اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

حينما أضاء الإسلام البحر الأبيض المتوسط «2»

جزيرة كورسيكا تحت حكم المسلمين

تاريخ النشر

تقع جزيرة كورسيكا فى البحر الأبيض المتوسط، غرب إيطاليا، وشمال جزيرة سردينيا الإيطالية، وهى الآن تابعة لفرنسا، مع أنها أقرب إلى إيطاليا من البر الرئيسى الفرنسي، فقد احتلتها فرنسا فى 1769. وثقافة أهل كورسيكا مزيج من الإيطالية والفرنسية، ودستورها كتب فى الجمهورية الإيطالية، واللغة الكورسيكية الأم تم الاعتراف بها كلغة إقليمية من قبل الحكومة الفرنسية. ويميل أهل كورسيكا إلى الطبيعة الإيطالية أكثر من الفرنسية، ولعل ما يعبر عن سرعة التمازج بين فرنسا وكورسيكا أن الإمبراطور الفرنسى نابليون بونابرت ولد فى أجاكسيو عاصمة كورسيكا فى عام 1769، وكان يتكلم الفرنسية بلهجة إيطالية. وهذه الجزيرة من أجمل جزر البحر المتوسط، وتشكل الجبال ثلثى الجزيرة، فى سلسلة واحدة.

لقد ظل البحر المتوسط فى العصور الوسطى يمور بالصراعات، وكان المسلمون يعرفون أهميته الاستراتيجية القصوى، فلابد من تأمين طرق التجارة الدولية، ولابد من إبعاد هجمات البيزنطيين على سواحل الدول العربية، ونقل مسرح الهجمات إلى سواحل بعيدة عن الدول الإسلامية، حتى إذا تمكنوا من الجزر التى تملأ البحر المتوسط؛ تمكنوا؛ من خلالها؛ من الدخول إلى أوروبا لنشر الدين الإسلامي. لكنهم عند غزوهم المتكرر لهذه الجزيرة قابلوا الإمبراطورية الكارولنجية التى أسسها شارلمان لتكون إمبراطورية مقدسة وحامية للكاثوليكية، فبنى أسطولاً بحريا قوامه ألف سفينة، وكان حماس جنوده باسم الدفاع عن الدين أيضًا.

ورد اسم هذه الجزيرة فى كتب الجغرافيين والمؤرخين المسلمين "كورسيكة"، أو "كورسكة"، أو "قورسقة" أو "قورشقة"؛ والأخيرة عند الإدريسي. لكن الحديث عنها وعن فتحها ورد بشكل إجمالي، ويبدو أن ذلك بسبب أنها لم تقترن بحركة الأحداث السياسية التى يسجلها المؤرخون العرب عادةً، ولأنها لم تكن معبرًا لدخول الإسلام أوربا كما أراد الفاتحون. لكن الذى سجل دخول المسلمين هذه الجزيرة بعض المؤرخين الغربيين.

 الأغالبة يفتحون كورسيكا

ارتبط اسم الأغالبة؛ حكام تونس؛ بفتوح بعض جزر البحر المتوسط، ومنها جزيرة كورسيكا. وللمرحوم الدكتور محمد المنتصر الكتاني؛ كتاب بعنوان "المسلمون فى أوروبا وأمريكا"، وفى نهاية الجزء الأول منه يقول: "وفتح الأغالبة جزيرة كرسيكة سنة 806م، وبقيت فى يدهم رغم الهجمات النصرانية، وورثها عنهم الفاطميون، إلى أن سيطرت عليها القوات النصرانية سنة 930م، فيكون الحكم الإسلامى قد دام 124 سنة فى الجزيرة. وكان آخر هجوم على الشواطئ الفرنسية وعلى كرسيكة؛ أيام والى الجزائر العثمانى خير الدين بربروسة؛ الذى فتح مدينة نيس، وبقى فيها ما يقرب من السنة (عام 1543م). وكانت هذه الغزوات دفاعية، بسبب غزو الدول النصرانية لكثير من السواحل المغربية.

وذهب د. الكتانى إلى أن إبراهيم بن الأغلب فتح جزيرة سَرْدانية سنة 809م، وظلَّت فى يد الأغالبة، إلى أن ورثها عنهم العُبَيْديون (الفاطميون) سنة 909م، فبقيت فى أيديهم إلى سنة 1003م حين استولى عليها الأمويون- يقصد التابعين للدولة الأموية بالأندلس- ثم سيطر عليها النصارى، ثم حاول مجاهد العامرى استرجاعها سنة 1015م، ولكن محاولته باءت بالفشل، وهُزم جيشه من الحلف النصرانى المُكوَّن من عدة دول.

وعند بداية حديثه عن كورسيكا؛ رأى "ول ديورانت" فى موسوعته "قصة الحضارة" أن المسلمين قد انتزعوها من الفرنجة إلى أن انتزعها منهم إيطاليو مدينة تسكانيا.

أما أرشيبالد لويس فى كتابه "القوى البحرية والتجارية فى البحر المتوسط" فقد شكك فى الفتح أصلاً، حيث رأى أن جزيرة كورسيكا لم تحتلها قوات إسلامية بالمعنى الصحيح، وأنها التزمت جانب الحياد فى الصراعات الدائرة للسيطرة على مياه البحر المتوسط آنذاك، ويرى أيضًا أن ما يُقال فى شأن كورسيكا يُقال فى شأن جزيرتى قبرص وسَرْدانية.

 ما قاله الفرنجة

أما تفاصيل المحاولات المتكررة لفتح كورسيكا إلى أن فتحها المسلمون بالفعل؛ فنحن مدينون للأستاذ الدكتور فايز نجيب إسكندر، أستاذ تاريخ العصور الوسطى، بالمعلومات التفصيلية فى هذا الشأن، فإنه قدَّم بحثا مطولاً نقل فيه عن الغربيين ما كتبوه بالتفصيل، خصوصًا ما سجلته "حوليات الفرنجة"، ثم أعاد نشره فى كتيب مستقل، وهذا البحث بعنوان "شارلمان والفتوحات الإسلامية لجزيرة كورسيكا فى ضوء حوليات ملوك الفرنجة"، وعلى الرغم من المبالغات والأساطير التى دفعت بعض المؤرخين الغربيين لإلصاق بعض التهم بالمسلمين الفاتحين؛ فقد استطاع الدكتور فايز إسكندر استخلاص المادة التاريخية من بين المبالغات والتهويلات والخيالات التى صاحبت كتابات الغربيين الذين دوَّنوا تفاصيل أحداث الفتح.

يقول د. فايز إسكندر فى مقدمة كتابه: من أبرز أحداث القرن السابع الميلادي/ القرن الأول الهجري؛ ظهور المسلمين، وما صاحب ذلك من فتوحات مترامية الأطراف، إذ تمكَّن المسلمون من الخروج من صحرائهم يحملون رسالة الدين الجديد، ويطرقون بها أبواب الإمبراطوريتين المجاورتين: الفارسية شرقا، والبيزنطية غربًا، فقضوا على الأولى نهائيا وورثوا ملكها وأحالوه جزءًا من الدولة الإسلامية الجديدة، واقتطعوا من الثانية أهم أجزائها المطلة على البحر المتوسط، فى الشام ومصر وشمال إفريقيا، ثم عبروا المضيق إلى أوروبا، ففتحوا الأندلس، وتقدموا شمالاً إلى أن وقفت جيوشهم عند جبال البرانس. وخلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة؛ رسخت أقدامهم فى هذه البلاد المطلة على البحر المتوسط، وأدركوا ما له من أهمية فى الدفاع عن ممتلكاتهم، وفى محاولة بسط نفوذهم على ما بقى من شواطئه جنوبيّ أوروبا، بنوا دور الصناعة وأنشأوا الأساطيل، واستعانوا بها على الاستيلاء على الجزر المتناثرة فى البحر المتوسط، يتخذونها قواعد للهجوم على السواحل الجنوبية لأوروبا، فضموا إليهم جزيرتيْ صقلية وكريت. وتوالت غاراتهم الدائبة على شواطئ إيطاليا، وعلى جزر البليار وسَرْدانية وقبرص وكورسيكا.

ويرى د. إسكندر أن معظم المصادر التاريخية الإسلامية أغفلت ذكر أخبار الفتوحات الإسلامية لجزيرة كورسيكا، وأن عدم الاهتمام بهذه الأخبار ربما كان مرجعه إلى أنها لم تؤثر على تطورات الأحداث تأثيرًا كبيرًا، أضف إلى ذلك أنها لم تؤد إلى توسيع رقعة الفتوحات الإسلامية فى أوربا.

 الاختلاط العربى الكورسيكي

وعند المؤرخين الغربيين؛ كانت السنوات (من 806- 813م) فترة مملوءة بمحاولات متكررة لفتح الجزيرة، ونتيجة الإغارات البحرية المتلاحقة أدرك شارلمان (إمبراطور الإمبراطورية الكارولنجية) ما تنطوى عليه تلك الإغارات من مخاطر على إمبراطوريته التى اعتبرها إمبراطورية مقدسة تمثل المسيحية الكاثوليكية بمباركة البابا، فأصدر أوامره سنة 810م إلى جميع الكونتات وحكام الولايات، بأن يقوم كل واحد منهم ببناء الأبراج والحصون فى بلده عند مصب النهر الذى يُعتبر منفذًا سهل الاختراق من قبل الأساطيل الإسلامية.

 يقول د. فايز نجيب إسكندر:

لقد تغلَّب المسلمون الفاتحون على الكورسيكيين بروحهم ولغتهم وعقيدتهم، حتى اعتنق كثير من الكورسيكيين الإسلام، وتقمَّصوا الشخصية العربية الإسلامية، وأصبحوا يدينون بمبادئ العرب المسلمين وتقاليدهم. وقد اعترف بذلك المؤرخ الكورسيكى المحدث "بيير أنتوني" فى كتابه "تاريخ كورسيكا"؛ إذ قال: إن دماء المسلمين اختلطت بدماء الكورسيكيين، حتى إن جموعًا غفيرة منهم اعتنقت الدين الإسلامي، بسبب مزاياه التى لا تُعد ولا تُحصى, خاصة إعفاء معتنقيه من دفع الجزية؛ بحسب ذلك المؤرخ الكورسيكي.

 أثر المسلمين

ويقول د. إسكندر: لقد ترك المسلمون أثرًا عميقًا فى اللغة الكورسيكية، فظلت هناك كلمات مازال الأهالى يستعملونها، كما أن العديد من البلدان والمواضع فى كورسيكا مازالت تحمل أسماء مشتقة من كلمات عربية، حيث ترك (المور) بصماتهم على هذه الجزيرة.

وتسمية (المور؛ أو الموريون) فى الأساس تسمية إغريقية، كان الإغريق يطلقون على سكان المغرب الحالى اسم (موريطانيا) أى (أرض الموريين) نسبةً إلى القبائل المورية. ومعنى كلمة (المور) فى اللغة الإغريقية (ذوو اللون القمحي) ومازال الإسبان يطلقون على المغاربة إلى اليوم اسم (مورو)، ومنها اشتق اسم موريسكيين، الذى أطلقه الإسبان على مسلمى الأندلس. وهذه التسمية واشتقاقاتها مازالت موجودة بكثرة فى جزيرة كورسيكا.

لقد انتظر الغربيون الخلافات بين المسلمين أنفسهم، وبالفعل فإن محاولات الدولة الفاطمية الاستيلاء على الممالك الإسلامية؛ قد أحدثت ضعفًا فى الدولة الإسلامية، وفى استقرار الفاتحين، حتى صارت تلك الدولة الفاطمية سببًا مباشرًا فى إزاحة المسلمين عن سلطتهم على جزر البحر المتوسط. فصار التصارع على السلطة يجعلهم هدفًا سهلاً للمناوئين لهم، ينقضون عليهم فى الوقت المناسب وبأقل الخسائر، ويستعيدون أراضيهم التى سيطر عليها المسلمون.


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content