اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

مدحت يوسف يكتب: انهيار الخام الأمريكي وخسائر الشركات وموقف "أوبك"

تاريخ النشر

جاء انهيار أسعار الخام الأمريكي الخفيف وصولا للأسعار السلبية عندما جاءت الأثنين 20 أبريل، بالسالب مترنحا بين سالب ٤٠ وسالب ١٧ حتى الساعة ٢٣ بسالب ١٣ دولار للبرميل .

جاءت تلك الأخبار بمثابة الصدمة على المشاهد العادي ليتصور أشياء لن تحدث ولن تستمر إلا أيام قليلة، فأسعار الخام الأمريكي الخفيف "نايمكس" المنشورة بالعديد من النشرات العالمية وعلى سبيل المثال "بلومبرج" هو أحد المرجعيات السعرية للخام الأمريكي بصفة عامة ، وهذا الخام ليس الأوحد بالولايات الأمريكية الذي يؤخذ كمرجعية لتسعير الخامات الأمريكية وهي متعددة النوعيات والمواصفات والجودة ، فالعديد من الشركات البترولية الأمريكية تتعاقد علي بيع إنتاجها بمرجعية سعرية أخرى مثل خام "برنت انتركونتننتال" للتبادل عبر القارات ..

وهنا وقعت الصاعقة على من ارتبط من الشركات التجارية ومعامل التكرير الأمريكية التي ارتبطت بعقود خلال شهر مايو القادم وليس لديها فراغات بمستودعات التخزين  لاستقبال خامات التعاقد خلال شهر مايو ، وكان الملجا الوحيد هو التصرف بالبيع مهما كان السعر وكذا تحمل عواقب التصرف فجاءت الأسعار المعروضه من المشترين بالسالب كما شاهدنا الترنح السعري بين -٤٠ و -١٣ دولار للبرميل، ولذلك جاءت الخسائر فادحة للشركات الأمريكية.

العجيب في الأمر هو الثبات السعري لأسعار المنتجات البترولية المشتقة من النفط انتاج معامل التكرير الأمريكية لنشاهد انخفاض سعري هامشي لا يزيد عن ٥% خلال يوم الانهيار السعري العالمي.

وقد شهدت الأسواق الأمريكية أيضا ، في ذات اليوم ، ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي بنسبة ١٠% ، لتؤكد ان توريدات الغاز الأمريكي عبر الخطوط بعقود طويلة الأجل لا تتأثر سعرياً لعدم حاجتها لمستودعات تخزين .

أما الأسواق العالمية الأخرى في أوروبا والشرق الاوسط وأفريقيا والشرق الأقصي والأدني لا تعاملات لها بالمرجعية السعرية للخام الامريكي الخفيف، وجميعهم مرجعيتهم خام برنت القياس ، ولكل منطقة جغرافية مرجعيتها في تسعير النفط والغاز الطبيعي فمثلا الدول القريبة من مناطق الإنتاج الكثيف تتمتع بمزايا القرب وبالتالي انخفاض النوالين البحرية وعدم المرور من الممرات البحرية ذات الرسوم (مثال قناة السويس)، ولذلك نجد ان كل دولة منتجة ومصدرة لديها أسعار تصدير بصفة شهرية في الغالب.

وفي منطقة الخليج العربي الأعلي انتاجية وتصديرا ، نجد أسعارهم جميعا بمرجعية خام برنت والذي أصبح مرجعية لتحديد معظم دول العالم  لأسعار الخامات المنتجة لديهم، ولذلك نجد التغيرات السعرية المعلنة لخامات الدول متمشية تماما مع تغير أسعار خام برنت .

ولذلك نجد مثلاً عند لجوء دولة او شركة في منطقة الشرق الأوسط للاستيراد فإن جميع العروض التي ستقدم اليها سيكون السعر ربطا بسعر خام برنت مخصوما منه او مضافا اليه ما يسمي بـ "العلاوات" وهي تمثل تكاليف النقل والتأمين وخلافه، ولن تجد عرض تجاري من اي دولة او من شركة تجارية ستقدم السعر ربطا بالخام الأمريكي الخفيف.

مثلا الخام العربي الخفيف وهو أشهر خامات السعودية لديه عدة أسعار مختلفة لذات الخام ، فهناك سعر للغرب من سيدي كرير ، وهناك سعر آخر لدول الشرق وبالقطع تجد ان سعره للشرق أقل من سعره للغرب، والسبب واضح حيث المسافة وتكلفة سوميد المصرية لنقل الخام من الشرق للغرب، وهذا بخلاف المنافسة وحجم الأسواق المستهلكة.

أما الأسباب الرئيسية لما حدث للخام الأمريكي فهي معروفة نتيجة الوفرة المتاحة بالسوق الى حد التخمة، دون وجود مستودعات كافية لتخزين الفائض نتيجة مخزونات ضخمة من الخام الصخري ومخزونات رصدت مؤخرا بعد انهيار أسعار النفط على خلفية الخلاف الروسي الأمريكي ، الي ان جاء وباء "كورونا" ولم يكن يتصور خبراء تجارة النفط الامريكيين حدوثه علي الاطلاق بآثارة السلبية الضخمة على تقليص الطلب علي المنتجات البترولية جاء وقود النفاثات على رأسهم ، وتبعه الجازولين او بنزين السيارات ثم السولار وزيت التسخين المنزلي، وأدى هذا الموقف بالتبعية الي تقليص معامل التكرير إنتاج تلك المشتقات للسوق الأمريكي ، وبالتالي تقليص طلب النفط فجاءت الوفرة ثم التخمة دون ملاذ لتخزين تعاقدات نفط ملزمة، وإلا تحميل المشتري كافة عواقب عدم الاستلام في توقيت الشحن فانهارت الأسعار سلبا مخافة عواقب عدم الاستلام القانونية المجحفة.

والآن هل ستستمر الأوضاع بذات المعدل في ظل استمرار الإجراءات الإحترازية لوباء كورونا وتبعات الكساد الاقتصادي والتجاري العالمي اللاحق ؟ ، من وجهة نظري الأمر بيد منظمة "أوبك" وحلفاؤها فالمزيد من خفض سقف الإنتاج قادم لا محالة مع استمرار هذا الوباء ، وإلا سيكون هناك انخفاض أكبر في أسعار النفط.

أما الشركات الأمريكية والتي تحملت خسائر فادحة نتيجة سوء تقديرها للموقف الداخلي لامريكا، فبالتأكيد سنرى تصرفا سريعا في التعامل مع هذا الموقف المعقد للغاية، وسنري ما سيحدث قريباً في ظل صراعات قائمة منذ زمن بعيد بين المنتج والمستهلك للنفط بالبحث عن بدائل ، وصراعات حالية مبنية علي السيطرة والهيمنة على الأسواق والتجارة العالمية .

* كاتب المقال نائب رئيس هيئة البترول الأسبق للعمليات وتداول الخام.



‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content