اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

مذكرات قائد الحملة الفرنسية (1ـ 4)

نابليون بونابرت: هؤلاء ساعدونا لندخل مصر آمنين

تاريخ النشر

بعد أكثر من مائتين وعشرين عاماً من قدومه إلى الشرق، على رأس جيش الحملة الفرنسية على مصر، صدرت أخيراً "مذكرات نابليون - الحملة على مصر" لأول مرة باللغة العربية عن "المركز القومى للترجمة"، بترجمة للدكتور عباس أبو غزالة، وإذ نشكر القائمين على المركز على هذا الكتاب المفيد، نرى أن هذا الكتاب يستطيع أن يرتق ثقوباً فى التاريخ المصرى، وأن يجيب ـ ولو متأخراً جداً فى الحقيقة ـ على الأسئلة التى ظلت عالقة بلا إجابات كأنها ثقوب معرفية هائلة، بشأن تفاصيل الـ16 شهراً التى أقامها نابليون بونابرت وسط جنوده فى مصر، وكيف سهلت بعض القبائل طريقه من الإسكندرية إلى دمنهور، وحكاية محاولته اعتناق الإسلام، وخلافاته مع مؤسسة الأزهر الشريف، بل وانقسام مؤسسة الأزهر على سؤال: هل يُسمح للجنرال الفرنسى المختال بزيه العسكرى أن يدخل الإسلام وهل يُقبل أصلاً إسلامه؟

تلك كانت أسئلة الذهنية المصرية قبل أكثر من مائتى سنة، وهى الذهنية نفسها التى كان ينقصها الكثير من الوعى لتدرك أن دخول الجيش الفرنسى أرض مصر كان محاولة لقطع الطريق أمام التجارة الإنجليزية إلى الهند فى إطار صراع بينهما على ساحات النفوذ، وهى الذهنية التى تمادت فى الخطأ ونادت على بونابرت باعتباره "شيخ الإسلام" ونبى هذا الزمان، الذى أرسلته العناية الإلهية لتخليص المصريين من عذاب المماليك البغاة، وهى الذهنية نفسها التى استبدلت السجود للسلطان العثمانى بالسجود للسلطان الفرنساوى، بعدما وجدت أن مصالحها وحقوقها مصانة، تحت حكم العلم ذى الألوان الثلاثة: الأحمر والأبيض والأزرق.

ومثلما يعرف الجميع، ظلت مصر لفترة طويلة من القرن الثامن عشر، قبيل دخول جيش بونابرت بعيدة عن التحديث، وممزقة بين "سلطة الباب العالى" و"سلطات المماليك"، الذين كانوا يمسكون زمام الحكم على الأرض، إلى أن دخلت جيوش نابليون بونابرت، فأفقدتهم صوابهم واضطرت كثيرين منهم إلى الفرار إما إلى الصعيد أو إلى سوريا، لقد كانت مصر فى هذه اللحظة بعيدة عن كل تحديث فى بنيتيها الفوقية والتحتية، لأسباب لا مجال لذكرها الآن، إلا أن الحملة الفرنسية التى أعلنت أنها تريد أن تضع مصر على خريطة العالم الحديث، فشلت فشلاً ذريعاً فى تلك المهمة، على خلفية صراعها التاريخى مع إنجلترا وبقية القوى الأوروبية من ناحية، وسطوة السلطنة العثمانية الروحية على المصريين من ناحية أخرى، حيث كان الباب العالى لا يُريد أن يخسر ما يدفعه أهل مصر من حبوب وغلال، فضلاً عن عدم استعداد المصريين لهذه الخطوة المتقدمة ـ أقصد خطوة التحديث ـ بسبب تخلف علاقات الإنتاج وأنماطه، ما أدى إلى فشل فرنسا فى مهمة التحديث السريع لمصر، بينما احتاج محمد على باشا فى محاولته لتحديثها نحو أربعين عاماً، فى معظم التقديرات.

فشلت الحملة فى تحديث مصر، بفضل تماسك المصريين ضد المحتل، لكنها نجحت فى وضع علامات لا تُنسى على طريق هذا التحديث، فبالإضافة إلى إنشائها "المجمع العلمى"، وتقديم أهم رؤية مسحية ومعرفية عن مصر فى كتاب "وصف مصر"، وسَّعت الحملة شوارع القاهرة، وأعادت تقسيمها، واتخذت عدة قرارات تسهل مرور حركة قواتها على أرض العاصمة وفى الأقاليم، وتهيئ مناخاً ملائماً لضباطها وجنودها، حيث حلم بعض قادة الحملة الفرنسية بالبقاء لأطول وقت ممكن فى مصر، وتحويل القاهرة إلى باريس صغيرة فى الشرق.

 مرحلة التجهيز

لقد تأخرنا فى سماع صوت نابليون نفسه عبر كل هذه السنوات الطويلة التى تفصلنا عنه، استمعنا إلى شهادات أغلب قواد الحملة تقريباً لكننا انتظرنا على مذكراته أكثر من مائتين وعشرين عاماً، لذلك قررنا أن نتوقف أمام شهادة نابليون بونابرت عن تاريخ ووقائع حملته الحربية على مصر (1798 - 1801م)، التى بدأ كتابتها فى منفاه، بعد هزيمته فى "معركة واترلو"، يوم 18 يونيو 1815 حتى وفاته يوم 5 مايو 1821.

كان نابليون يولى ـ على ما يبدو ـ اهتماماً بالغاً بتجهيز هذه المذكرات، لدرجة أنه أملاها على رفقائه فى المنفى، حيث اصطحب معه ثلاثة جنرالات وسكرتير، واختار الجنرال برتران (مارشال القصر الكبير مسئول الخدمة العامة والأمن أقرب مساعد لنابليون) وموتولون وجورجو، وضم إليهم مستشار الدولة لاس كاز، وابنه، و"المملوك على"؛ أمين المكتبة، الذى بحثنا طويلاً عن تفاصيل شخصيَّته ولم نصل لشىء يُذكر، كما اهتم بالصياغة اهتماماً خاصاً جعل السيرة الذاتية لأول مرة لا تستخدم ضمير الأنا، بل استخدم ضمير الغائب (يقول بونابرت، ونابليون، الامبراطور، السلطان الكبير)، وكأنه يتجنب شخصنة السيرة، ليحاكى صوت المؤرخ الذى يقف فوق الأحداث متأملاً إياها من الخارج، بينما من الطبيعى أنه كان يروى المشهد من الداخل، كونه كان الشخصية الأهم فى صناعة هذه الأحداث.

تضمَن الكتاب ـ فوق ذلك ـ عدداً كبيراً من الخرائط العسكرية لمدن مصر، كما تضمن معلومات إضافية فى مجالات عدة، حيث اعتمد على أرشيف ضخم من المصادر: مثل الوثائق والكتب والمراسلات وآلاف الأوراق، بما يعكس الاهتمام البالغ بخروج صياغات متوازنة لكثير من الأحداث، لكن تبقى الملاحظات الشخصية والإشارات التى لا تكذب دليلاً على وقائع كتبها الرجل تعلن رأيه فى بعض المصريين. ونحن إن كنا لا نصدق كل ما يقول الكاتب عن نفسه ومعاركه وأعدائه والمختلفين معه، والذين قاموا بالثورة عليه لأنه من الطبيعى أن يكون رأيه فيهم سلبياً، فإننا نكاد نصدق بعض ما يصف به الأصدقاء، خصوصاً هؤلاء الذين سهلوا لجيشه دخول أرض مصر.

 "المُتعاونون"

فى هذه المذكرات يمكننا التعرف ـ لأول مرة ـ إلى رأى القائد العسكرى الفرنسى فى فئات المجتمع المصرى، والتعرف على الشخصيات التى تعاونت معه على الأرض فى مصر، وأرشدته وأمَّنت خطاه خلال دخول جيوشه، كما نتعرف فيها إلى تفاصيل المغامرة التى استمرت نحو ثلاثة أعوام فى احتلال مصر، وهى المدة التى تغيرت خلالها الأوضاع فى فرنسا، ما دفع نابليون إلى الفرار من مصر ليلاً، بعد 16 شهراً قضاها فيها تاركاً القرار لأتباعه، من جنرالات الجيش الفرنسى "جيش الجمهورية الفرنسية"، وحتى الانسحاب الكامل للجيش سبتمبر عام 1801.

يبدأ الفصل الثانى المعنون بـ "وصف مصر" بسرد تصورات القائد الفرنسى عن سكان مصر، وهو يتوقف كثيراً عند العرب "البدو"، مشيراً إلى أنه التقى قادتهم كثيراً حتى قبل أن تدخل قواته القاهرة، وتحدث عن علاقات جمعته مع "عرب البحيرة": "وهم الذين كانوا يستطيعون وحدهم الاستجابة لكل ما يلزم الجيش"، لافتاً إلى أنهم رغم خطورتهم إلا أنهم يمثلون نوعاً من الضرورة، وقد اعترف بالتفاهم معهم قبل أن يدخل أرض مصر، لافتاً إلى أن عرب الشرق يعملون فى نقل المنتجات بين القاهرة والسويس، فى تجارة كبرى ورابحة جداً، وقبائلهم الرئيسية هى: بلى، طرابين، طرابين الصغرى، أوعيدات وحاويات وطملات العطايات، العايدى، طه، الهناجر، النفاحات، قبائل عرب طور الثلاث.

كان بونابرت يقسم العرب فى مصر بين ثلاثة أنواع: مزارعون وبدو ومرابطون، (أولياء مسلمين)، المزارع يقيم فى ضيعته، أما البدو فهم كانوا رجالاً محاربين، يقول: "يرى العرب سواء المزارعون أو البدو أن الفلاحين رعاياهم وأن المماليك والأتراك مغتصبون"، لكنه يضيف: "العرب البدو هم بلية مصر الكبرى، ولا ينبغى أن نستنتج من ذلك أن علينا القضاء عليهم، بل على العكس، ليس لنا غنى عنهم، فبدونهم لا يستطيع هذا البلد الجميل إقامة أية اتصالات مع سوريا والجزيرة العربية والواحات وممالك سنار ودارفور والحبشة وطرابلس ومملكة فزان. وبدونهم سيكون من المستحيل النقل من النيل إلى البحر الأحمر، ومن قنا إلى القصير، ومن القاهرة إلى السويس".

يقول الجنرال الفرنسى إنه حينما تكون الحكومة المصرية حازمة وعادلة فإن العرب يمتثلون، وتضطر كل قبيلة أن تكون مسئولة عن الصحراء وجزء الحدود المتاخم لها، ويضيف: "تقضى سيادة العدالة على التجاوزات، وتضمن تلك القبائل كالتوابع الصغيرة، الهدوء فى البلاد بدلاً من البلبلة".

من بين أبرز الأسرار التى تكشفها مذكرات نابليون أن السيد محمد كُريم حاكم الإسكندرية الذى قاد المقاومة، حاول إقناع الجنرال بأنه معه، وأنه يمد يد المساعدة له، بينما كان فى الخفاء ينظم الأهالى ضد الفرنسيين، يقول نابليون: "إذ استسلم كُريم وتعلق بالجنرال الفرنسى وأقر بأنه أسيره وحلف اليمين، وكُلف بمهمة مراقبة أهالى البلدة..، فأعاد كُريم النظام، وساهم فى نزع السلاح، وزود الجيش بكل ما يحتاج إليه". كما يروى واقعة تكليف السيد محمد كُريّم بتوفير إجازات لمرور شيوخ القبائل العرب الثلاثين، من زعماء قبائل الهنادى وأولاد على وغيرها، لتوقيع اتفاق يوم 2 يوليو 1798، أى قبل أن ترسو قوات نابليون على الأرض، بين الجنرال والشيوخ، وقال بونابرت نصاً عن هذا الاتفاق الذى طعن المصريين من الخلف: "وقعوا معاهدة بالتزامهم ببقاء الطريق حراً من الإسكندرية إلى دمنهور، وأن يقوموا خلال ثمانية وأربعين ساعة بتسليم ثلاثمائة حصان مقابل مائتين وأربعين جنيهاً، وإعادة من قاموا بأسرهم من جنود الجيش الفرنسى، وقد أكل الشيوخ وشربوا مع الجنرال واستلموا كرهان ألف هدية لويس من الذهب، حيث فرح الجيش الفرنسى بنجاح هذا الاتفاق الذى كان بمثابة بشرى طيبة".

ومن حقنا أن نعجب أشد العجب من بعض ما جاء فى هذه المذكرات، فلو كان محمد كريّم حقيقة قد تعاون من جيش الاحتلال ما كان الجنرال أصدر أمراً بإعدامه نفذ رمياً بالرصاص فى ميدان الرميلة، يوم 5 سبتمبر من عام 1798، أى بعد نحو 60 يوماً من هذه الواقعة، لكننى من ناحية أخرى أصدق أمر الاتفاق بين عرب البحيرة ونابليون على فتح الطريق، كما أصدق أن بعض الشيوخ أكلوا وشربوا مع الجنرال، وأن ضحكات بعضهم ـ فوق ذلك ـ كانت تملأ الفضاء.

أبرز ما لفته فى الأقباط، أنهم ليسوا محاربين لكن رجال أعمال ومحصلون ومصرفيون وكتَّاب. وأن لهم "أساقفتهم وكنائسهم وأديرتهم" مشيراً إلى أن عددهم يبلغ نحو من تسعين ألف إلى مائة ألف نسمة" طبعاً وفق إحصاءات عام 1800 ميلادية.

 ملائكة الملوك

لقد كان الرجل مُعجباً بمصر، مدركاً قيمتها الجيوسياسية بمفاهيم أيامنا لدرجة أنه قال: "إن الإسكندرية كان يمكن أن تكون على قمة العالم، لأنها مؤهلة لقيادة العالم أكثر من روما والقسطنطينية وباريس ولندن وأمستردام"، كما تحدث عن تقدم المصريين فى استخدام الحمام الزاجل للمراسلات بين الدول، ولفت إلى أنه :"كان يطلق عليه فى مصر "ملائكة الملوك"، حيث كانت أبراج الحمام تغطى مصر وسوريا، حيث يذهب الحمام الزاج من الإسكندرية إلى حلب فى ساعة".

من بين أهم النقاط التى ألمح إليها نابليون فى مذكراته، إشارته إلى أهمية مصر الجغرافية فى قارة أفريقيا، وقال الرجل بالحرف الواحد وبالحس الاستعمارى الذى لم يخطئه أبداً: "إن مصر هى البلد الذى يجب الانطلاق منه إلى قلب أفريقيا، حيث يتوفر ما هو ضرورى من الإبل والقرب والأرز لهذه الرحلات الكبيرة والشاقة".

حول ضرورة النيل لحياة المصريين يقول بونابرت فى إشارة لا تخطئها العين الاستعمارية التى تمتع بها، والتى جعلته كأنه يستشرف المستقبل: "كان يُقال فى الماضى إنه إذا تم تحويل النيل قبل شلال أسوان فسوف تصبح مصر صحراء غير صالحة للسكن، وإذا توقفت الأسباب وراء حدوث الفيضان، فلن يجرى النيل إلا كنهر عادى، فلا يمكن زراعة البلاد، لن تكون ضفاف النيل صحراء ولكن البلد سيكون أتعس بلاد العالم".

هكذا جاءت مذكرات نابليون كنزاً ثميناً لمن يبحث عن الإجابات العالقة بخصوص الحملة الفرنسية، ومن بين هذه الأسئلة الملحة سؤال: هل استطاع بونابرت أن يقنع المسلمين خصوصاً رجال الأزهر الشريف بإسلامه، وهل كانت هناك عقبات دينية تحول دون انتقاله إلى الإسلام؟

حلقة جديدة الأسبوع القادم.

 


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content