اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

كل حكاية من دون مكان هى ناقصة

البحيرة .. عاصمة مملكة الشمال

تاريخ النشر

محافظة البحيرة واحدة من أكبر محافظات مصر مساحة وأغناها بالثروات وأقدمها، فهى كانت عاصمة "مملكة الشمال" قبل أن يقوم "الملك مينا" بتوحيد مملكتى الشمال والجنوب، وهى بلد"العربان" و"الفلاحين" ومصنع الرجال والأبطال فى كل العصور.

(1)

الصعايدة ـ والعبد لله منهم ـ يسمون كل بلد فى الشمال باسم "البحيرة"، فيقولون عن المغتربين فى القاهرة والإسكندرية "ساكنين فى البحيرة"، وكنت أفهم هذه العبارة على أنها تعنى "الوجه البحرى"، لكن لما بحثت فى أصول القبائل ومواطن هجرتها واستقرارها، اكتشفت أن "البحيرة" هى الموطن الأول لمعظم قبائل الصعيد القادمة من الصحراء الكبرى، فكلها عبرت من هذه المحافظة وعاشت فيها ثم ارتحلت إلى الجنوب، وفى العصرالمملوكى كانت قبائل "الحلف الهلالى" التى عادت من "تونس" بعد انتهاء التغريبة تعيش فى "البحيرة" ووقعت بينها وبين المماليك حروب، انتهت بهزيمة القبائل وتفرقها فى الصعيد والشرقية وسيناء، والفيوم.

(2)

ولما كانت مصر تعيش حالة الثورة فى ستينيات القرن الماضى، كتب المؤلف الإذاعى "محمود إسماعيل جاد" موال "أدهم الشرقاوى" وقدمته الإذاعة وغناه المطرب "محمد رشدى" فاشتهرولاقى هوى فى نفوس المصريين، الأمر الذى جعل "عبدالحليم حافظ" يتغنى بذات الموال فى فيلم سينمائى حمل اسم "أدهم الشرقاوى"، وأدهم لم يكن من "الشرقية" بل من "البحيرة" بالتحديد من قرية "زبيدة" التابعة لمركز "إيتاى البارود"، ورغم أن الكاتب "محمود إسماعيل جاد" جعل من "أدهم" بطلا شعبيا قاوم الاحتلال والإقطاع، ورغم اعتزاز الشعب المصرى فى الصعيد والدلتا بهذه القصة، جاء الدكتور"عماد أبوغازى" وزير الثقافة الأسبق ليكتب قصة "أدهم" ويقول للناس إنه لم يكن بطلا بل كان مجرما قاطع طريق، ومن بعده كتب الفنان التشكيلى "عادل السيوى" فقال إن "أدهم" قتل جده "السيوى"، لكن الشعب الذى يعيش فى قرى الجنوب والشمال بعيدا عن عن منتديات المثقفين مازال يعتبر "أدهم" البطل الشعبى الذى غلب الإنجليز بالحيلة، وتزعم "الفلاحين" لمقاومة ظلم الإقطاعيين، ومازال هذا الشعب الطيب يردد عبارة "يا خوفى يا بدران" ويذكر دور"بدران" الصديق الخائن الذى سلم "الأدهم" لحكومة الطغيان والظلم والاحتلال، ومن طرائف التاريخ أن زميلنا الصحفى الراحل "فاروق عبدالسلام" أجرى حوارا صحفيا نشرته مجلة "آخر ساعة" مع "بدران" المتهم بالخيانة، ونفى عن نفسه هذه التهمة.

(3)

وهنا يحضرنى اسم الفنان "عبدالعزيز مخيون" ابن قبيلة "الجميعات" المقيمة فى مركز "أبوحمص" بالبحيرة، وهذا الفنان قدم عدة أدوار تعبر عن بيئة الصعيد، وهو غير صعيدى بالطبع، لكنه نجح فى التعبير عن هذه الشخصيات التى قدمها ومنها على سبيل المثال شخصية الضابط فى فيلم "الهروب" وشخصية "إسماعيل الهوارى" فى مسلسل "شيخ العرب همام الهوارى" وشخصية الشيخ الأزهرى فى فيلم "أغنية الموت" الذى كتبه "الأبنودى" وكانت قضية هذا الفيلم تدور حول "الثأر" فى الصعيد، وسر النجاح إلى جانب موهبته الكبيرة الفذة، انتماؤه لقبيلة "الجميعات" التى تربطها القرابة الدموية والعرقية والثقافية بقبائل الصعيد، فهى جاءت من الغرب قبل مجىء "أولاد على" وهى تنتمى للقبيلة الأم "بنى سليم" التى كانت شريكة "بنى هلال" فى التغريبة المعروفة فى التاريخ، وقبائل التغريبة كانت تقيم فى شرق النيل فى زمن "العزيز بالله الفاطمى" ولما تمرد "المعز بن باديس" على الحكم الفاطمى وحاول الاستقلال بتونس، طلب "المستنصر الفاطمى" من هذه القبائل الانتقال من شرق النيل إلى بلاد أفريقيا وانتصروا على "ابن باديس" وانقسموا، منهم من عاد إلى مصر وليبيا ومنهم من عاش فى تونس والجزائر ومنهم من انضم إلى دولة "الموحدين" وانتقل إلى "الأندلس" للحرب تحت لواء الدولة الموحدية، لهذا كله، شعرنا بالقرابة والمحبة نحو الفنان "عبدالعزيز مخيون" واستطاع إقناعنا بأدائه الشخصيات الصعيدية فى الأعمال التى ذكرتها فى السطور السابقة.

(4)

وهنا تظهر "البحيرة" المبدعة، وتعلن عن نفسها من خلال الروائى "أمين يوسف غراب" صاحب قصة فيلم "شباب امرأة" الذى أخرجه "صلاح أبوسيف" وقام ببطولته "شكرى سرحان" و"عبد الوارث عسر" ـ ابن البحيرة ـ و"تحية كاريوكا"، وقصة الفيلم معروفة، وتناقش مشكلة عاشها المجتمع المصرى فى خمسينيات القرن الماضى مع بداية التوسع فى التعليم وانتقال أبناء الريف للدراسة فى القاهرة ووقوعهم فى قبضة "الأرامل والمطلقات" من أصحاب الغرف التى يستأجرها أبناء الريف بغرض الإقامة فيها طوال شهور الدراسة، وكانت "تحية كاريوكا" موفقة ورائعة وهى تؤدى شخصية "شفعات" المرأة النهمة المتوحشة التى حاولت اغتيال براءة "إمام البلتاجى حسنين" الطالب الريفى، الذى جاء من الريف ليتلقى العلم فى الجامعة، لولا القدر الرحيم الذى أرسل إليه من ينقذه من قبضة هذه السيدة، وتعلن "البحيرة" عن نفسها من خلال كاتب رومانسى آخر هو"محمد عبد الحليم عبدالله" الذى قدمت السينما بعض أعماله ومنها فيلما "هذا هو الحب" و"غصن الزيتون" وهو من جيل الروائيين الذين ظهروا فى زمن بدايات ثورة يوليو وكان لهم الفضل فى تقديم هموم الطبقة المتوسطة التى صعدت إلى مسرح التاريخ وحكمت مصر من خلال أولادها "الضباط الأحرار" وحاولت التصدى للإقطاع والاستعمار الغربى وحلفائه فى مصر والوطن العرب.

(5)

ويا عزيزى القارئ، إن "البحيرة" المبدعة لها وجوه كثيرة، فهى التى أهدت مصر فريقا من علماء الدين الإسلامى ومن أشهرهم وأقواهم أثرا فى وجدان المسلمين "الإمام محمد عبده" ابن مركز "شبرا خيت" الذى فسر القرآن الكريم تفسيرا يناسب عصر التقدم العلمى والتطور الاقتصادى، وتتلمذ على أيدى "جمال الدين الأفغانى"، وحاول إصلاح الأزهر وتطوير مناهجه فأدخل العلوم الحديثة مثل الهندسة والحساب والجغرافيا، وجعل الدراسة موقوتة بمواقيت وامتحانات ولولا دوره المهم فى إصلاح منظومة التعليم فى الجامع الأزهر، ما عرفت مصر "طه حسين" الذى قاد معركة نشر التعليم فى ربوع مصر، وهو من تلاميذ "الإمام"، وفى ستينيات القرن الماضى كانت ثورة يوليو تخوض حربا ضد "الإخوان" وهى الجماعة الإرهابية المفسدة للدنيا والدين،  وهنا تصدى لها الشيخ "محمود شلتوت" شيخ الأزهر المستنير الذى يعد من تلاميذ الإمام محمد عبده وكان للشيخ "شلتوت" دور فى القضاء على الصراع المذهبى فى الأمة الإسلامية بين "السنة" و"الشيعة" فجعل مذهب "الإثنا عشرية" الشيعى يدرس فى الأزهرالشريف فأزال حالة الكراهية بين المسلمين فى زمن كانت فيه الأمة تواجه الاستعمار الغربى وكانت الأمة فى حاجة لتجميع قواها لمواجهة عدوها الأصلى.

(6)

ومن رموز الغناء قدمت "البحيرة" الفنان المطرب الكبير "محمد عبد المطلب الأحمر" المنتمى لقبائل أولاد على الأحمر، وهو علم من أعلام الغناء الشعبى، وقدمت "كارم محمود"، ومن أعلام التمثيل قدمت البحيرة "محمود الحدينى" و"عبلة كامل"، وهذا مرجعه إلى أن هذه المحافظة خدمها موقعها فأتاح للناس فيها الالتحاق بالمدارس والجامعات والسفر إلى الإسكندرية والقاهرة، وعاصمة البحيرة هى "دمنهور" التى جعلها الإنجليز مركزا كبيرا لحلج الأقطان تمهيدا لنقلها إلى ميناء الإسكندرية ومنها إلى "لندن" و"لانكشير" عاصمة الغزل والنسج فى بريطانيا، وهذا الدور الذى منحه الإنجليز للمدينة أحدث فيها طفرة ثقافية ومالية وجعلها واحدة من المدن ذات الأثر الفعال فى غرب الدلتا.

(7)

بقى القول إن "البحيرة" غنية بكل شىء، وفيها من كل الخيرات والثمرات، وهى التى قاومت المحتلين من إنجليز وفرنسيين، وقدمت لنا رجالا صاغوا أمجاد العسكرية المصرية نذكر منهم "المشير أبو غزالة" والفريق "حسن أبوسعدة" قائد الفرقة الثانية "مشاة" فى حرب أكتوبر 1973 وهو الذى أسر"العقيد عساف ياجورى" قائد "اللواء 190 مدرع" الإسرائيلى، ورجل المخابرات "رفعت جبريل" الذى حمل لقب "الثعلب"، ومازالت "البحيرة" تواصل عطاءها للوطن وإمداده بالأبطال والمبدعين فى كل مجال.

انفوجراف

يبلغ عدد سكان البحيرة ستة ملايين نسمة حسب إحصاء 2018.

 تضم البحيرة 15 مركزا إداريا و15 مدينة و84 وحدة محلية قروية.

 تساهم البحيرة فى النشاط الصناعى فى مجـــالات الغزل والنســــج وحلــــج الأقطـــــان والكيماويات وبها منطقتان صناعيتان، الأولى فى منطقة "وادى النطرون" وتبلغ مساحتها 357 فدانا والثانية فى مدينة "رشيد" وتبلغ مساحتها 200 فدان.

 تضم البحيرة الآثار الإسلامية والقبطية والفرعونية ومن أشهر آثارها القبطية الأديرة الموجودة فى منطقة وادى النطرون "دير السريان، دير البراموسى، دير الأنبا مقار".

 تضم البحيرة مساحة 750 ألف فدان قابلة للاستصلاح ويمكن زراعتها بعد معالجتها لتكون إضافة إلى رصيد الرقعة الزراعية ودعما للاقتصاد الوطنى.

 


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content