الافتراضية. مع تلك الهواتف التى أصبحت بمثابة التحرر النهائى من المكان بينما لم تستطع خلق روابط حقيقية، وبينما أصبحت المسافة لا تشكل عائقا أمام التواصل.. أمسى التواصل لا يشكل عائقا أمام الابتعاد.

وعلى الرغم من أن القيم الإنسانية كل لا يتجزأ وتفتيت طبقات هذه القيم فى مجتمع الحداثة السائلة رهان من أهم رهانات "باومان" الذى دافع عنه باستماتة، أخشى حين يتذكر الإنسان نفسه ويبدأ فى البحث عن ذاته لأجل الأمن والطمأنينة اللذين افتقدهما تكون المسافات قد تباعدت ليس بينه وبين من يريد منهم ذلك، وإنما بينه وبين المعانى ذاتها فيشعر بالاغتراب نحوها بل ويصبح غير متأكد من أنها موجودة أصلا أو أنها ستعرف طريقها إليه يوما بل قد يصل الأمر بالبعض لأن يصبح غير متأكد أنه ما زال يحتاجها بذات القدر السابق، ولا يجنى فى رحلة البحث هذه إلا مزيدا من الخوف واليأس والقلق، تلك المشاعر التى يتغذى عليها كما يقول "زيجمونت" مجتمع السوق لزيادة الأرباح المادية وتسمين غول الاستهلاك مع مزيد من الخسائر فى العلاقات الاجتماعية والمشاعر الإنسانية.

وهنا يبرز الحب كمنقذ وحيد باق، الحب كما عاهدناه وعاهدنا منذ بدء الخليقة وحتى تقوم الساعة، الحب أن تجد نفسك كاملة فى شخص آخر ويجد نفسه فيك، أن تحادثه عبر أثير الهواء فتصل كلماتك بمعانيها غير منقوصة، أن تشعر بوجوده فى المكان قبل أن تراه عيناك، أن يتوحد كيانك بكيانه ويصبح كيانا واحدا.


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content