البرقوقى رفض الصعود إلى سطح المياه حتى لا تنكشف العملية.. ونبيل عبد الوهاب سبح بجثمانه 15 كيلو مترًا الضفادع البشرية نجحت فى دخول ميناء «إيلات» 5 مرات دون اكتشافها
لم يكن انتصار السادس من أكتوبر عام 1973 وليد المصادفة، وإنما كان ثمرة عقيدة قتالية راسخة وإرادة وطنية لم تنكسر بعد نكسة 1967. فبينما اعتقد العدو الإسرائيلى أن القوات المسلحة المصرية فقدت قدرتها على الرد، جاءت الإجابة من قلب المياه، فى سلسلة من العمليات النوعية التى شكلت تحولًا مهمًا فى مسار الصراع.
فمن ملحمة تدمير المدمرة الإسرائيلية «إيلات» فى 21 أكتوبر 1967، باستخدام صواريخ «بحر-بحر» لأول مرة، إلى الغارات التى نفذها رجال الضفادع البشرية بالتنسيق مع أجهزة المخابرات الحربية والعامة ضد ميناء إيلات خلال عامى 1969 و1970، أكدت العمليات المصرية أن الهزيمة لم تكسر إرادة المصريين، وأن استعادة الثقة كانت جزءًا أساسيًا من معركة ما بعد النكسة.
وخلال ثلاث عمليات استهدفت الأولى سفينتى «داليا» و«هيدروما»، والثانية ناقلتى الجنود والدبابات «بات يام» و«بيت شيفع»، بينما استهدفت الثالثة تدمير الرصيف الحربى للميناء، تحولت منطقة كانت تمثل ميزة لوجستية للعدو إلى هدف للعمليات المصرية المتكررة.
وفى تصريحات متنوعة، كشف اللواء القبطان البحرى عمر عز الدين، خريج الدفعة الـ17 بحرية، والذى شارك فى تلك العمليات وهو برتبة ملازم أول، العديد من التفاصيل الخاصة بعمليات إيلات، مؤكدًا أن الحفاظ على الوطن وبناءه مسؤولية مشتركة، وأن الحرب لا تكون دائمًا بالسلاح، وإنما بالعمل والإصرار والإرادة.
وأكد عز الدين أن النصر لم يكن صدفة، وإنما جاء نتيجة للإرادة المصرية والعقيدة الراسخة، مشيرًا إلى أن بطولات رجال القوات المسلحة يجب أن تنتقل إلى الأجيال الجديدة من خلال الأعمال الفنية والتوثيق التاريخى، كما حدث فى فيلم «الطريق إلى إيلات».
وبسؤاله عن فك الإلتباس بين إغراق المدمرة «إيلات» أم استهداف ميناء إيلات قال:
هذا الالتباس موجود بالفعل بسبب تشابه الاسم، لكن هناك فرق كبير بين الحدثين.
الأول كان تدمير القطعة البحرية الإسرائيلية «إيلات» فى 21 أكتوبر 1967، أما عملياتنا كضفادع بشرية فاستهدفت ميناء إيلات نفسه، من خلال غارات نفذت خلال عامى 1969 و1970.
كانت المدمرة «إيلات» تخترق مياهنا الإقليمية أمام بورسعيد، وتتقدم مسافة أكبر فى كل مرة، ظنًا منها أن المصريين لن يتحركوا. وكانت التعليمات فى البداية تقضى بعدم الاحتكاك بها، لكن العميد وقتها محمود فهمى عبد الرحمن، رئيس عمليات قاعدة بورسعيد، والذى أصبح قائدًا للقوات البحرية فيما بعد، أصدر أوامره بأنه إذا اخترقت المياه المصرية مرة أخرى فسيتم التعامل معها.
وبالفعل، فى 21 أكتوبر 1967، دخلت المدمرة المياه الإقليمية المصرية مرة أخرى، فأصدر تعليماته بالاشتباك معها. وانطلق لنش من القاعدة بقيادة أحمد شاكر، وأطلق صاروخين على المدمرة، لكنها لم تغرق بالكامل.
وبعد نحو نصف ساعة، خرج لنش آخر بقيادة لطفى جاد الله، وأطلق أيضًا صاروخين، ليتم تدمير المدمرة بالكامل، فضلًا عن الخسائر البشرية والإصابات التى لحقت بطاقمها.
وبالطبع، ردت إسرائيل بغارات جوية استهدفت معامل التكرير فى السويس، لكن تدمير المدمرة «إيلات» كان، فى تقديري، إيذانًا بعودة ثقة المصريين بأنفسهم ورفع روحهم المعنوية، وإثباتًا لقدرة مصر على الانتقال من الهزيمة إلى النصر، وهو ما تحقق بالفعل فى أكتوبر 1973.
وقد اختير يوم إغراق المدمرة «إيلات» عيدًا للقوات البحرية، باعتباره إحدى أبرز العمليات البحرية التى نفذتها القوات المصرية فى تلك المرحلة.
بداية عمليات إيلات
كانت أولى عمليات الضفادع البشرية ضد ميناء إيلات ليلة 15-16 نوفمبر 1969، واستهدفت تدمير السفينتين «هيدروما» و«داليا»، وكان للعملية أثر معنوى كبير.
ثم جاءت العمليات التالية التى استهدفت ناقلات وسفنًا أخرى، وصولًا إلى العملية الثالثة التى استهدفت الرصيف الحربى للميناء.
وكان اختيار توقيت العملية الثالثة فى 14 و15 مايو 1970 مرتبطًا، وفق ما يرويه عز الدين، بذكرى قيام دولة إسرائيل، فى محاولة لتوجيه ضربة ذات أثر عسكرى ومعنوى فى الوقت نفسه.
عن أسباب اختيار القيادة ضرب الموانئ؟
قال "عز الدين":
بعد نكسة 1967، حاول العدو الإسرائيلى التأثير فى الروح المعنوية للجيش والشعب، من خلال ضرب أهداف مدنية فى العمق المصري، ومنها مدرسة بحر البقر ومصانع أبو زعبل وغيرها، فى محاولة لإيصال رسالة بأن مصر قبلت بالأمر الواقع.
وفى ظل هذه الظروف، اجتمع الرئيس جمال عبد الناصر بمجلس الدفاع الأعلى، الذى كان يضم قادة الأسلحة ورئيس الأركان ووزير الداخلية، وجرى بحث ضرورة الرد على الهجمات الإسرائيلية.
وبسبب محدودية مدى الطيران المصرى فى ذلك الوقت، وعدم قدرته على الوصول إلى أهداف بعيدة مثل حيفا وتل أبيب من بعض القواعد المصرية، طرح قائد القوات البحرية الفريق محمود فهمى فكرة ضرب العمق الإسرائيلى عبر الموانئ.
وأوضح قائد القوات البحرية أن رجال البحرية كانوا مدربين ومستعدين لتنفيذ تلك العمليات، وأن المعلومات اللازمة عن الموانئ والأهداف تم جمعها من خلال عمليات الاستطلاع التى شاركت فيها أجهزة المخابرات.
ويقول عز الدين إن قائد القوات البحرية عاد من القاهرة إلى الإسكندرية، واجتمع بالضباط الشباب، وأبلغهم بأنه أبلغ الرئيس بأن القوات البحرية قادرة على ضرب موانئ العدو، وسألهم عن استعدادهم لتنفيذ المهمة.
وكان الرد حماسيًا، وتمثل فى الاستعداد للتنفيذ مهما كانت المخاطر، مؤكدًا أن ثقة القيادة فى رجالها كانت أحد أهم عوامل النجاح.
عن أسباب البدء بتدمير إيلات قال:
كانت لإسرائيل ثلاثة موانئ رئيسية؛ أشدود وحيفا على البحر المتوسط، وإيلات على خليج العقبة.
ويضيف عز الدين إن رجال الاستطلاع تمكنوا من جمع معلومات عن تلك الموانئ، وكانت هناك خطط لضرب أى منها، لكن اختيار إيلات جاء بسبب وجود عدد من اللانشات وحاملات الجنود والدبابات، ومنها «بيت شيفع» و«بات يام» و«هيدروما» و«داليا»، والتى كانت تستخدم فى تنفيذ عمليات على السواحل المصرية فى خليج السويس ومنطقة الزعفرانة ومن هنا جاء التوجيه بالبدء بميناء إيلات.
18 بطلًا فى قلب العمليات
عن دور الضفادع البشرية فى إيلات؟.. قال الضفادع البشرية إحدى الوحدات الخاصة فى القوات البحرية، إلى جانب الصاعقة البحرية، ويخضع أفرادها لتدريبات شاقة ومتخصصة، واختبارات بدنية ونفسية وطبية دقيقة، ويتم اختيار عناصرها وفق معايير محددة.
ويقول عز الدين إنه كان قد التحق بفرقة الضفادع البشرية التى كانت مدتها ستة أشهر وقت وقوع نكسة يونيو.. وأضاف أن مجموعة الضفادع البشرية كانت تتكون من فردين، ضابط وصف ضابط، مشيرًا إلى أن الصورة التاريخية الشهيرة التى جمعت 18 بطلًا ضمت عددًا من المشاركين فى العمليات المختلفة.
ويستعرض عز الدين أسماء عدد من هؤلاء الأبطال، ومن بينهم محمد العراقى، وعلى أبو ريشة، وعبده مبروك، وعادل الطراوى، وأحمد المصري، وفؤاد رمزى، ومصطفى طاهر، وعمرو البتاتونى، وحسنين جاويش، وحسن الشراكى، والمهندس أسامة مطاوع، وعبد الرؤوف سالم، ومحمود سعد، ونبيل عبد الوهاب، ورامى عبد العزيز، إلى جانب الرائد رضا حلمي، وخليفة جودت، ومصطفى طاهر.
وأكد أن غارات ميناء إيلات الثلاث، وكذلك عملية تفجير الحفار الإسرائيلى فى أبيدجان بساحل العاج، وعملية أبورديس فى 7 أكتوبر 1973، نفذها رجال الضفادع البشرية، وكان قوام المجموعة الأساسية 18 فردًا من الضباط وصف الضباط.
كيف وصلتم إلى إيلات عبر الأردن؟
يقول عز الدين إن التحرك كان يتم فى ملابس مدنية وسط الجبال والوديان، لتجنب اكتشاف المجموعة، وأن العملية كانت تؤجل إذا ظهرت أى مؤشرات للخطر.
وكان الوصول إلى ميناء إيلات يتطلب المرور عبر الأراضى الأردنية، فى ظل حساسية الموقع الجغرافى للميناء، حيث يقع جنوبه خليج العقبة، وتوجد الحدود السعودية والأردنية بالقرب من المنطقة.
ويضيف أن رجال المخابرات ساعدوا فى إدخال المشاركين إلى الأردن بشخصيات وجوازات سفر مختلفة، ومهن مستعارة، مثل سائق ومهندس ونجار ومدرس، بحيث لا يتم استخدام الشخصيات الحقيقية للمشاركين.
كما جرى إدخال الألغام والمتفجرات سرًا عبر الأراضى الأردنية، بينما تولى عدد من رجال الصاعقة المصرية مهمة إيصال المجموعة إلى نقطة الإنزال.
وبعد الوصول إلى عمان، تحركت المجموعة إلى بلدة معان الواقعة بين عمان والعقبة، واستمرت فى التحرك بملابس مدنية داخل سيارات جيب، حتى الوصول إلى نقطة الإنزال على الشاطئ.
وهناك ارتدى أفراد المجموعة بدلات الغوص، إيذانًا ببدء المهمة والتسلل ليلًا إلى الميناء.
خمس مرات داخل ميناء إيلات
كيف كانت كواليس التحرك والتسلل إلى ميناء إيلات؟
كانت عمليات الضفادع البشرية مرتبطة بتاريخين؛ فالتنفيذ الفعلى كان يتم ليلًا، حتى لا يكشف النهار المجموعة.
ويقول عز الدين إن رجال الضفادع البشرية دخلوا ميناء إيلات خمس مرات؛ ثلاث منها لتنفيذ العمليات، ومرتان للاستطلاع والتمهيد، بهدف دراسة أجهزة الرادار الإسرائيلية، واتجاهات التيارات المائية، وأماكن العبوات المتفجرة التى كان العدو يلقيها فى البحر بصورة دورية لمنع تسلل الغواصين.
العملية الأولى.. التضحية تحت الماء
ماذا عن العملية الأولى؟
نُفذت العملية الأولى من خلال ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: ملازم أول عمر عز الدين ومعه محمد العراقى.
المجموعة الثانية: حسنين جاويش ومعه عادل الطراوي.
المجموعة الثالثة: نبيل عبد الوهاب ومعه الرقيب أول الشهيد فوزى البرقوقي.
ويؤكد عز الدين أن العملية كانت الأصعب، باعتبارها أول عملية من نوعها فى تاريخ الضفادع البشرية المصرية الحديثة بعد النكسة، وكان لها تأثير معنوى كبير فى المصريين.
البرقوقى يختار الشهادة
ما أكثر المشاهد التى تتذكرها من العملية الأولى؟
يقول عز الدين إن نبيل عبد الوهاب والرقيب أول محمد فوزى البرقوقى كانا فى المجموعة الثالثة، وإن الغوص فى أعماق كبيرة لفترات طويلة كان يحمل مخاطر صحية على الغواصين، خاصة مع استخدام أجهزة التنفس.
وأضاف أنه خلال العملية تعرض البرقوقى لأزمة تحت الماء، وكان من الممكن علاجه بالصعود إلى السطح واستنشاق الهواء، لكن طبيعة المهمة ومياه الخليج الشفافة كانتا تجعلان الظهور على السطح خطرًا على العملية بأكملها. ورغم طلب نبيل عبد الوهاب منه الصعود ثلاث مرات، رفض البرقوقى الخروج حتى لا تنكشف العملية وتفشل مهمة زملائه، وبعد أن تمكن من تثبيت المتفجرات تحت سفينة العدو، استشهد البرقوقى تحت الماء.
لكن البطولة لم تتوقف عند ذلك، إذ رفض زميله نبيل عبد الوهاب ترك جثمانه فى المياه والعودة بدونه، رغم أن التعليمات العسكرية كانت تتيح ترك الجثمان حفاظًا على سلامة العملية.
ويقول "عز الدين" إن عبد الوهاب سبح بجثمان زميله مسافة تقدر بنحو 15 كيلومترًا، من ميناء إيلات إلى ميناء العقبة.
عملية فردية غير مسبوقة
ومن بين كواليس العملية، يروى عز الدين أن زميلًا فى إحدى المجموعات تراجع عن النزول، وكان من المفترض إلغاء دور هذه المجموعة، لكنه أصر على استكمال المهمة منفردًا، وتمكن من ربط اللغمين لتفجير السفينة بمفرده، فى عملية ـ وصفها عز الدين ـ بأنها كانت تنفيذًا فرديًا للمهمة، أو ما يعرف بـ«Single-handed».
التخفى حتى الصباح
ويضيف عز الدين أنه بعد عمليتى إيلات الأولى والثانية، صدرت أوامر إسرائيلية بعدم مبيت السفن ليلًا داخل الميناء، وبما أن تنفيذ العملية نهارًا كان سيؤدى إلى كشف المجموعة، ظهرت فكرة التخفى حتى الصباح فى بقايا حطام السفينة «بات يام»، التى سبق تدميرها فى العملية الثانية، وكان جزء منها لا يزال ظاهرًا فوق سطح المياه وعلى الرصيف الحربى وكانت الخطة تقضى بالاختباء فى الحطام ثم العوم إلى الميناء من مسافة أقرب، وتلغيم السفن.
ويقول عز الدين إنه تطوع لتنفيذ الفكرة مع حسن أبو ريشة، وفقًا لشهادة اللواء نبيل عبد الوهاب، لكنهما اكتشفا أن الجزء الظاهر من الحطام لم يكن كافيًا لاختباء فردين.
العملية الثالثة
كيف تمت العملية الثالثة رغم الاحتياطات الإسرائيلية؟
يقول عز الدين إن العملية الثالثة تمت فى 14 و15 مايو 1970، واستهدفت تدمير الرصيف الحربى للميناء بالكامل.
وكان الإسرائيليون، وفق روايته، يلقون عبوات متفجرة تحت الماء بصورة متكررة لمنع تسلل الضفادع البشرية.
وتسببت الموجات الانفجارية فى إلحاق أضرار باللغم الخاص بالمجموعة التى ضمت عمر عز الدين ونبيل عبد الوهاب، وكان وزن اللغم نحو 125 كيلوجرامًا، ما أدى إلى جعله يطفو على سطح المياه، وهو ما كان يعنى احتمال اكتشافه وفشل العملية.
ويقول عز الدين إنه أصر على استكمال المهمة، وردد: «العملية دى هتم هتم، حتى لو اضطريت أحضن اللغم لغاية بكرة الصبح وأتفجر أنا وهو».
وبالفعل، تم تثبيت اللغم فى القاع باستخدام حزام الرصاص وأثقال الغوص، ثم جرى ضبط المؤقت على 12 ساعة، لينفجر اللغم ويدمر الرصيف الحربى للميناء.
وهكذا تحولت عمليات الضفادع البشرية فى إيلات إلى واحدة من أبرز صفحات العمل الخاص فى تاريخ القوات البحرية المصرية، ومقدمة لسلسلة من العمليات التى أسهمت فى استعادة الثقة بالقدرة المصرية على المبادرة والرد، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الحرب لم تكن مجرد مواجهة وانما اختبار شامل للقدرة على التخطيط والتنفيذ عبقرية تحويل قناة السويس من مانع مائى صعب...
ست سنوات كاملة عاشها المصريون فى انتظار النصر، ولم يفقدوا الأمل؛ فقواميسهم لا تعرف كلمة اليأس.
زهدى: حرب أكتوبر نموذج لفهم طبيعة العلاقات بين مصر ومحيطها العربى والأفريقى الزهار: حرب أكتوبر أعادت صياغة معادلات القوة.. وفتحت...
التصالح فى مخالفات البناء والأحوال الشخصية على رأس الأولويات