آخر حوار لميشيل المصرى: نفسى أقدم مسيرتى الفنية فى كتاب

ميشيل المصرى ملحن ومؤلف موسيقى، تميزت أعماله بالرقة والعذوبة والابتكار، مما جعله صاحب علامة مميزة فى تاريخ الموسيقى المصرية. رحل عن عالمنا منذ أيام عن عمر يناهز

ميشيل المصرى ملحن ومؤلف موسيقى، تميزت أعماله بالرقة والعذوبة والابتكار، مما جعله صاحب علامة مميزة فى تاريخ الموسيقى المصرية. رحل عن عالمنا منذ أيام عن عمر يناهز الـ85 عاما، بعد صراع طويل مع المرض، لكنه سوف يظل حاضرا بموسيقاه دائما، فهو صاحب أكثر من مائة عمل فنى بين موسيقى تصويرية وتترات مسلسلات وأغانى أفلام وأوبريتات غنائية ومؤلفات موسيقية.

كتب الراحل الموسيقى لأكثر من 15 فيلما، منها "صراع الأيام" عام 1984 و"لست شيطانا ولا ملاكا" عام 1980 و"دموع فى عيون ضاحكة" عام 1977 و"البرنس" و"الشبيهان" و"الشك" و"الجذور".. ومن المسلسلات "جريمة فى المصيف، وأبناء ولكن، وليالى الحلمية، ومين اللى مايحبش فاطمة، وعائلة الحاج متولى، وحارة القرود، ومحمد رسول الله الجزء الثانى". فى آخر حوار له مع "الإذاعة والتليفزيون" تحدث ميشيل عن محمد عبدالوهاب وأم كلثوم عبدالحليم حافظ وفيروز ومحمد عبده وغيرهم.

رغم ما قدمه ميشيل المصرى لمصر فإنه لم يجد التكريم الرسمى، ولم ينل حقه من التقدير والامتنان، فعاش باقى أيام حياته بمكتبه الذى هو مكان إقامته بالدور الأرضى بفيلته بمنطقة السادس من أكتوبر. ظل لسنوات يعانى من المرض وفقد البصر. لم يتذكره أحد ولم يدق بابه حتى زميل عمل.

عاش بين كتبه ونوته الموسيقية ومؤلفاته التى كانت أحن عليه من البشر.

عندما ذهبت لمحاورته منذ شهرين سجلت معه أكثر من أربع ساعات تحدث فيها عن ذكريات 85 عاما.. طلب منى أن أكتب ما فى هذه المجلدات والكتب، وكأنه وجد أخيراً من يخرج تاريخه للنور، هذا التاريخ الذى لم يعلم عنه الكثيرون شيئا سوى ميشيل نفسه وسكرتاريته التى جمعت هذا التاريخ على جهاز كمبيوتر.

ولسوء حظى عدد صفحات حوارى معه لم تكف لسرد كل ما تحدثنا فيه من ذكريات مع نجوم كبار بالعالم العربى.. وذهبت وأنا على موعد معه لعمل كتاب يحمل اسمه، لكن لسوء حظى منعه المرض الذى كان يشتد عليه كل يوم أكثر من الذى قبله، وظللت أتصل به تليفونيا لأسأل عن صحته فيقول لى فى كل مرة "أنتظر أمر الله"، وكأنه فى انتظار الموت ليخلصه من شدة آلام مرضه وفقد بصره وجزء كبير من سمعه وقدمه المصابة بمرض "السكرى".

تحدث ميشيل المصرى فى آخر حوار له عن تاريخ طويل وذكربات جميلة تجمعه بأسماء كبيرة، بدأها من عبدالوهاب مرورا بأم كلثوم وفيروز وطلال مداح.

عندما جلست بجواره بدأت حديثى عن قائمة أعماله مع عمالقة الغناء المصرى والعربى، وقلت له "عندما بحثت عن ميشيل المصرى وجدت اسمك مقرونا بالكثير من الأعمال الدينية مثل (لا إله إلا الله، الفتوحات الإسلامية، عقبة بن نافع)، فكيف استطعت أن تقرن اسم قبطى بهذه الأعمال الإسلامية؟!".. فنظر لى نظرة عميقة ثم قال "لا أعتبر أن هذا غريب، فأنا أسمع القرآن الكريم بكل التلاوات وبأصوات عديدة مصرية وإيرانية وعراقية، بخلاف اطلاعى على التاريخ الإسلامى، لذلك أصبحت أكثر الذين وضعوا موسيقى تصويرية للأعمال الإسلامية، فعندما أقدم عملا دينيا أستحضر بداخلى روحانيات عبودية الله الواحد فيخرج منى صادقا، وأتذكر أن النجاح الذى حققه فيلم (الرسالة) شجع منتجين على تقديم أعمال إسلامية، فاتصل بى رياض العريان وكلفنى بوضع الموسيقى التصويرية لمسلسل (فرسان الله)، وجلس معى مخرج العمل ممدوح مراد ليحكى لى ويشرح شخصيات هؤلاء المسلمين وعددهم والرومان وعددهم الكبير، فجعلنى أؤلف الموسيقى قبل التصوير، فتفرغت له تفرغا كاملا وأخذ منى ذلك ثلاثة شهور، فوجدت أن الحل هو استخدام التكبير عن طريق الآلات الموسيقية والطبول تردد تكبيرات (الله) وتتحاور فيما بينها، وهناك شىء آخر أخافنى عند التحضير لهذا العمل وهو كيف أضع موسيقى عند سماعها أعرف أن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) فى هذا المكان، وبعد حيرة شديدة هدانى الله أن أكتب جملة بصوت الهواء وصفير الرياح، ونجحت والحمد لله، وكان المنتج متخوفا من وجود اسمى على التتر وأرسل للشركة السعودية أكثر من مرة تخوفا من أن يتم إيقاف المسلسل، وكان الرد يأتيه بالإيجاب، وكتب على التتر اسمى "ن المصرى" لكن حرصت الشركة على كتابة اسمى كاملا فوضعت ميشيل المصرى".

وواصل "لى باع كبير جدا مع الأعمال الإسلامية، وفى أحد شهور رمضان كان يعرض لى برنامج دينى يتناول أهم مشايخ التلاوة فى مصر أمثال محمد صديق المنشاوى ومحمد رفعت وغيرهما".

وعن مرحلة مهمة فى حياته وهى ترؤس أوركسترا الإذاعة بالكويت تحدث قائلا: "أعتبر أبى الروحى نجيب رزق الله، فهو كان العازف الأول للكمان مع أم كلثوم عام 1958، وأخذنى لأعمل معه بالكويت كعازف أول للكمان عام 1962، وكنت قائد فرقة موسيقى الإذاعة بالكويت التى كونتها من موسيقيين مصريين سافروا معى، وأتذكر أننى كنت أحصل على راتبى بالعملة الهندية (الروبية)، وكانت عملة الكويت فى هذا الوقت، وظللت هناك حتى عام 1968، وحضر بالكويت محمد عبده وعمره 15 عاما، وأول ما غنى كان على يدى، وقمت بإحضاره إلى مصر. كل الخليجيين تعلموا على يدى، منهم طلال مداح، وعوض دوخى، وكنت وقتها رئيس أوركسترا الكويت، وبعد ذلك انتقلت للإقامة فى لبنان عام 1968، وكنت عازف كمان أول فى فرقة الرحبانية.. فعندما سافرت إلى بيروت تزوجت من فتاة لبنانية هى أم أولادى كانت صديقة لفيروز جارتها، وكانوا ينادوننى بـ"الخواجة ميشيل"، والتحقت بالرحبانية عندما قدمنى صديقى نقيب الموسيقين وقتها "عبود عبدالعال" للرحبانية، وعملت تحت قيادة منصور وعاصى الرحبانى، وكانت هذه التجرية من أهم تجارب حياتى، واستفدت منها لأنها كانت فرقة على المواصفات العالمية فى كل شىء من الانضباط والنظام والموسيقى، ومن شدة الانضباط أنهم كانوا قبل أى رحلة خارجية يوزعون على أعضاء الأوركسترا كتيبا به تفاصيل الرحلة بمواعيد دقيقة من أول التجمع حتى العودة وميعاد الراحات ودخول المسرح حتى دخول فيروز على المسرح".

ويسرد ميشيل والابتسامة تعلو وجهة عندما يتحدث عن فيروز: "السيدة فيروز كانت تملك انضباطا غريبا، وكانت جادة طوال الوقت وكل شىء لديها بحساب حتى فترة تحية الجمهور".

توقف ميشيل ليستريح قبل أن يتحدث عن السنوات العشرين الأخيرة فى حياة محمد عبدالوهاب، ثم قال: "فى الأعوام العشرين الأخيرة من حياة الموسيقار محمد عبدالوهاب كنت ملازمه، أقوم بتنفيذ كل أعماله كتابة وقيادة وتوزيعا واستشارة، فهو فنان بمعنى الكلمة وكان يملك القدرة على أن يوصل كل شىء بشكل جيد، وكانت خزينته لا تنفد مهما ألف، وكان ذكيا ولماحا ومنضبطا ورجل علاقات عامة من الطراز الأول يجيد فن البروتوكول، فهو تربية قصور فعلا، كان يسجل الأغنية الواحدة 25 ساعة وبعد شهر من التسجيل يبدأ سماعها مرة أخرى إلى أن يختار منها 20 دقيقة فقط، وكان لديه دائما الجديد، وفى يوم اختلفنا أثناء تسجيل السلام الجمهورى له، وعندما سمعته أوقفت البروفة بكل انفعال، وعندما نظر لى عرف أن هناك شيئا مهما جدا، فقلت هذا السلام ينفع للكشافة أو لمدرسة تعزفه فى طابور الصباح، ووقفت أقول له تذكر يا أستاذ عبدالوهاب فيردى عمل السلام بعظمة شديدة جدا لأنه سلام دولة عظيمة جدا لازم يهز وجدان المصريين وللأجانب".

ثم أخذ نفسه وتذكر أم كلثوم وقال لى "إنها كانت أمى رغم أننى رفضت العمل معها لأكثر من 25 سنة، لأننى سمعت أنها تهين الموسيقيين وأنا عزيز النفس لا أقبل هذا، فأخذت ترسل لى وأنا لا أذهب إليها لأننى كنت أحبها ولا أريد أن يتغير هذا الحب فى قلبى، وظل أحمد فؤاد حسن يحاول إقناعى بأن ألتحق معه بالفرقة الماسية التى كانت تضم أسماء كبيرة، منهم محمد القصبجى وأحمد الحفناوى، وأخذت أختلق أشياء غير منطقية لترفضنى، فطلبت أجرا أكبر من كل الموسيقيين بالفرقة، فوافقت.. فذهبت إليها فى أول لقاء وكانت لا تعرف شكلى، وذهبت بناء على موعد فى الاستوديو فوجدتها جالسة قبل الميعاد بساعة، فمددت يدى لأسلم عليها ونظرت إلى وقلت لها أنا ميشيل المصرى، فأمسكت بيدى بقوة وقالت: (أنتظرك منذ 25 عاما).. وتعاملت معها فى الأربع السنوات الأخيرة فى حياتها، وقدمت معها (يا مسهرنى، وليلة حب، والقلب يعشق كل جميل)، ووجدت فيها قلبا كبيرا وشعرت بأنها أمى، وأخذت كل فترة تسألنى باهتمام: (هل أنت مرتاح معنا؟).. إنها كانت سيدة عظيمة حقا، وكانت صاحبة شخصية قوية وصاحبة حضور طاغ وقلبها مثل الحديد، وهى كانت تعتمد على الحوار الموسيقى غير المكتوب المرتجل الناجم عن التفاهم بيننا من كثرة البروفات، وكانت تميل لمدرسة السلطنة".

وقال عن "العندليب": "جاءنى عبدالحليم حافظ فى الكويت عام 1965 وقدمت معه أغنية (يا هلى) وكنت عازف الكمنجة السوليست معه، و(فرحة السمار)، وغيرهما، وكان يحترم كل ما أقوله. وأذكر أننا بعد أن اجرينا 11 بروفة على "قارئة الفنجان" طلب منى عدم الانصراف أنا ومحمد الموجى، وبعد أن تناولنا العشاء معه طلب منا أن نضع المقدمة للأغنية، وجلسنا حتى الصباح بعد أن تركنى مع الموجى وخرج، والطريف أن الموجى لم يستطع أن يستخرج من مخزونه شيئاً واستطعت أن أكتب فجأة ست مقدمات منها المقدمة التى نسمعها".

وانتقل للحديث عن أصحابه قائلا: "أنا وصلاح عرام وعاطف نصار وبليغ حمدى ومحرم فؤاد كنا جيرانا بحى شبرا، وتعرفت عليهم فى معهد الموسيقى العربية وكنا نتقاسم معا حب الموسيقى، وبليغ كان يعيش لفنه فقط لا يبحث عن مال ولا شهرة، وكان يقضى يومه منذ الاستيقاظ حتى النوم فى التلحين، وكان مهملا فى حق نفسه وظلم كثيرا حيا وميتا".

وعن تقديره من قبل الدولة قال: "عانيت كثيرا من التجاهل وإهمال المسئولين لقدرى ومكانتى الفنية، حتى إنه فى يوم تم تقديم فيلم روائى قصير  من إنتاج التليفزيون المصرى عن حياتى، أخرجته سوزان عباس لكن مع الاسف بعدما سعدت بهذا الفيلم وشعرت بأننى أخيرأ أخذت حقى المسلوب، لم يذع سوى مرة واحدة فقط. فأنا مصرى وأحب تراب هذا البلد، الأمر الذى جعلنى عندما سجلت يوماً فى أحد الاستوديوهات بلندن تمنيت أن أقود أوركسترا مثل هذا بمصر، وبالفعل عرضت هذا المشروع على لجنة الفنون التابعة لاتحاد الإذاعة والتليفزيون ورئيس الاتحاد وقتها "أمين بسيونى"، وبالفعل عرض علىّ عام 1998 أن أقود أوركسترا كبيرا من 123 عازفا و100 كورال، وهذا لم يحدث فى تاريخ مصر والشرق، وكان هدفى أن يكون شبيها بأوركسترا لندن الملكى".


سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

غلاق 42 دار أيتام نهائيًا ومحاسبة المسئولين.. بسبب رصد تجاوزات

كشف علاء عبد العاطى مدير عام الرعاية الاجتماعية بوزارة التضامن الاجتماعي عن أرقام ووقائع مهمة تخص الأيتام من نزلاء دور...

الدكتور محمد شطا: طفرة فى زراعات القمح.. لم تحدث منذ العصور القديمة

منظومة ذكية لمنع تسريب الأسمدة إلى السوق السوداء الأسمدة والتقاوى متوافرة.. وأسباب خاصة وراء الشكاوى

استعدادات مكثفة لاستقبال الشهر الكريم.. ورغيف الخبز متوافر على مدار الساعة

رئيس شعبة المخابز بغرف القاهرة التجارية: لا زيادة فى سعر رغيف الخبز المدعم من الدولة فهو ثابت دائمًا عند 20...

إبراهيم السجيني: خطة شاملة لإحكام الرقابة على الأسواق خلال الشهر الكريم

تفعيل منظومة الشكاوى على مدار الساعة.. والتصدى بحزم لأى تلاعب بالأسعار تنسيق كامل مع الأجهزة الرقابية وحملات مكبرة لحماية صحة...