اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

(الله في حياتهم) .. حارسة الأولياء

كيف أصبحت جيهان الأعصر أبرز مخرجي "سينما التصوف" ؟

تاريخ النشر

حكاية أولى : كانت الساعة تشير إلي الثانية بعد منتصف الليل عندما رن هاتف جيهان الأعصر ، تضاعفت دهشتها عندما وجدت أن المتصلة بها في ذلك الوقت المتأخر هي أخر ما يمكن أن تتوقعه ، وما تطلبه منها هو أخر ما يخطر لها على بال ..المتصلة كانت أستاذة لها من صاحبات الأسماء المرموقة في معهد السينما ، وكانت معروفة بأفكارها الإلحادية ،ولذلك كانت علاقتهما دائما متوترة وطالما اشتبكت معها "التلميذة" في مناقشات حادة ..

وفوجئت جيهان الأعصر بأستاذتها تقول لها برقة لم تعتدها منها :" أنا عارفه إنك الآن في مقام السيدة نفيسة وستصلين الفجر في رحابها ..ممكن تدعي لي؟" ..ثم انفجرت في البكاء !

حكاية ثانية : اتصال من رقم مجهول ، ردت جيهان ، جاءها صوت لا تعرفه : أنا فلانة ، منتجة سينمائية ، لدينا فيلم دراما وثائقية ، أرسلنا السيناريو للمخرجين في سوريا ولبنان ومصر .. كلهم "هربوا" منه لغاية لما قابلت مخرجا أثق فيه قال لي بحسم : "الوحيدة اللي تقدر تعمله هي فلانة ..أنتي ..وعلشان كده أتصل بك "..سألتها جيهان بفضول شديد : فيلم إيه ده؟.. وكانت الإجابة : "فيلم عن شيخ الصوفية الأكبر محي الدين بن عربي" .

ولو لم تقدم جيهان الأعصر في مشوارها كله سوى فيلميها عن الشيخ الأكبر و"مكتوب عن الحب" لكفاها لتكون حالة متفردة في المسافة التي تتقاطع فيها السينما مع التصوف ..

وخلال مشوارها منذ تخرجها في معهد السينما قدمت أفلاما حظيت بتقدير نقدي واسع وجوائز بلا حصر ، لعل على رأسها فيلمها الروائي القصير "الثلاثاء 29 فبراير" ، لكنها حققت نجاحا لافتا في أفلامها ذات المذاق الصوفي ..

فمن تكون تلك المخرجة التي أصبحت الأشهر في سينما التصوف ؟!

سأترك جيهان الأعصر تحكي حكايتها بنفسها :

(1)

في الطريق إلي الله تجد أنواعا وأصنافا من البشر ، منهم "الذين سبقت لهم منّا الحسنى".. ومنهم "الذين جاهدوا فينا" ، وأحسب أنني ولا أزكى نفسي على الله- من هذا الصنف الأول الذي جاء إلي الدنيا لمهمة وغاية ودور اختاره له الله ولم يسع هو إليه ..وهو ما يفسر لي علاقتي الغريبة مع ربنا سبحانه وتعالى ، يعني أنا فاكرة إن عمري لم يكن يزيد على ثلاث سنوات لما بدأت هذه العلاقة ، أكيد في هذه السن المبكرة لم يكن إدراكي يصل إلي الفهم والوعي ، لكن عارفه إن فيه "ربنا" ، وإنه فوق في السماء ويراني ، وكنت أحيانا بعقلية طفلة - أصعد إلي سطح عمارتنا وأقف فوق خزانات المياه علشان ربنا يشوفني ، ولما كنت ألاقي والدي الله يرحمه قاعد لوحده أتسلل إليه وأسأله في جدية : أنا عايزة أروح لربنا أصله واحشني قوي !

وكان من حسن حظي أنني دخلت مدرسة راهبات ، وتلقيت أول دروس في الدين على يد مدرسة الدين " مدام هالة" ، كانت سيدة جميلة ورقيقة ودقيقة الجسم وشعرها قصير، ومن دروسها في سنة ثانية ابتدائي رسخ في ذهني أن أحسن حاجة  في الدين بتاعنا هو حضرة النبي ، فعشقته من حكاياتها عنه وعن أخلاقه وشمائله ..

ولما كانوا يأخذوا زميلاتنا المسيحيات لحصة الدين في الكنيسة الملحقة بالمدرسة كنت أفضل الذهاب معهن على اللعب ، وأصبحت حريصة على ذلك لسببين : الأول هو رائحة البخور الجميلة داخل الكنسية ، والثاني هو تعلقي بتمثال ستنا مريم عليها السلام ..فأصبح الدين عندي يتجسد في محبة سيدنا النبي وستنا مريم ، وكنت على قناعة إن ربنا يحبهما ، ويحب من يحبهما ..!

وحدث أن أخذتني أمي مع صديقتها طنط آمال وأولادها (ولد وبنت في مثل عمري) وذهبنا إلي مكان غريب ، فجأة وجدتني في مسجد ، وبداخل المسجد مقام ، وداخل المقام عروسة جميلة ، تعلقت بها من أول نظرة ، وتعلقت بالمكان من اللحظة الأولى بعد أن شممت فيه نفس الرائحة الزكية التي كنت أشمها في كنيسة المدرسة بجوار ستنا مريم ، وعرفت من ماما أننا في مقام السيدة نفيسة ، وبهرني المكان حتى أنني كنت بعدها أطلب من أمي أن تأخذني إلي حيث "طنط العروسة" ، فكانت ترسلني مع "الدادة" ، وارتبط المكان عندي برائحته وبستنا مريم ، ومن المدهش أنه في أغلب المرات التي زرت فيها ستنا نفيسة كان إمام المسجد بمصادفات عجيبة- يقرأ في صلواته سورة مريم ..

لما كبرت شويه تعمقت علاقتي بستنا نفيسة ، ولم أكن أعرف حتى ذلك الوقت أن صلة دم تربطني بها ، فعندما أنتقل والدي وعمري 13 سنة عرفت بالصدفة أنه "مُنسب" ويمتد نسبه إلي سيدنا "الحسن" ابن عليّ سبط النبي ، والذي هو جد سيدتنا نفيسة ..

في تلك السنوات لم يكن مقامها الشريف يُغلق في أي ساعة من الليل والنهار حتى الساعات الممتدة بين العشاء والفجر ، فكنت استمتع بأن أذهب لمقامها ليلا (بصحبة الدادة) وأظل أقرأ القرآن حتى مطلع الفجر ، وفي كل مرة كنت أجد سيدة تجلس في مكان محدد بجوار المقصورة تقرأ القرآن ، شعرت تجاهها بمودة عجيبة فكنت أتعمد الجلوس بجوارها وأشعر بطاقة إيجابية غريبة تشع منها وتملأ المكان ، وأحس في جوارها بأمان وحنان ، وكانت في كل مرة تهديني بهدية حلوة (شيكولاتة أو بنبوني أو قرصة بالعجوة ) وأحيانا تمسح بحنان على شعري ، والمرة الوحيدة التي تكلمت معي فيها سألتني : أنتي بتيجي كتير بالليل هنا ليه ؟ فأجبتها ببراءة طفلة : علشان بحب ستنا نفيسة ، فردت بابتسامة : وأنا كمان ..ولم تكن هذه المريدة العظيمة لستنا نفيسة سوى الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا ..وأظن أن ربنا رزقها بحسن الخاتمة .

وأظن كذلك أن ستنا السيدة نفيسة كانت (أول شيخ) لي في الطريق ، فبجوارها وبمدد منها تعلمت "الأدب" مع الأولياء ومحبة آل البيت ..واكتشفت فيما بعد أنه قد حصل لي تربية صوفية و"تلقيح نوراني" على يديها ..وفي (الطريق) فإن الأرواح النورانية الكبيرة تقذف في محبيها قبسا منها ينعكس في السلوك والنفس بل وملامح الوجه .. ومن فرط ارتباطي بها طلبت عندما تزوجت أن يكون "كتب كتابي" في رحابها ..


(2)

رأيت محبة المصريين لآل البيت منذ كنت طفلة ، رأيتهم "لاجئين" إلى الله على أعتابهم، واللجوء الدائم يورث المحبة ، وراح المصريون يتوارثون هذه المحبة من جيل إلي جيل ، أصبح اللجوء إلى الله عبر محبة النبي وآل بيته "تركة" تنتقل من الآباء للأبناء للأحفاد ، وفي لحظة شعرت بخوف حقيقي على هذا "الوِرث" ، وخشيت أن يختفي بسبب المد السلفي ، ففي السنوات التي سبقت ثورة يناير كانت هناك هجمة شرسة على التصوف وأهله ، راح شيوخ التطرف وقنواتهم يبثون السموم في عقول البسطاء ضد المتصوفة وأوليائهم ، وراحوا يشككون الناس في التصوف ويرمونه بالأكاذيب ، وكنت عندما أزور مقامات آل البيت من السيدة نفيسة لستنا زينب وسيدي أحمد البدوي وسيدي علي زين العابدين كنت أجد من يقف عندهم ويحرم على الناس طقوسهم البسيطة في محبة آل البيت ، ونجحوا بالفعل في تعكير صفو علاقة المصريين بربنا ، وأصبحت نسبة لا بأس بها تذهب إلي مقامات الأولياء ولديها شكوك ، وهذا أخطر ما يكون ، فمحبة النبي وآل بيته ينبغي أن تظل خالصة لا يخالطها شط ولا نفاق ..

هذا المشهد رعبني ، فقررت إني أعمل فيلم أذكر فيه المصريين بالحقيقة المتوارثة ، وبأن لجوئهم إلي الله عبر آل البيت وعبر محبتهم لحضرة النبي أمر يتفق مع الإيمان والشرع ولا يشوبه شائبة ..كنت عايزه أقول لهم : اثبتوا في مواجهة هذه الهجمة السلفية ..

جاءتني فكرة الفيلم في 2007 ولكني بدأت تنفيذه فعليا من 2009 ، ولأن التيسير من علامات القبول كما يقول أهل الطريق ، فإنني رأيت من التيسير ما تمنيته وزيادة ، يعني مثلا قلت في نفسي أنه لو يسر الله لي زيارة حضرة النبي فإنها ستكون علامة لي علي قبول ما اعتبرته هدية مني لحضرته وآل بيته ، حيث كان الفيلم يتناول قصة محبة المصريين الغامرة لهم ..ووقتها كان سني لا يسمح بأن أسافر إلي الأراضي المقدسة بدون محرم ، وحدث ما يشبه المعجزات ووجدت نفسي في السعودية ، وبدون محرم ، وفي الروضة النبوية ..

ومن علامات التيسير في فيلم "مكتوب عن الحب" أن تُفتح لي الحجرة الشريفة في مقام مولانا الحسين وهي الحجرة الموجود بها "آثار" سيدنا النبي ، وكان لي الشرف أن أكون صاحبة أول كاميرا تدخل إليها ..

وكان لي الشرف كذلك أن أكون صاحبة أول كاميرا تدخل عند سيدي أبو الحسن الشاذلي في "حميثرة"..وأقسم أنني قبل سفري رأيت سيدي أبو الحسن في رؤيا صحبني خلالها للفرجة على مسجده الذي كان حينها قيد البناء ..ولما سافرت رأيت المسجد كما شاهدته في الرؤيا ..

ثم كان الموقف الذي يستحيل نسيانه عند ستنا نفيسة ، ففجأة وجدتني مسئولة عن مسجدها الشريف يوم ذهبت للتصوير فيه ، وجدت المسجد يتم إخلاؤه من أجلي ، وأنا المسئولة عن دخول الناس والمعدات واختيار أماكن التصوير . المكان أصبح تحت قيادتي فعليا ، فنظرت إلي مقامها الشريف وعجزت عن الكلام أو التعبير عن امتناني بهذا الكرم ،ولا أعرف حتى الآن كيف تماسكت وأكملت التصوير في ذلك اليوم ، فقد شعرت أن هذه السيدة العظيمة التي وقعت في غرامها وأنا طفلة في السابعة من عمري  تبادلني المحبة ..وحسيت بعظم المسئولية ..

ولا أستطيع أن أتكلم عن صدى " مكتوب عن الحب" عند عرضه ، فقد كان أضعاف ما قدرت وتمنيت ، وحقق أهدافه وزيادة ..ولا يزال .


(3                     

وإذا كنت قد فكرت وحضرت ونفذت وسعيت لعمل " مكتوب عن الحب " فإن فيلمي عن الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي هو الذي سعى إليّ ، وجاءني بعد أن عرض السيناريو على المخرجين في سوريا ولبنان ومصر ..

ومثلما غمرتني "الكرامات" في "مكتوب عن الحب" فقد كانت أظهر وأوضح في فيلمي عن سيدي محي ، وسأكتفى بواحدة منها ، فعندما سافرت لتصوير الفيلم في سوريا بحكم أن الطبيعة هناك هي الأقرب للأماكن التي ولد ونشأ فيها الشيخ الأكبر في الأندلس ، فإنني "لفيت" سوريا بمعنى الكلمة بحثا عن مكان بمواصفات معينة قررت ألا أتنازل عنها ، إلي أن عثرت علي بيت قديم في حلب عمره يصل إلي ألف سنة اشترته شركة سياحة وحولته إلي فندق ، واخترت حجرة معينة من حجرات الفندق الأثري قدرت أنها تشبه الحجرة التي ولد فيها سيدي محي ، وفكرت أن أعدل في ديكوراتها واستخدمها كجزء من البيت الذي عاش فيه طفولته ، وجاء مدير الفندق وأنا أقوم بعمل المعاينة ، وسألني عن الفيلم الذي ننوي تصويره ، ولما عرف أنه عن ابن عربي ، فوجئت به يقول : علشان كده اخترتم الحجرة دي ؟ ، واستوقفتني عبارته واستوضحته معناها فشرح لي : هذه الحجرة كانت مخصصة للحضرة "الأكبرية"- نسبة إلي الشيخ الأكبر-  التي كان يقيمها الشيخ عبد القادر تلميذه المباشر ، وظل يقيمها في نفس الحجرة لمدة 40 سنة !

عندها أيقنت أنه ليس لي من الأمر شيء ..

 

 

 


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content