اغلاق الشريط الاخبارى

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

شعار أخبار مصر

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

لواء دكتور/ سمير فرج: الأم دي من مصر

لواء دكتور/ سمير فرج: الأم دي من مصر

تاريخ النشر

في قلب كل رجل في مصر، حب لا محدود لوالدته ... الكل يرى في أمه أحسن أم في الكون ... وأطيب أم في الدنيا ... والحقيقة أنني أول هؤلاء الرجال ... أمي أعظم، وأحن، وأطيب قلب في الدنيا.

لن أسترسل في حكاياتي وذكرياتي مع أمي، رحمة الله عليها، وبديلاً عن ذلك، سأتناول قصة الأم في صعيد مصر ... ليست أم بعينها، ولكن قصة كل أم ... فقد عاصرت العديد من المواقف والذكريات، بوجودي في الأقصر لمدة سبع سنوات متتالية، تعرفت خلالهم على طبيعة الحياة الأسرية في صعيد مصر .. تلك المنطقة التي تعرف بأنها طاردة للسكان، نظراً لضيق الوادي حول شريان نهر النيل، مما أدى لمحدودية الأرض الزراعية، إضافة إلى الضعف النسبي لاستثمارات الدولة في صعيد مصر، مما دفع شباب الصعيد، بمجرد وصولهم إلى سن العمل، إلى الخروج من ذلك الوادي الضيق، إلى الرحب والسعة في منطقة الدلتا أو في القاهرة، أو للعمل خارج حدود مصر سواء في منطقة الخليج أو ليبيا.

عرفت من عادات أهل الصعيد، أن قبل خروج الشاب بحثاً عن فرصة العمل، يعقد قرانه، ويتزوج، من إحدى فتيات عائلته، وفقاً لترشيحات الأسرة ... وبينما يبدأ الشاب رحلة الشقاء والعمل، تاركاً زوجته خلفه في بلدته، تكون هي قد استعدت لتحمل جميع المسئوليات الداخلية، ومعها الجدة أو "العمة" كما يطلق عليها في صعيد مصر. فتتولى الزوجة، التي صارات أماً، كل شيء بدءاً من تعليم الطفل أولى خطواته على الأرض، ومتابعته حتى يلتحق بالتعليم، بما في ذلك من تفاصيل الحياة ... وتحتضنه الجدة وتغرس فيه عادات الصعيد وأخلاقه من خلال ما ترويه له من قصص الأباء والأجداد ... فينشأ هذا الطفل ويترعرع، ويصير شاباً يافعاً، وحياته تتمحور حول الأم والجدة.

ليس صحيحاً ما يتصوره البعض عن أن المرأة مقهورة في صعيد مصر، فالحقيقة أن قيمتها وقامتها عالية هناك ... يوقرها الكبير والصغير، ويستنير برأيها جميع أفراد العائلة ... فكلمة الأم هي العليا في صعيد مصر. وبعيداً عن مختلف الآراء حول مسألة الثأر في صعيد مصر، وهو ما لن أخوض فيه، إلا أن ما يعنيني منه هنا، تلك الدلالات الكبيرة على مكانة الأم في العائلة، فكما نعرف جميعاً، أن من عادات أهل الصعيد عدم إقامة العزاء، إلا بعد الثأر من القاتل، وإن استغرق ذلك سنوات وسنوات ... وحتى إذا ما حوكم القاتل بالسجن، فذلك لا يكفي أسرة القتيل كجزاء، وإنما يكون جزاءهم بأيديهم، وفقاً لما وضعوه لأنفسهم من أعراف... ولا يمكن أن يتم الاتفاق على الصلح والعفو، إلا بعد موافقة الأم أو الجدة ... وبالرغم من أن عفو عائلة القتيل عن القاتل، يكون في جلسة كبيرة يحمل فيها القاتل كفنه لعائلة القتيل، وما لذلك من دلالات مهينة في الصعيد، فإن ذلك يحدث في كثير من الأحيان على مرأى ومسمع من الأم أو الجدة، التي تصر على الوقوف خلف ستار، للإشارة لكبير عائلتها بموافقتها على تسلم كفن القاتل، دليلا على قبول الصلح.

إن منزلة الأم في صعيد مصر مازالت عالية، وإن تم التخلص من بعض الموروثات والعادات البالية، كذلك التقليد بأن الابن يتزوج بهدف أن تكون زوجته بمثابة خادمة لوالدته ... فنتيجة لتعليم الفتيات في المدارس، أصبحت زوجة الابن، ابنة جديدة تضاف إلى الأسرة، ولها كيان مستقل داخل هذه الأسرة، وتقوم بجميع واجباتها نحو الأم في إطار من العلاقات الأسرية الطيبة، بعيداً عن القهر والظلم.

أذكر من مواقفي في الأقصر، أنني واجهت العديد من المشكلات عند نقل سكان قرية القرنة في البر الغربي، الذين بنوا منازلهم العشوائية فوق المقابر الفرعونية، إلى منطقة القرنة الجديدة التي كنت قد شيدتها على أعلى مستوى، وجهزتها بجميع الخدمات اللازمة، التي لم تتوفر لسكان القرنة من قبل، سواء المياة، أو الكهرباء، أو الصرف الصحي، فضلاً عن المدارس والنوادي الاجتماعية والرياضية، والمراكز الصحية. وبالرغم مما توفره قرية القرنة الجديدة من مستوى عال من المعيشة، إلا أن الآباء رفضوا بشدة الانتقال إليها ... فاقتربت من الأمهات، من خلال فتيات تنظيم الأسرة، لاستمالتهن بشرح مزايا الانتقال إلى هذه القرية الجديدة، حيث المياه النقية، والصرف الصحي، والكهرباء المتوفرة طوال اليوم، بما يتيح لهن استخدام الثلاجات والتليفزيونات، والغسالات، إضافة إلى ما توفره تلك القرية الجديدة من حياة كريمة لأبنائهن، سواء في المدارس أو الرعاية الصحية والاجتماعية.

وأشهد بأن نجاحي في نقل سكان القرنة من فوق المقابر الفرعونية، إلى قرية القرنة الجديدة، تم بتوفيق من الله، سبحانه وتعالى، ثم بفضل الأمهات، اللاتي أقتنعن بمصلحة أبنائهن وأسرهن، وحقهم في بدء حياة جديدة، توفر لهم ما يتوفر لنظرائهم في المدن الكبرى من خدمات وتسهيلات.

وهكذا تظل الأم هي محور الحياة اليومية في صعيد مصر، وأعتقد أنه مع ارتفاع مستوى التعليم في مصر، سوف يزداد ثقل ودور الام الصعيدية في تعليم الأولاد، والتركيز على النواحي العلمية القائمة على وسائل التكنولوجيا الحديثة، كبديل عن قصص الأساطير القديمة، مع الاهتمام بالرعاية الصحية السليمة.

ومع بدء الدولة المصرية في ضخ استثمارات جديدة في الصعيد، نرجو أن تتحول جميع محافظات الصعيد إلى مناطق جاذبة للسكان، وليست طاردة لهم، وأن تصبح تلك المحافظات عامرة بأهلها، وغيرهم ممن يسعون إليها طلباً للرزق. لتعيش الأسر الصعيدية الحياة العادية، حول رب أسرتها، بدلاً عن غربته عنهم، ويصبح تطلع الأبناء للعمل داخل محافظاتهم أملاً جديداً في حياة جديدة للأسرة المصرية في صعيد مصر. ويجب أن يتماشى ذلك مع تطوير خطط التعليم العالي في الجامعات المصرية .. بأن تتواجد الجامعات والكليات في صعيد مصر .. بحيث تكفي احتياجات ومطالب أهالي الصعيد، وتحد من الغربة في محافظات أخرى للالتحاق بالجامعات، أو إيثار التخلي عن التعليم، خاصة في حالة الفتيات، اللاتي يرفض ذويهن استكمال تعليمهن، إن كان ذلك يقتضي الحصول عليه في محافظة أخرى.

أقول ذلك، وكلي أمل في أن الأم في صعيد مصر، في الفترة القادمة، سوف تلقى مزيداً من الاهتمام والرعاية من قبل الدولة، تحقق لها المزيد من التقد
  • #كلمات متعلقة

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

أضف تعليق

الموقع غير مسئول عن محتوى التعليقات و نرجو الإلتزام باللياقة في التعبير

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

فيديوهات

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

‏برنامج مشاهدة محتويات الانترنت‏

Complementary Content