اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

"الجدار" .. وعقبة اللاحرية بين الإنسان ووجوده

تاريخ النشر

يسعى الكثير من الفلاسفة سواء القدماء أو من العصور الحديثة لإيجاد تعريفات فلسفية ومنطقية تبرز الوجود الإنساني وتعظم من قيمته .. وكانت بدايات الوصف الإنساني من خلال آراء أرسطو وأفلاطون بأن الإنسان مخلوق عاقل ؛ فالعقل هو أهم ما يميز الإنسان ويعزز وجوده في إطار الشعور بالمسؤوليات ، أما في الفلسفة الحديثة - والتي كانت نتاجا للحرب العالمية الأولى، حيث قام بعض الفلاسفة بالبحث عن منهج جديد يعيد للإنسان كرامته - لم تأخذ الأبعاد العقلية للإنسان أي اعتبار، فالعقل بالنسبة للفيلسوف الألماني الشهير نتشه هو غريزة كباقي الغرائز وظيفتها إبقاء الإنسان على قيد الحياة،وأضاف المفكرون الجدد بعض التصورات الفلسفية الحديثة للتعريف بالإنسان فأهم ما يميزه هو وجوده قبل ماهيته وعقله وغرائزه.

اتخذ الفيلسوف الفرنسي الشهير الروائي المسرحي جان بول سارتر .. Jean Paul  (1905 - 1980) Sartre من المذهب الوجودي منطلقًا لكل أفكاره فوجود الفرد سابق لذاته ولمعرفته بنفسه وللتعريف به.. ومن أهم مفردات الوجودية عند سارتر الحرية ؛ فالإرادة الحرة للإنسان تساعده على إثبات وجوده وخلق جوهره بنفسه فالوجودية عند سارتر هي فلسفة أخلاق وعمل والتزام وهى سبب استمرار الحياة فلو لم يشعر الإنسان بكامل حريته ليختار عالمه بنفسه تصبح الحياة سخيفة ويصبح وجود الإنسان بها شيئا مفروغا منه ودون جدوى.

واستعان سارتر في قصته القصيرة "Le Mur"  أو " الجدار" والتي كتبها عام 1939 بأجواء الحرب الأهلية الإسبانية وما يدور داخل المعتقلات لكي يعزز أفكاره عن الوجودية وارتباطها بالحرية؛ فخلف جدار فاصل بين الإنسان وحريته يبقى الإنسان بلا وجود .

           الوعي بالذات وتقلبات الروح

أضاف سارتر بعض المضامين لفلسفته الوجودية، بجانب الحرية، والتي تعطي إيضاحا لمفهوم الوجود الإنساني وهو ما أسماه بالقلق الوجودي والذي يشتمل على بعض المشاعر التي تعين الإنسان على إعمال وعيه وإدراكه للبقاء على قيد الحياة، ولكن في حالة توم وجوان يزداد الأمر تعقدًا خلف الجدار .. يظهر على السجناء توم وجوان الارتجاف والخوف والضعف في حديثهم وأعراض جسدية أخرى تعكس حالة من التوتر وعدم الارتياح، فعدم شعورهم بالحرية ينفي وجودهم بالحياة وهو ما يعني مواجهة الموت  في لحظة يبقى فيها الجسد بدون روح ويصحبه شعور بقلق سلبي، فالإنسان بطبيعة الحال لا يشعر بوجوده في عالم من الممكن أن يكون مهددا فيه لأنه دون اختياره .. أما بابلو فالجدار جعل منه شخصا يفكر في الماضي، والماضي والمستقبل بالنسبة لسارتر موجودان لكنهما عبارة عن عدم .. لم يكن تفكير بابلو سليما عندما استرجع الماضي بكل ما فيه لأنه قد انتهى بالفعل وأصبح عدما .. ففلسفة الوجودية تضع مصير الإنسان بين يديه  فهي أكثر الفلسفات تفاؤلاً فهي تحرك الإنسان للعمل وترى أن النجاة فيه .. فالحاضر هو الأبقى وعلى الإنسان أن يصنعه بنفسه..

                  حياة بلا معنى

قرر الحراس مساومة بابلو على حياته في مقابل حياة صديقه فإذا أخبرهم بمخبأ ريمون جراي سيطلقون سراحه  .. لم يوافق بابلو في البداية على خيانة صديقه لاستعادة حياته ولكن قلقه الناتج عن أفكاره المتصارعة  أجبره على خداع معذبيه وقرر اعطاءهم معلومة خاطئة عن مكان جراي .. ولعبت الصدفة دورها عندما وجد الجنود ريمون جراي في نفس المكان وقتلوه .. يرتبط مفهوم الحرية عند سارتر بقدرة الانسان على الاختيار وهو ما لم يحدث لبابلو فحياته لم تكن من اختياره فالثمن كان حياة رفيقه .. خرج بابلو ليعيش حياة بدون اختيار أو حرية؛ حياة عبثية سخيفة خالية من المعنى والوجود. 


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content