اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

غرام المبدعين - «الشاعر والملهمة» (1/2)

قصة الحب التى ضيعت تاريخ كامل الشناوى

تاريخ النشر

لم يخطر على بال وخيال كامل الشناوى عندما كتب "لا تكذبى" أن تتحول إلى "لعنة" تطارده حيا وميتا.. فالقصيدة التى صاغها بدموعه، ليعبر فيها عن مأساة عاطفية، حولت حياته كلها لمأساة، فظلمته وجحدت فضله واختصرت تاريخه الناصع، شاعرا وصحفيا، فى أغنية.. فلم يبق من هذا التاريخ المهيب سوى أنه الشاعر الذى عاش قصة حب فاشلة مع مطربة شهيرة، وكتب فيها ولها "لا تكذبى"!

قنابل الدخان التى فجرها الصخب المدوى حول الأغنية، غطت ـ للأسف ـ على تاريخ هذا الكاتب والشاعر العظيم، فلم يلتفت أحد كما ينبغى لتاريخه الصحفى العريض، وللمناصب المرموقة التى تولاها وبينها رئاسة تحرير "آخر ساعة" ورئاسة تحرير "الجمهورية" جريدة ثورة يوليو وصوتها والتى صدر ترخيصها باسم زعيمها عبدالناصر.. ولم يلتفت أحد كما ينبغى لانفراداته الصحفية وبينها مثلا أنه كان أول صحفى فى العالم يجرى حوارا مع عبد الناصر بعد ثورة يوليو.. أو لمقالاته ومعاركه التى كانت تهز مصر.

كما غطت على تاريخه كواحد من أهم شعراء مصر ـ رغم قلة إنتاجه ـ فقد كان صاحب مدرسة و"شيخ طريقة" بين أكابر شعراء الرومانسية.. ثم كواحد من أبرز كتّاب الأغنية، وربما لا يعرف كثيرون أنه كان مؤلف القصيدة التى لحنها عبد الوهاب واختيرت لتكون النشيد الوطنى المصرى بعد ثورة يوليو.."نشيد الحرية"، وله ـ غير "لا تكذبى" ـ قصائد مغناه لا تقل عنها جودة وإبداعا، بل ربما تزيد، بينها مثلا قصيدته الوطنية المتفردة "أنا الشعب" التى غنتها أم كلثوم ولحنها عبد الوهاب، و"أنت قلبى" التى غناها حليم فى فيلم "معبودة الجماهير".

وغطت ـ ثالثا ـ على دوره المدهش فى اكتشاف المواهب ورعايتها، كانت لديه قدرة استثنائية على أن يشم رائحة الموهبة من مسافة ألف ميل، ولا تستطيع أن تحصى عدد الموهوبين من المبدعين الذين اكتشفهم "كامل بيه" ورعاهم، لدرجة أن كاتبا مشهودا له بالموضوعية والنزاهة مثل اليسارى النبيل صلاح حافظ كتب عنه يقول: "لا أكاد أعرف أديبا أو فنانا من جيلنا الحاضر غير مدين لكامل الشناوى لا أقصد بهذا الدين الثقافى وحده، وإنما أقصد الدين بمعناه المادى أيضا.. فقد كان كامل الشناوى حين يرعى موهبة جديدة يتحمل عنها جميع همومها: يشترى الكتب للأديب الناشئ، يصحب الفنان إلى الترزى ليفصل له ثيابا أفضل، يخصص حجرة فى بيته لإقامة الشاعر الذى ليس له بيت، ينشر للكاتب الجديد فى الصحيفة التى يعمل بها ويدفع له من جيبه دون أن يخبره بذلك.. ولم يكن كامل الشناوى يكتفى بهذا، وإنما كان يعتبر رسالة حياته إرغام الدنيا كلها على الالتفات للموهبة التى تحمس لها، فلا يترك سهرة أو حديثا أو اجتماعا إلا ويحوله إلى فرصة دعائية لصاحب الموهبة، ويكاد يقنع الجميع بأن الله لم يخلق مثله".

كل هذا المجد الصحفى والشعرى والإنسانى توارى خلف أغنية.. حتى لو كانت بشهرة "لا تكذبى" وما تتميز به من إبداع استثنائى، كلمة ولحنا وأداء، جعل ناقدا بقيمة إبراهيم العريس يصفها بأنها: "تعتبر واحدة من أجمل الأغانى العربية، ولعلها تتفرد بينها بكونها ـ على جمال موسيقاها التى وضعها ملحنها المبدع محمد عبد الوهاب فى صياغة درامية تعبيرية تكاد تجعلها لحظة الذروة فى أوبرا ميلودرامية ـ تتميز بتلك الحساسية المفرطة فى كلماتها والواقعية القاسية التى تطبع أجواءها".

(2)

والحق أنه لا توجد قصيدة حظيت بمثل ما نالته "لا تكذبى" من شهرة وذيوع، وهى شهرة لم تنبع من جمالها وفرادتها وتميزها كأغنية مكتملة الأركان والعناصر، كلمة ولحنا وصوتا، بقدر ما نبعت مما أحاط بالقصيدة من شائعات وروايات وتفسيرات، اختلطت فيها الحقيقة بالخيال، والوقائع بالأكاذيب، والممكن بالمستحيل.. والواقع بالأساطير، فتاهت الحقيقة تحت الركام.

قليلة بل نادرة هى الحقائق التى لم تتعرض للطعن والخلاف والتشكيك فى ملحمة "لا تكذبى"، لعل على رأسها أن كامل الشناوى هو كاتبها.. وأنه كتبها عن تجربة عاطفية مؤلمة كان فيها العاشق المهزوم.. وأن الطرف الآخر/ الحبيبة هى مطربة شهيرة.. وأنه شعر بصدمة عندما اكتشف أن له غريما فى قلبها.


أما من هو هذا الغريم، فالإجابات تنوعت والآراء اختلفت  والجدل احتدم، ويمكنك أن تحصى ستة أسماء على الأقل، كل فريق يؤكد أنه هو.. من يوسف إدريس ليوسف السباعى.. ومن محمود درويش إلى إسماعيل الحبروك.. ومن نزار قبانى لشقيقه صباح.

بل إن هناك من يضيف اسما سابعا لم يخطر لأحد على بال.. بل وينسف كل الأساطير المحيطة بالقصيدة، ويؤكد أن ما رآه كامل الشناوى كان وهما.. وكل ما قيل وتردد عن المشهد الذى فجع قلبه وفجّر دموعه وقصيدته كان مجرد سوء تفاهم!

صاحب الشهادة هو أحمد عثمان، الكاتب الصحفى والباحث فى التاريخ المصرى القديم، والمقيم فى لندن.. والأهم أنه كان تلميذا لصيقا لكامل الشناوى، ولذلك فهو يتكلم من مقام الذى شاهد وعرف وليس الذى سمع.. وأتيح لى أن ألتقى به فى زياراته السنوية للقاهرة وأن أسجل شهادته.

وأتركه يحكى شهادته بنص كلامه:

"ربطتنى علاقة وثيقة بالأستاذ كامل الشناوى، ولا أبالغ عندما أقول إنه تبنانى وأصبحت ابنه الذى لم ينجبه، وكنت محروما من مشاعر الأبوة بعد أن رحل والدى وأنا فى سن مبكرة، فكان كامل بيه يصحبنى معه فى كل مكان، وكنت سعيدا بصحبته، لأنها كانت توفر علىّ عناء التنقل بين أماكن السهر فى القاهرة لأجمع أخبار نجوم الفن، وكنت حينها محررا فى قسم الفن بأخبار اليوم، ففى سهرة كامل الشناوى اليومية بالهيلتون يتجمع كل نجوم مصر فى الفن والأدب والسياسة، وعلى ترابيزة كامل بك جلست مع عبد الحليم وعبد المطلب ويوسف إدريس وسهير البابلى وبليغ ولطفى الخولى وعبدالرحمن الخميسى وعشرات من ألمع المبدعين.. وأذكر أننى قابلت معه رئيس وزراء السودان محمد أحمد المحجوب عندما جاء ليسهر معه.. فمع كامل الشناوى كانت الأخبار تتساقط فى حجرى.

وكان هناك يومان يتأخر فيهما كامل الشناوى عن موعد سهرته اليومية فيأتى عند منتصف الليل، يوم يسهر فيه مع الأستاذ عبد الوهاب، ويوم عند الأستاذ مصطفى أمين، يأتى بعدها ليكمل سهرته اليومية ثم أركب معه التاكسى فيوصلنى إلى منزلى ثم يعود إلى بيته فى جاردن سيتى فى الشارع الذى يحمل اسمه الآن.. وفى مرة طلب من التاكسى أن يذهب مباشرة إلى بيته، وطلب منى الصعود معه، وخرج من غرفته حاملا أجمل كرافتة ارتديتها فى حياتى، كانت هدية عيد ميلادى، الذى كنت قد نسيته، وتذكره هو.

أعود إلى (لا تكذبى) الذى سجل فيها كامل الشناوى (طعنة الغدر) التى تلقاها فى خشوع من المرأة التى أحبها بصدق، ولم يعد خافيا على أحد أنها الفنانة القديرة نجاة الصغيرة، وأتذكر هذا المشهد الذى التصق بجدران ذاكرتى ويستحيل نسيانه: كنا فى منزل الفنان والكاتب والقديس عبد الرحمن الخميسى، أخذنى كامل الشناوى إلى عزومة الغداء التى دعاه إليها الخميسى بمنزله بجوار السفارة السويسرية، أعد لنا جلسة على الأرض وخلى البساط أحمدى، كان الخميسى يدخل كل شوية إلى المطبخ ليتابع تجهيز الغداء مع زوجته فاتن الشوباشى، بعد قليل جاء عبد الحليم حافظ وجلس معنا على الأرض، وأخبرنا أنه قادم للتو من عند الأستاذ عبد الوهاب، وأنه استمع إلى الكوبليه الأول من لحنه لقصيدة كامل بيه الجديدة (كان عبد الحليم لا يستخدم لقب أستاذ إلا سابقا لعبد الوهاب وحده والباقيين كلهم عنده بهوات)، وأنه من فرط إعجابه بـ (لا تكذبى) حفظ الكوبليه كاملا وبإجادة كاملة، فهتف فيه كامل الشناوى بحماس: طيب غنيه لنا!

وبدأ عبد الحليم يغنى: لا تكذبى/ إنى رأيتكما معا / ودعِ البكاء فقد كرهت الأدمعا / ما أهون الدمع الجسور إذا جرى/ من عين كاذبة فأنكر وأدعى/ إنى رأيتكما، إنى سمعتكما/ عيناكِ فى عينيه فى شفتيه فى كفيه فى قدميه/ ويداكِ ضارعتان، ترتعشان من لهف عليه/ تتحديان الشوق بالقبلات تلذعنى بسوط من لهيب/ بالهمس، بالآهات، بالنظرات، باللفتات، بالصمت الرهيب/ ويشب فى قلبى حريق/ ويضيع من قدمى الطريق/ وتطل من رأسى الظنون تلومنى وتشد أذنى/ فلطالما باركت كذبك كله/ ولعنت ظنى.

وإذا بكامل الشناوى ينفجر فى نوبة من البكاء الشديد، كان ينهنه كالأطفال ولم يستطع أن يتحكم فى مشاعره، أنا فوجئت بالمشهد وأصابتنى نوبة من الذهول، فلم أكن أتصور ولا أتوقع أن هذا الرجل العملاق المهيب يمكن أن يبكى كالأطفال.. كان واضحا أن القصيدة هى قطعة ملتهبة من قلبه!

وبعد أن هدأ كامل الشناوى قليلا قرر عبد الحليم أن يستغل الموقف وإعجاب كامل الشناوى بأدائه لكلماته فطلب منه أن يسمح له بغنائها، وبلا تردد قال كامل الشناوى: مفيش مانع، مستدلا بأن هناك موضة فى الغرب وقتها أن الأغنية الواحدة يمكن أن يغنيها أكثر من مطرب، وأعتبر عبد الحليم أنه حصل على موافقة رسمية بغناء (لا تكذبى) فغناها فى حفل عام فى نفس الأسبوع الذى غنتها فيه نجاة بفيلم (الشموع السوداء) وغضبت منه نجاة كثيرا واعتبرته تعديا على حقوقها وتصرفا لا يليق.. والمدهش أن الأستاذ عبد الوهاب سجلها هو الآخر بصوته وطرحها فى اسطوانة.. وأنا سمعت الأغنية بأصوات عديدة لكنى أقطع أن القصيدة بإلقاء كامل الشناوى هى الأمتع عندى!

لم يكن الظرف ملائما يوم عزومة الخميسى لأسأل أستاذى كامل الشناوى عن سر هذا الانفعال الشديد وبكائه الطفولى عندما سمع كلماته بصوت حليم، والتجربة التى مر بها فجعلته يكتب عن صدمة عاطفية كان واضحا أنه عاشها بكل كيانه.

كنت أعرف بحكم قربى منه أنه يحب نجاة، وعشت معه موقفا لا أنساه، فقد اتصلت به مرة ونحن فى سهرتنا اليومية فى الهيلتون، وبعد المكالمة استأذن فى الانصراف وأخذنى معه، وعرفت أن نجاة كلمته وأخبرته أن وليد (ابنها الوحيد) مريض ويحتاج إلى دواء معين بسرعة ولم تجد أجزخانة ترسل لها الدواء فى هذا الوقت المتأخر، فطلبت منه أن يحضر لها الدواء، وأخذنا "تاكسى" وظللنا نبحث عنه فى الأجزخانات المفتوحة حتى وجدناه، وأمام بيت نجاة طلب منى أن أنتظره فى التاكسى وصعد بنفسه ليوصل الدواء..

وكنت أعرف أنه حب أفلاطونى، كانت هى ملهمته، ولم تتعد العلاقة أكثر من ذلك، وعرفت منه فيما بعد تفاصيل تلك الصدمة التى جعلته يكتب (لا تكذبى)، فقد كان ضيفا دائما على نجاة ويزورها كثيرا، وكانت خادمتها تعرفه جيدا ففتحت له وسمحت له بالدخول عندما صعد إليها فجأة بدون موعد سابق، فوجدها فى مشهد عاطفى مع المخرج عز الدين ذو الفقار، وكان جارها ويسكن معها فى نفس العمارة.. ولم يدرك من صدمته أن عز الدين مخرج فيلمها الجديد "الشموع السوداء" يدربها على مشهد تمثيلى، فظنه حقيقة.. فالموضوع لم يكن فيه نزار قبانى ولا يوسف إدريس، فطبقا لرواية كامل الشناوى لى أنه المخرج عز الدين ذو الفقار".

هذا ما قاله لى أحمد عثمان بنص كلامه.. وهى شهادة مهمة وتقدم اسما جديدا ومختلفا للبطل أو قل المتهم الحقيقى لقصيدة (لا تكذبى)، وتفسيرا جديدا للواقعة ربما يعيد كتابة تاريخ حكايتها وأسرارها من جديد.

 (3)

لكن هل أحب كامل الشناوى نجاة فعلا.. وهل بادلته الحب؟

الإجابة تنطوى على مفاجأة.. تستحق متابعة الحلقة القادمة.

 


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content