اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

ترحال - الحرب بطل هذه الرواية.. «وداعًا للسلاح » !

تاريخ النشر

أمسك بالكتاب.. أقلب صفحاته، تقفز من الصفحات جيوش تتصارع.. تفوح رائحة القذائف المحروقة من الكلمات.. تنزف الحروف دم المقاتلين، وتتعالي الصرخات من جنود مقطوعي الأطراف.. تلتمع في ظلمة الحروف السود فوهات الأسلحة.. وبين السطور تتراكم الجثث.. وتغرق حطام السفن وتتهاوي الأشرعة.. وتحلق في فراغ الصفحات الطائرات المحروقة، يركض الرجال بالدبابات والعربات المصفحة.. وراءهم يتركون أمهات من الملح.. وربيع نساء مذبوح فوق الجبهة.. إنها الحرب.

 وما أكثر الكتب التي تتحدث عن الحرب، ولكن حين تمسك بكتابه "وداعا للسلاح" ينقلك د. اللواء سمير فرج فجأة إلي ساحة المعركة وكأنك ركبت آلة الزمن، فالحرب بالنسبة له ـ كما هي في الأدب ـ مرآة للنفس البشرية، مرآة للرجال في سموهم وانحطاطهم، وشاشة تصور مأساة الشعوب التي تحارب من أجل الحرية والكرامة والأرض.

 إنها الحرب التي استولت علي صفحات نصف فصول كتاب اللواء سمير فرج، منذ حرب العدوان الثلاثي علي بورسعيد موطن مولده عام ١٩٥٦ حين كان طفلا صغيرا، وما تبعها من أحداث تشكلت خلالها أحلامه لأن يصبح ضابطا بالجيش المصري، ليحقق حلمه وهو في السادسة عشرة من عمره، لتنسحب توابع الحرب والمهنة أيضا علي ما تبقي من مسيرة حياته بعد حرب أكتوبر١٩٧٣، والذي تبعها بسفره إلي كلية كمبرلي الملكية بإنجلترا طالبا، ثم مدرسا بها، ثم عودته لمصر لمتابعة مسيرته العلمية، حتي أصبح قائدا لأحد تشكيلات القوات المسلحة، وتجربته كملحق عسكري لمصر في تركيا، ليختتم عمله بالقوات المسلحة في عام ٢٠٠٠ كمدير لإدارة الشئون المعنوية لتبدأ بعدها مسيرة أخري من الحياة المدنية امتدت لسنوات طويلة ما بين رئيس لدار الأوبرا المصرية، ومحافظ للأقصر، وهي الفتره التي ـ من وجهة نظري ـ لم يسترح فيها كمحارب، فقد كان محاربا لكل البيروقراطيه التي يمكن أن تعيق عمله كمحارب من أجل تنمية مدينة الأقصر ليعيد إليها بهاء طيبة القديمة، ولتصبح من أجمل مدن الدنيا.

 وما استوقفني وأدهشني في آن؛ في كتاب د. سمير فرج الذي ينبغي أن يُدرس لطلبة الإعدادية والثانوية العامة، ليتعرفوا علي جزء مهم من تاريخ مصر الحديثة في الفتره من ١٩٥٦ وحتي ١٩٧٠، حرص د. سمير رغم شهادته علي الأحداث، أن يكون محايدا، مؤمنا أن يوما ما سوف تحسم هذه الأمور بشكل عادل، فهو وحده القادر علي الحكم عليها.

 أقول ما أخذني في هذا الكتاب القيم هي تلك الفترة سالفة الذكر من حياة مصر، وبالتحديد مدينة بورسعيد التي هي بلدنا الأم د.سمير وأنا، فإلي جانب أنه اصطحبني معه إلي بورسعيد الجميلة ما قبل العدوان الثلاثي ببحرها ومينائها ومبانيها الرائعة أوروبية الطراز، وطبيعة الحياة المتمدنة بها، وكذلك ناسها الطيبين، فقد كشف لي د. سمير أيضا عن جانب هام من تاريخ بلدنا الجميلة بورسعيد إبان حرب ١٩٥٦، وهي فترة لم أعايشها، وإن كنت كبرت كطفلة مع هزيمة يونيو ١٩٦٧، لنذوق نحن أهالي المدينة مرارة التهجير إلي مدن أخري طوال فترة حرب الاستنزاف، لقد رفض القليل من الأهالي مغادرة المدينة، وعلي رأسهم والد الدكتور سمير الذي أبي أن يترك بيته رغم صعوبة الحياة في المدينة المستباحة آنذاك، وكذلك والدي الذي ترك وظيفته المدنية ليلتحق بالعمل العسكري مدافعا عن بورسعيد، في حين كان د. سمير في ذلك الوقت يحارب علي الجبهة ضابطا في غرفة العمليات بعد عودته من حرب اليمن المريرة، التي استمرت ثلاث سنوات.

 في الحقيقة.. إن ما يلفت النظر في كتاب د. سمير ـ الذي يعد بمثابة رواية سيرة ذاتية ـ هو أن اللواء د. سمير مثل كل الأدباء الكبار الذين كانوا يقفون علي مر التاريخ ضد الحرب من حيث المبدأ، ولكنهم كانوا دوما مع الحرب العادلة، الحرب من أجل الأرض والكرامة، فسطور د. سمير عن الحرب رغم عسكريته التي أفني فيها شبابه وصباه؛ تمطر منها ويلات الحرب وأحزانها دما فوق رأس الإنسانية، هو يرسم فظاعة الحرب، لكنه مع ذلك يؤيدها حين تكون الوسيلة الوحيدة لاسترداد الأرض والكرامة الإنسانية، والمطهر الذي لا مفر منه من أجل زرع الفرح والنقاء في الأرض المستباحة، حتي إنه وصل في روايته ـ كما الأدباء علي مر التاريخ ـ إلي تمييز واضح وعادل بين الحرب العادلة والحرب المجرمة.

 وبالنسبة للمحارب سمير فرج؛ ليس هناك سلام إلا للاقوياء والمقاتلين، والحرب هي ثمن السلام، وكفرد من أفراد عائلة غرفة عمليات الحرب هو يري أنه لكي تحصل علي السلام يجب أن تكون قادرا علي الحرب ومستعدا لها في كل لحظة مادام هناك عدو متربص بك علي بعد أمتار قليلة، فالسلم هبة الحياة للأقوياء الطيبين، أما سلام الضعفاء فهو استراحة للعدو يلملم فيها قواه من أجل عدوان جديد.

 سمير فرج في روايته "وداعا للسلاح" يقول علي لسان الجنرال الإسرائيلي "إيريل شارون" في المناظرة التي جمعتهما في قناة بي بي سي البريطانية:(إن المفاجأة الحقيقية بالنسبة لي في حرب أكتوبر ١٩٧٣، كانت الجندي المصري الجديد.. المتعلم ..صاحب المؤهل العالي.. المسلح بروح معنويه عالية.. المدرب علي أشرس أنواع القتال، فلم يعد يرهبه الجيش الإسرائيلي كما كان من قبل).

لقد رحل بنا الضابط سمير فرج في فصول كتابه ـ ذات الطابع الملحمي والنفحة الوطنية الرائعة ـ بين سهوب سيناء المستباحة وقتها، المفروشه باللغم، والتي طالما ارتوت بدماء الجيوش المصرية، رحل بنا تحت سماء الصحراء المشرقة المحرقة فوق رأس المحارب المصري، ليروي ليس حكايته فقط كضابط ومناضل بورسعيدي؛ ولكنه يؤرخ من خلال كتابه كفاح أهالي القناة والشعب المصري كله من أجل النصر وتحرير أرضه، ذلك الكفاح الذي استمر خلال فترة السنوات السبع العجاف بعد هزيمة يونيه ١٩٦٧ وحتي نصر 6كتوبر ١٩٧٣.

لقد وصف د. سمير فرج بشاعة الحرب وفظاعتها من خلال مشاهداته كمحارب :( هل أبكي علي جيشي المدمر في سيناء؛ أم لرؤية العربات الإسرائيلية رافعة أعلامها، وتسير علي الضفة الشرقية المقابلة لي علي مسافة ٢٠٠ متر؛ أم علي استشهاد زملائي وأصدقائي، أم علي أرضي التي اغتصبها العدو؟).

 "وداعا للسلاح".. من أجمل وأدق ما كتب عن الحرب والمقاومة، وهو وصف رائع لنضال الجيش والشعب المصري معا من أجل الحرية، وأهم عنصر في كتاب د. سمير فرج هو قدرته علي بعث روح المقاومة بعد ما يقرب من الخمسين عاما علي الحرب، وقدرة سطوره علي هز المشاعر الوطنية والقومية، وتحريك رغبة أي موطن في أي مكان وزمان علي القتال من أجل الوطن.

نبضة مسافرة

إن الأفكار يجب ألا تبقي أفكارا فحسب،بل أن تتحول إلي أفعال معاشة

«مالرو»

 


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content