اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

جَرْح البنات البيض خضَّر بلا ميَّة

خضرة محمد خضر.. طيور العنبر فى جناين مصر

تاريخ النشر

مافيش أجمل من ساعة صُبحية فى شتاء الصعيد.. الشمس تجرى وراء الساعات كأنها تريد اقتناصها.. ولهذا كنا نعتقد بمرور نهار اليوم سريعاً بينما نعيش ليلاً أسود طويلا حالكا.. فقط لنغنى "ليل الشتا طويل".

تلك الشمس الشتوية الحامية التى تفرش المنازل فى الصباح.. فرصة رائعة للأمهات اللاتى يجلسن بجوار الحيطان.. كل واحدة وقد فرشت شعر ابنتها فى حجرها وفى يدها «فلّاية» من الخشب.. وربما وضعت بجوارها "سطل جاز".. قد تحتاجه من حين لآخر لتدفن "المشط الخشبى" هذا فيه، ثم تعيد تمريره بين شعر الفتاة الصغيرة التى لن يهدأ نحيبها إلا عند رؤيتها ليد أمها وهى تضفر لها شريطين فى ذلك الشعر الذى كان منذ لحظات مجعداً.

ليس بعيداً عن تلك الحيطان يجلس الرجال، وقد جاءوا بلبايش القصب التى كانوا يغنون لها فى فيلم «شىء من الخوف»، «يابو اللبايش يا قصب.. عندنا فرح واتنصب».. وهنا بجوار الحيطان الطين ينصبون فرحهم الخاص مع لعبة «السيجة».. وهى عبارة عن لعبة بدائية بين شخصين.. يتم رسم 25 مكعباً فارغاً فى التراب.. يقوم كل لاعب باختيار 12 مربعاً منها يضع فيها عساكره المصنوعة من الطوب.. ويترك المربع الخامس والعشرين فارغاً، ثم يبدأ تحرك كل فريق ضد الآخر.. وتنتهى اللعبة بعد إفراغ هذه «الحصى» بعد هزيمتها وبجوار هذه المطحنة يجلس جدى ورفقاؤه من كبار السن يشربون الشاى.. وقد وضع كل واحد منهم «سنة عنبر» فيه فصارت له رائحة غريبة عن أى «شاى ممكن» تشربه فى حياتك.كنت أجرى وراء هذه الرائحة، وأسأل جدى إيه ده اللى أنت بتحطه فى سن عود الكبريت وتحلِّى بيه الشاى؟.. فيضحك وقد لمعت أسنانه «ده كِبْد الحُوت يا حمار».. اكتشفت فيما بعد أن العنبر «كتل شحمية» تقذفها الحيتان عندما تأكل شيئاً يهيج أمعاءها.. ليتلقفه الصيادون فى موسم الرياح.. وعند جفاف هذه الكتل الشحمية تصبح مادة صلبة متعددة الأشكال والألوان.. لكننا نعرف منها فى الصعيد اللون البنى.. وعرفت فيما بعد أن الأطباء يؤكدون أن العنبر يعالج الجسم من السموم وأمراض الدماغ.. التى فسرها جدى بأنها «المجانين يعنى».

مالى أتذكر ذلك كله وأنا أكتب عن واحدة من أسطوات الغناء الشعبى. باختصار هذه السيدة هى قطعة العنبر التى داوت دماغ الغناء الشعبى فى بلدنا واسمها :خضرة محمد خضر".

 المنجة طابت على السّجر

اسمها خضرة محمد خضر من ريف البحيرة.. أبوها مداح فى الموالد الشعبية.. وأمها كذلك.. وجدتها لأمها أيضاً.. وحتى تستطيع أن تعمل فى الموالد كما شاءت بعد أن انفرد عودها وأصبحت امرأة ناضجة.. كان لا بد أن تتزوج وكان من الطبيعى أن يكون زوجها الأول ابن كار.. لكنها تزوجت من رجل ريفى عادى كان شرطه ألا تعمل فى الغناء، وأن تترك عالم الموالد.. ومثل أى فتاة ريفية تريد أن يصبح لها «بيت وعيال» قبلت بشروط عريسها، على أمل أن تقنعه بمحبتها للغناء بعد الزواج.. لكنها لم تستطع أن تفعل ذلك فغضبت لدى أسرتها.

فى ذلك الوقت كانت وزارة الثقافة فى حكومة يوليو قد قررت إيفاد زكريا الحجاوى إلى ريف مصر يبحث عن الشعبيين والتلقائيين ليضمهم إلى فرقة الفلاحين.. لم يكن مجرد رجل «كشَّاف».. كان رجل سياسة.. وثقافة.. وصاحب فكرة وعلم.. جاء من قريته البعيدة التى يعمل أهلها بالصيد فى «المنزل» إلى القاهرة الواسعة.. قبل الثورة عرف أنور السادات وصاحبه، وأخفاه عن عيون مطارديه عندما قتل أمين عثمان.. وبعد الثورة استعان به السادات فى تأسيس جريدة الجمهورية.. لكن علاقة الصداقة لم تدم.. ولأسباب لا يعرفها الحجاوى تم طرده من العمل.. حتى جاء الوقت ليطلبه فتحى رضوان لمصلحة الفنون.. كان الحجاوى وقتها عاشقاً من طراز فريد.. لم تنجح قصة غرامه الأولى لأسباب غريبة لم يعلنها.. لكن وفاة شقيقه وتركه لأطفال دفعه للزواج من أمهم.. التى أنجب منها أيضاً.. وقتها.. وهو رجل فشل فى قصة حب.. وتزوج من امرأة شقيقه المتوفى.

قابلته خضرة.. ورحلت معه من مولد إلى آخر.. صارت نجمة فرقته وصاحبة الملحمة الأشهر «ناعسة وأيوب».. رغم أن هناك مطربة أخرى شاركتها الغناء اسمها «فاطمة على».

لم يكن من السهل أن تستمر خضرة محمد على ذمة رجل يرفض عملها بالغناء.. وفى نفس الوقت هى فى حماية رجل متزوج اسمه «زكريا الحجاوى»، فكان قراره بأن يتزوجها.. بشرط وجود زوجته الأولى.. لكن خضرة لم تستطع قبول فكرة مشاركة أخرى فى قلب وعقل الحجاوى، فطلبت الطلاق الذى تم بعد عامين فقط من زواجهما.

قصة طلاق خضرة من الحجاوى صارت أسطورة.. سجلت بعض وقائعها الكاتبة الكبيرة سناء البيسى.. وملخصها أن خضرة والحجاوى اتفقا على إقامة «حفل طلاق».. يغنى فيه عدد كبير من المطربين الشعبيين، أقيم له سرادق فى إمبابة وحضره الآلاف من محبى فنهما.. لكن الأغرب أنهما شربا من دماء بعضهما حتى يصبح كل منهما شقيقا للآخر.

حدث ذلك عام ١٩٦٣ قبل أن يعرف شباب مصر ما يسمى بزواج الدم.. لكنه كان على الإطلاق.. لم يعرفوا طلاق الدم الذى أتمته خضرة والحجاوى.. وفى الطلاق كتب عمنا زكريا الحجاوى.. "وغنت خضرة فى اليوم التالى مباشرة لحفل طلاقها:

«زرعت فدان جمايل

 وأربعة معروف

ورويتها يا ما شهامة

 بذوق وبالمعروف

 واللى حماها أنا..

 بالجدعنة وبالمعروف..

 وقلت هلبت تزرع

م الجميل قيراطين..

أتاريها أرض طين..

وبتنكر المعروف

تميزت خضرة فى البدايات بغناء الموال لكن:

«ولا كل من جرَّت الكحلة صبية

 ولا كل من وضعت تقول جبت ولاد

 يا ناس أنا عيان ما تقلبوش فيا

 تسعة وتسعين طبيب غير التمرجية

 جرح البنات البيض

 خضّر بلا ميّة»

هذه الأغنية بلغت من الشهرة مما جعل خضرة وفرقتها يعيدون تقديمها بارتجال غنائى مختلف للاحتفاء بالزعيم جمال عبدالناصر.. الأمثلة كثيرة من بنات جيلها.. وهناك تسجيل تليفزيونى لتلك الأغنية فى عيد الثورة عام ١٩٦٦:

"قالوا ده واد مين

 أنا قلت عتسأل ليه

وأنا اللى أصلى.. أصلى

 ما يعلاش عليه..

وميتى أشوفك يا قلبى فرحان..

 ده حبيبى فى الأقصر وأنا بلدى أسوان..

وقالوا ده السد العالى بنوه العمال..

أنا قلت تعيش رجالنا الأبطال

والفضل ده كله لريسنا جمال..

بطل العروبة.. وزعيم العربان".

كان استغلال صوت خضرة فى ذلك الاحتفال وغيره طبيعياً. فقد وصلت شهرتها إلى اليابان.. حيث غنت على أحد مسارحها واستضافها التليفزيون الرسمى.. مثلما غنت فى ولايات أمريكا. هذه السيدة الصبور التى تشبه قصة حياتها قصة «ناعسة«التى استعارها زكريا الحجاوى من قصة «أيوب عليه السلام» والتى تجد معادلاً لها فى «آلام السيد المسيح» حيث يحتفل المسيحيون بأربعاء أيوب فى الأربعاء الأخير من أسبوع الآلام.

هذه السيدة لم تنجح من فراغ.. لعشقها الغريب للغناء.. وقد شهدت ذلك بنفسى فى أحد أيام شهر رمضان بمسرح المؤسسة العمالية فى شبرا الخيمة، حيث منعها زوج إحدى بناتها ولم يسمح لها إلا بمرة أخيرة تشارك فيها على المسرح مع مجموعة من الشباب.. فرجة شعبية مأخوذة عن قصة ليوسف إدريس أخرجها صبرى فواز..تلك السيدة الصابرة لم تنجح فجأة.. لقد عثرت على تسجيلات قديمة مجهولة.. تحمل اسم خضرة نجاتى.. سجلتها لصوت القاهرة.. والطريف أن أحد تلك التسجيلات يحمل اسم «المنجة طابت على السّجر»، وهى أغنية مختلفة تماماً عما قدم الأبنودى بعد ذلك من ألحان بليغ حمدى لمحمد رشدى.. تقول أغنية خضرة:

«آه يا ليل يا قمر

 المنجة طابت ع السّجر»

«أول خبر من عزبتنا

النور دخل ويّا الميَّة

وحاجات كتير قوى دخلت بيتنا..

يا سلام ع الاشتراكية»!

آه والله.. خضرة محمد خضر غنت للاشتراكية.. مثلما غنت فى مقطع تال للإصلاح الزراعى:

«أنا دارى بقت

 زى السرايا يا صلاة الزين

وعندى جاموسة وبقراية

وخمس فدادين

أنا وانت اتهنينا سوا

كده بالقضاء والقدر..

آه يا ليل يا قمر».

لم تكن تلك الأغنية النادرة وحدها هى التى استلهمت فيها خضرة «الموتيفة الشعبية» فأسطوانة صوت القاهرة التى صدرت بمشاركة شركة «صوت الأمانة» من كلمات وألحان سيد قشقوش.. قدمت أيضاً «جبلى».. وهو نص تمت إعادة استلهامه فيما بعد بصوت عازف الربابة الراحل سيد الشاعر.. لكن النص الفلكلورى الذى غنته خضرة يمتلئ بجماليات افتقدتها المحاولات التالية لها:

«ياما خلق راضية لك عرابات

لكن ضميرهم عرابات..

ولو يا واطى فيك عرابات

لاسقيهم الويل.. جبلى

 اللّه.. يا ليل..

خش على جرجا بمهلى

 بلد العرابة والهيلى (الهلايل)

وريانية وكوامل هالة

 سهيرة الليل»

.. والمقطع السابق قدمه سيد الشاعر كما هو منقول عن خضرة بدون تغيير "هالة سمير".

وربما يستغرب البعض أنها استلهمت المقدمة المعروفة «يا وابور الساعة اتناشر» بإيقاعات صعيدية واضحة وبسيطة:

«من أسوان جاى بتجرى

 وأنا طاير ويّاك

 فى قنا أحباب واقفينلى

 ع الشوق بنستناك

نيل سوهاج يرقص مع أسيوط

 فرح قلبى وبيغنى الواحدة

بالمضبوط.. يا وابور.. إلخ».

 

 نظرة ومدد

المساحات الكبيرة فى حنجرة خضرة محمد خضر سمحت لمن تعاونوا معها أو استخدموا صوتها سواء فى الإذاعة أو الحفلات العامة، بأن يجربوا قدرتها على أداء المديح النبوى.. لذا فهى تعد واحدة من «المدّاحات القلائل».. ومارست فن «الإنشاد الدينى» كذلك.. ومن أشهر ما غنت فى ذلك السياق رائعتها للسيد البدوى:

«الله الله يا بدوى..

 نظرة ومدد..

 يابو فراج بين الأجاويد

 أنت الأجود..

 السيد اللى مقامه فى العلا سارح

براهين علم وهوه فى الجلال سابح..

من السنة للسنة زوار

ودبايح.. إلخ".

ومن السيد البدوى إلى السيدة زينب وجدّها:

«حلفتك يا ليل لتطوِّل والنبى

 أمانة.. يا ليل ده سهرنا للنبى

 وشفيعى وحمينى يا نور النبى».

والملاحظ أن خضرة فى ذلك العمل، خرجت عن الصياغات اللحنية المعروفة فى المديح، إلى إيقاعات ولحن شعبى أقرب لأغانى الأفراح استخدمه على إسماعيل فيما بعد فى أحد ألحان الثلاثى المرح.. "يا حلاوة الزين شَكلاته وعين جمل".

ومن الطبيعى أن تغنى خضرة للحج باعتباره أحد أهم الاحتفالات الشعبية والدينية فى وقت واحد.. وقدمت واحدة من أجمل أغنياته «رايحة فين يا حاجة؟".

 خضرة فى شقة الطلبة

وكان من الطبيعى أن تلتفت السينما وصانعوها إلى نجاحات خضرة، وأن تستفيد منها.. وحسناً فعلوا، فقد حفظوا لنا «شكل وصورة» تلك السيدة صاحبة أجمل «له» فى تاريخ الغناء الشعبى.. حيث ظهرت فى أربعة أفلام.. هى «شقة الطلبة» مع سعاد حسنى.. «هو والنساء» مع رشدى أباظة.. «أنا الدكتور» مع فريد شوقى.. وأخيراً وفى عام ١٩٨٤ فيلم «ألعاب ممنوعة» مع سمير غانم.

لم تقم خضرة فى هذه الأفلام بالتمثيل.. هى فقط مثلها مثل معظم رواد الغناء الشعبى محمد أبودراع وسيد درويش الطنطاوى ومحمد طه.. غنت من خلال مشاهد قليلة سواء فى «فرح بلدى».. أو سهرة فى «ملهى».. ورغم ندرة المشاركات السينمائية فإن الإذاعة المصرية بمكتبتها الكبرى، عوضت تلك الندرة بعشرات الأغنيات التى تجاهلنا سماعها هذه الأيام، بعد غياب إذاعة الشعب فى ظروف غامضة.. ورغم وجود محطة إذاعية جديدة باسم «شعبى FM»، فإن تلك المحطة تتجاهل تراث السيدة ربما لأن معظمه ملاحم وصور غنائية لا تناسب شكل الإيقاع السريع والتجارى لتلك المحطة.

 عودة ابن عروس

رغم تلك المعركة المفتعلة التى أثارها الراحل عبدالرحمن الأبنودى حول جنسية الشاعر الشعبى ابن عروس.. وهل هو مصرى من أبناء قنا كما يعرف محبو الشعر الشعبى والمواويل والمربعات، أم من أصول تونسية؟.. وتلك الأشعار المنسوبة له ليست له بل هى لشاعر مجهول اعتماداً على دراسة استغرق فيها زمناً، ليؤكد أن الشاعر التونسى ابن عروس لم ينزل مصر قط.

أقول بعيداً عن تلك المعركة.. ظلت أشعار ابن عروس ملجأ لكل من أراد غناء المربعات والموال.. وكان ذلك أمراً طبيعياً.لكن قدرات خضرة الصوتية أغرتها بأن تفعلها وتقلد الرجال، وتقدم لنا العشرات من مربعات ابن عروس:

«تستاهل الكى بالنار

لو كان بإيدى لأزيدك..

جالب على روحك العار

تعشق ليه من لا يريدك

يا قلبى.. اللى يداويك يابا داويه

واجعل عيالك عبيده..

واللى يعاديك يابا عاديه

روحك ماهيا مش فى إيده

يا قلبى..».


‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

إقرأ آخر عدد

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content